أسيا تايمز | كيف يكون التضليل الإعلامي أداة لخدمة القوة الناعمة؟


٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ - ٠٧:٢١ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح
المصدر- أسيا تايمز

بالرغم من المواقف الحماسية وسياسات حافة الهاوية التي تتجلى أمامنا في المسرح السياسي العالمي، إلا أن العالم ينتقل بوضوح بعيدًا عن فكرة أن القوة العسكرية تصنع الحق. إن عصر القوة العسكرية الصلبة، التي تحكمها الأسلحة والقوة العسكرية النووية، لم تختف تمامًا، لكنها أفسحت المجال ببطء لعصر القوة الناعمة، حيث لا يقتصر النفوذ والتأثير السري على حجم الضرر الذي يمكن أن تلحقه دولة بدولة أخرى. على أية حال، في عصر توجد فيه دول عديدة بإمكانها إشعال حرب عالمية ثالثة، فقدت القوة المادية بعضًا من خطورتها.

إن مشكلة هذا التحوّل نحو القوة الناعمة لا تكمن في الاتجاه نفسه، لكنها تكمن في الآليات التي تصبح متوفرة للدول التي تسعى لممارسة نفوذها. ينطبق هذا الأمر بوجه خاصة على الشرق، وهو منطقة معروفة بحكوماتها المتسلطة، حيث خصصت الأنظمة استثمارات ضخمة في مجال التضليل الإعلامي لاستخدامه كأداة رئيسية لممارسة الحُكم.

في وقت تتسابق فيه الدول لممارسة النفوذ وتحقيق الغلبة، بداية من منطقة الخليج والشرق الأوسط وصولاً إلى جنوب شرق آسيا، أصبح التضليل الإعلامي محورًا أساسيًا في خطط العديد من الدول. ومع تطوّر هذا الاتجاه، فقد يصبح تهديدًا خطيرًا للغاية للديمقراطية والحرية في المنطقة لسنوات مقبلة.

استبدال البنادق بحسابات تويتر الآلية
في شهر مارس، بدأ سكان هونغ كونغ احتجاجات قوية ضد قانون جديد يسمح بترحيلهم للوطن الأم الصين لمحاكمتهم هناك. بالرغم من أن ما يسمى بقانون الترحيل قد وُضع جانبًا، تواصلت الاحتجاجات من دون توقف تقريبًا لستة أشهر وشهدت عنفًا في بعض الأحيان، إذ أغرقت الشرطة المحتجين بالغازات المسيّلة للدموع، مستخدمة أساليب تعتبر غير أخلاقية، ودخلت في مصادمات مع المحتجين بشكل شبه يومي.

لكن لو نظر المرء لموقع تويتر، فسيجد أن القصة تدور بصورة كبيرة حول مدى عنف المحتجين وتدميرهم لحكم القانون، فضلا عن رسائل أخرى مناهضة للمحتجين. وفقا لموقع تويتر ذاته، فإن الصين متهمة ببذل جهد هائل للتحكم في سرد القصة لصالحها، مستعينة بما يزيد على 200 ألف حساب يشاركون في أنشطة منسقة. لكن حتى مع انتقال آسيا من فئة البلدان النامية، وانضمامها لفئة الدول المكتملة التصنيع في الغرب، إلا أن حكوماتها تواصل اتباع أساليب قمعية ومثيرة للشكوك للإبقاء على شعوبها مُضللة، وتعزيز قوتها الناعمة في المنطقة.
  
 هذه بضعة أمثلة على مشكلة أوسع نطاقًا في المنطقة.  لقد كانت آسيا مركزًا لموجة من "الدعاية الشمولية والرقابة والترهيب والعنف الجسدي والتحرش السيبراني" كما ذكرت منظمة مراسلون بلا حدود. الصين، على سبيل المثال، ازداد ترتيبها سوءًا، متراجعة مركزًا واحدًا، ومحتلة المركز ال 177 في مؤشر حرية الصحافة الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، فيما تراجعت فيتنام للمركز ال 176. حتى هونغ كونغ، التي كانت يوما ما قلعة ليبرالية في فلك الصين، تراجعت للمرتبة 73 بفضل خضوعها لضغوط الصين. بالرغم من أن منطقتي المحيط الهادئ وجنوب شرق آسيا كانتا في المقدمة، إلا أن الشرق الأوسط لم يتخلف كثيرًا في تبنّي التضليل الإعلامي كوسيلة للقوة الناعمة.

عُرف الشرق الأوسط لزمن طويل بالتوترات والتحالفات المضطربة التي جمعت بين دوله الإقليمية. مع هذا، ظهرت انقسامات حادة بين دول في المنطقة مثل السعودية ومنافستيها قطر وإيران، إذ تستخدم هذه الدول الأدوات الإعلامية التي تمتلكها للتأثير على المنطقة. على سبيل المثال، استخدمت قطر ثروتها الكبيرة ووسيلتها الإعلامية المملوكة للدولة، الجزيرة، سرًا وببطء لإعادة تشكيل صورتها بوصفها صاحبة نفوذ إقليمي. ونظرًا لكون العديد من رؤساء هذه الوسيلة الإعلامية، من بينهم رئيس شبكة الجزيرة، أعضاءً في الأسرة القطرية الحاكمة، ينظر العديد من الناس في المنطقة للجزيرة باعتبارها محطة منحازة وتتأثر تأثرًا بالغًا بحكام قطر.

الأهم من ذلك، أن قطر لا تخشى من استخدام جهازها الإعلامي الممتد لتوسيع نطاق قوتها الناعمة في المنطقة. خذوا مثلا صحيفة "ميدل إيست آي" الرقمية، وهي موقع إليكتروني مقرّه في المملكة المتحدة يُشتبه بارتباطاته مع قطر. في عم 2016، نشر هذا الموقع مقالة إخبارية مثيرة تزعم ان الإمارات موّلت بصورة غير مباشرة المتورطين في انقلاب تركيا عبر القائد الفلسطيني محمد دحلان.

وجدت هذه القصة بسرعة طريقها لوسائل التواصل الاجتماعي، ما أدّى لتغيير التصورات بشأن تركيا، وتحويل السردية بما يتلاءم مع رواية الحكومة التركية المفضلة. المشكلة هي أن تلك القصة كانت غير قابلة للتحقق منها تمامًا، ومنقولة عن مصدر واحد لم يتم التحقق منه داخل الاستخبارات التركية. بعد مقاضاة موقع ميدل إيست آي في محكمة بريطانية، كُشف أن الموقع دأب على نشر هذا النوع من الأخبار. هذه مجرد عيّنة صغيرة على كيف ان الدول بإمكانها ممارسة ضغوط خفيّة ومساعدة حلفائها بعيدًا عن الأنظار.

عندما يتحوّل الخداع لأداة لممارسة الحُكم
إن استخدام التضليل الإعلامي من أجل توسيع نطاق القوة الناعمة، هو أمر خطير ومتعدد الجوانب. ونظرًا لتبنّي المزيد من الانظمة القمعية والدول التي من المفترض انها "ليبرالية" لقوة الأخبار المزيّفة والقدرة على خلق نقاشات تخدم مصالحها، فمن المرجح أن يزداد الوضع سوءًا. تشتهر حكومات آسيا دائما بتدخلها في شؤون سكانها، بداية من الشرق الأوسط حتى سواحل الصين الشرقية. مع ذلك، فإن القدرة على إعادة تأطير أي قضية بسرعة، وتوجيه الأنظار نحو موضوع محدد، وحتى ضخّ معلومات كاذبة من دون عقاب، كل هذا يضيف بُعدًا لجهود القوة الناعمة التي تمارسها هذه الدول.

تستطيع الصين أن تجعل العالم يغض الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان والرقابة ومحاولاتها لقمع الحركة الاحتجاجية التي اكتسبت زخمًا. يمكن لقطر أن تجعل نفسها تبدو جزيرة ليبرالية في بحر من الأنظمة القمعية والمحافظة، ويمكن لدول أخرى أن تفرض قوانين بالية، مُستخدمة بيانات مضللة، وفي بعض الأحيان مفبركة تمامًا.

إن القوة الناعمة تتحول بسرعة لتصبح الأداة الرئيسية التي تمارس بها الدول نفوذها. وعندما تُستكمل هذه القوة الناعمة بالتضليل الإعلامي، فإنها تسمح للحكومات بخلق الظروف المُصممة بوضوح لإبقائنا في الظلام.                              

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات رؤية ترجمات

اضف تعليق