ناشونال انترست | كيف يمكن للأرجنتين تجنب الأزمة الاقتصادية؟


١٧ سبتمبر ٢٠١٩ - ٠٢:٢٢ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس
المصدر – ناشونال انترست

إنه ليس موسم الأعاصير في أمريكا الجنوبية، لكن أزمة عملات أخرى انتشرت في الأرجنتين.. لقد وصل الأمر تمامًا مع ترشيح الرئيس موريسيو ماكري لإعادة انتخابه.

 كان ماكري، الرئيس غير البيروني، يتوقع دائمًا مجهودًا شاقًا؛ فمنذ عودة الأرجنتين إلى الديمقراطية في أوائل الثمانينيات، لم يسمح الحزب البيروني لأي شخص من غير البيرونيين باستكمال فترة حكمهم كاملة، فيما كان آخر رئيس منتخب بانتظام وغير بيروني قبل ماكري هو فرناندو دي لا روا. وقد انتهز البيرونيون أزمة الديون السيادية (التي ساعدوا في خَلقها) لإجباره على السلطة في عام 2001. وكانت هذه الأزمة تشبه إعادة تشغيل 2019.

فتحت استقالة دي لاروا الباب لخمس عشرة سنة من الحكم البيروني اليساري الشعبوي، بما في ذلك اثنتا عشرة سنة (2003-2015) في عهد نيستور ثم زوجته كريستينا كيرشنر. إن سياساتهم المتعلقة بالحركة القومية والحمائية والمصادرة والإنفاق الشديد للعجز دمرت الاقتصاد الأرجنتيني وعزلت البلاد وأضعفت حكم القانون.

تتبع هذه الأزمة الأخيرة نمطًا سيئًا ومؤسفًا، وكما ذكرت الفاينانشيال تايمز، "لقد تخلفت الأرجنتين عن سداد ديونها السيادية ثماني مرات منذ استقلالها في عام 1816، وبشكل مذهل في عام 2001 على سندات بقيمة 100 مليار دولار - في ذلك الوقت أكبر سداد افتراضي في العالم - ومؤخرًا في عام 2014."

تولى الرئيس موريسيو ماكري منصبه في أواخر عام 2015، وفعل ما بوسعه من خلال الإجراءات التنفيذية لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد من خلال فرض تدابير التقشف للحد من عبء الدعم على الميزانية. في البداية، كان ناجحًا، حيث أبرم صفقة مع الدائنين "المتأخرين" من مرحلة التخلف عن السداد عام 2001، كما أنه حفز جيلًا جديدًا من مستثمري الأسواق الناشئة على الاستثمار فيما كان لا يزال رهانًا عالي المخاطرة.

لكن أعضاء الحزب البيروني، الذين ما زالوا يسيطرون على الكونجرس، رفضوا أجندة سياسة ماكري لإجراء إصلاحات طويلة الأجل (مثل إصلاح قانون العمل، وتقليص القواعد التنظيمية، وتخفيض معاشات القطاع العام ودولة الرفاهية) اللازمة لمنع الأرجنتين من العيش بطرق تتجاوز مواردها، وجعل الاقتصاد أكثر تنافسية على المستوى العالمي.

كان البيزو يتهاوى طوال العام، وهو ما تسارع بعد أن وضع ماكري خطة إنقاذ احتياطية بقيمة 50 مليار دولار (مع قيود مرتبطة) من النقد الدولي. وشهدت الأرجنتين تضخمًا كبيرًا بنفس نمط عام 2001 من جديد.

وازداد تراجع البيزو تدهورًا بعد هجمات مضاربي العملة. وفي النهاية، لم يكن أمام حكومة ماكري خيار سوى فرض أداة السياسة النقدية التي يبغضونها، والتي تتمثل في فرض ضوابط شديدة على رأس المال لوقف تدفق الدولار الأمريكي الذي شكّل تهديدًا خطيرًا لاحتياطيات البنك المركزي.

وكان نتيجة ذلك انتعاش طفيف للبيزو وسوق السندات لديون الأرجنتين، وهو رد فعل على الإعلان عن ضوابط رأس المال، وذلك وفًقا لجيفري لويس من وول ستريت جورنال، غير أن تلك الضوابط ليست حلًا طويل الأجل.

وكما لاحظت "ماري أوجرادي" في مقال نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، ليس من الضروري أن تكون هكذا. ولوقف دورة الطفرة والكساد المفرغة، تقترح أوجرادي (وغيرها من الخبراء الماليين) أن تقوم الدولة بـ"دولرة" مصارفها المركزية وتهميشها في النهاية. كما ستكون هناك حاجة لإصلاحات أخرى أيضًا.

كانت الدولرة في عام 2000 هي التي أنقذت الإكوادور خلال سنوات "رافائيل كوريا" (2007–2017) من التعرض للأضرار الاقتصادية المدمرة التي ألحقها هوجو شافيز باقتصاد فنزويلا، كما استفادت من تلك العملية أيضًا العديد من دول أمريكا اللاتينية الأخرى، بما في ذلك السلفادور وبنما وجزر البهاما.

في حالة الإكوادور، كانت الحكومة تحذو حذو الأفراد الذين تخلوا عن عملتهم المحلية "السوكري" الذي ينخفض ​​باستمرار لصالح ثروتهم التي اكتسبوها بشق الأنفس في أداة  يثقون بها أكثر (الدولار).

وشملت عملية الدولرة في الإكوادور ضخ الحكومة ما يكفي من الدولار في الاقتصاد لدعم المعاملات التجارية مع الاستعاضة تدريجيًّا عن عملتها القديمة بالدولار، في حين كانت هناك حاجة لاتفاقيات مع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والبنوك المركزية الأمريكية الأخرى وصندوق النقد الدولي لاستبدال الأوراق النقدية القديمة والمتضررة بانتظام بأوراق جديدة، ولضمان أن البنك المركزي الإكوادوري يمكن أن يقترض ما يكفي من احتياطي من الدولارات لتمكينه من الاستبدال التدريجي للسوكري.

وقد منعت عملية الدولرة إساءة محتملة لاستخدام الحكومة لسلطتها - والمتمثلة في طباعة أموالها الخاصة - وهذا الانضباط المالي المتزايد على الحكومة، والذي يجب أن يحد من إنفاقها على ما يمكن تمويله من الضرائب أو عن طريق اقتراض الدولارات، وأصبح الإكوادوريون اليوم  لا يتذكرون عملة السوكري.

أما في حالة الأرجنتين، فسيتكرر نفس هذا السيناريو إلى حد كبير، ومن المؤكد أن الانكماش والتقشف اللذين يرافقان عملية الدولرة في البداية سوف يزدادان على المدى القصير. لكن مزيد من الألم سيكون مؤثرًا على السياسيين الشعوبيين الغاضبين، الذين سيتم تقييد أيديهم ومنعهم من طباعة المزيد من العملة المحلية لايهام مؤيديهم  بالتقدم .

إذا عادت كريستينا كيرشنر، وهي من مناصري التشافيزية، إلى منصبها الحكومي في الانتخابات التي ستجري هذا الخريف (كنائب للرئيس)، وإذا لم يستطع ماكري تنفيذ عملية الدولرة قبل ذلك، وهو أمر مرجح، فستضطر الأرجنتين لأن تعيش الماضي مرة أخرى.

وإذا تعيّن إتمام عملية الدولرة، فسيجب على غالبية الناخبين أن يقرروا أنهم قد سئموا من ذلك واكتفوا، كما سيتعين عليهم إعادة انتخاب ماكري ومنح حزبه السيطرة على الكونجرس، ومنحه تفويضًا لإنهاء دورة التخلف عن سداد الديون وتعثر العملة بشكل نهائي.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات رؤية ترجمات

اضف تعليق