المركز الفرنسي لمكافحة الإرهاب | غياب جذور التطرف عن الخطة الوطنية الفرنسية للتصدي للإرهاب


٢٥ سبتمبر ٢٠١٩ - ٠٦:١٦ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - فريق رؤية
المصدر – المركز الفرنسي للبحوث ومكافحة الإرهاب والتطرف

اطلقت الحكومة الفرنسية في 2018، خطة وطنية تتضمن نحو 60 تدبيرًا للتصدي للتطرف، وادماج المسلمين بشكل ناجح في المجتمع الفرنسي، وذلك من خلال تبني مقاربتين واسعتيّ النطاق.

الاولي على المستوي الخارجي، تتضمن حماية المصالح الفرنسية والفرنسيين المقيمين في الخارج، ومحاربة شبكات التمويل والشبكات الإنسانية واللوجستية والدعاية الإرهابية، وذلك من خلال مشروع قرار فرنسي مقدم لمجلس الأمن اعلن عنه "فرانسوا ديلاتر" مندوب فرنسا لدى الأمم المتحدة في فبراير 2019 ، بان يكون هناك توجه أممي يفرض إجراءات أمنية تمنع التعاملات المالية المجهولة واستخدام وسائل جديدة لإيصال التمويل إلى المجموعات الإرهابية.

 ناهيك عن أنشطة فرنسا الدولية الرامية إلى محاربة الإرهاب من الحد من سيطرة المجموعات الإرهابية على الأراضي بالوسائل العسكرية، ومن خلال ممكنات استحداث تدابير قانونية تحد من قدرة الجهادين على الإفلات من العقاب في مناطق الصراع، كإعلان وزير الخارجية الفرنسي "جان إيف لودريان"  في مايو 2019 عن دراسة "آلية قانونية" لمحاكمة الجهاديين الأجانب في تنظيم “داعش” المعتقلين في المناطق الكردية في سوريا، تستوحى من النظام القضائي الدولي كما كوسوفو أو القارة الأفريقية.

اما على مستوى النطاق الآخر الداخلي: كان هناك نوعين من الخطوات الأولي، هي عبارة عن  تشديدات أمنية لحماية الحدود والموانئ ومنع تسلسل الإرهابيين، والحد من عمليات المهاجريين الغير الشرعيين، وكانت وزارة الداخلية الفرنسية أحبطت ما لا يقل عن (228) محاولات مهاجرا، و(500) آخرى لمهاجريين إيرانيين، وكانت أكثر من 80% من تلك المحاولات في ديسمبر 2018.

والخطوة الثانية بدأت الدولة في تتعمق في كل شيء يسمح  في دمج  المسلمين والحد من الكراهية، مثل: التعليم، والرياضة، والحكومة المحلية، والمؤسسات الخاصة، إضافة إلى تطوير الدعم للعلمانية واستخدام الروايات المضادة للتطرف، وزيادة الرقابة الحكومية على التعليم الخاص غير المتعاقدة مع الوزارة والتي تضم نحو 74000 تلميذًا، وتدريب المعلمين على اكتشاف علامات التطرف، ومشاركة أكبر من المتخصصين في الصحة العقلية، وتشديد الرقابة على الأجهزة الإدارية للدولة وإطلاق فريق لدراسة حالات العاملين والنظر في استبعاد المتطرفين الذين لهم تأثير محتمل على الجمهور، وإزالة المحتوى الإرهابي غير القانوني على الإنترنت بشكل أسرع،  كلل بمشروع قانون تقدمت به الجمعية الوطنية الفرنسية، في يوم 06 يوليو 2019، يضع قيودا جديدة على المواقع ومحركات البحث يلزمها بالتعاون الفعال مع العدالة، يلزمها بإزالة المحتوى الذي يتضمن خطاب كراهية والعنف والإهانات العنصرية أو الطائفية أو الدينية خلال 24ساعة. وذلك تحت إشراف المجلس الأعلى للإعلام المرئي والمسموع في فرنسا.

وعلى الرغم من هذا النمط الفرنسي البناء المختلف عن كثير من الدول في مكافحة التطرف والسعي الى دمج المسلمين  بشكل ناجح في المجتمع، والذي حقق بالفعل قدرة على دمج الكثير من المسلمين الفرنسيين في المجتمع، حيث يعيش ما يقارب ستة ملايين مسلم في فرنسا، يمثلون نحو 8.8% من إجمالي السكان، وكان هناك عددًا من المسلمين كانوا ضحايا للعمليات الإرهابية التي شهدتها باريس؛ إلا أن مؤسسة التراث الفرنسية كشفت في تقرير لها أن فرنسا هي الدولة الأوروبية الأكثر تعرضًا لهجمات إرهابية، كما ورصد تقرير استخباراتي من البرلمان الفرنسي في يونيو 2019 عن تغلغل متطرفين في مؤسسات وإدارات وأجهزة استخباراتية كالشرطة والجيش وهي مؤسسات حساسة. 

وهناك ما يقرب من 20% من الجيش الفرنسي مسلم، وهذا يعني أن ما يقرب من 26500 إلى 53000 مسلم يخدمون في القوات المسلحة الفرنسية. ومازال هاجس التطرف الديني واليميني حاضرًا بقوة في الأوساط الفرنسية رغم اجراءات الدمج ومحاولات تخفيف حدة العداء للإسلام في الأوساط الفرنسية، إّذ تشير دراسة "تقييم جهود أوروبا لمعارضة التطرف الإسلامي"، والتي أصدرها معهد هدسون في مارس 2019، والتي تناقش البرامج الوقائية والعوامل التي تؤدي الى التطرف وامكانيات دمج المسلمين التي اتّبعتها أربع دول أوروبية منها فرنسا، أن التطرف الإسلامي ينتشر في فرنسا لأسباب عديدة، منها: التزام الدولة الشديد بالعلمانية، والمواقف العنصرية تجاه المهاجرين من شمال إفريقيا، والعداء العام تجاه المسلمين وربط الاسلام بالإرهاب، وما زال كان هناك اتجاه داخل الدولة يتحدث عن أنها مستعدة لاتخاذ بعض السياسات التي تثير حفيظة المسلمين، مثل: إغلاق المساجد، وحظر النقاب في الأماكن العامة، ومحاولة إيقاف التمويل الأجنبي للمساجد الفرنسية.

وبالعودة  لتلك الخطة الوطنية نجد أنها سعت إلى احتواء ظاهرة التطرف وممكنات دمج المسلمين في المجتمع من خلال الإجراءات الأمنية، ووجهة النظر الاجتماعية، ولم تعرج على جذور البدايات التي سمحت للتطرف الذي تمثله السلفية الإسلامية، وهي رافد الجهاديين السلفيين، التي امتدت منذ وقت طويل  في فرنسا، والتي تناولتها بعض الأبحاث ولامست التغاضي التاريخي من قبل السياسيين والنخب الثقافية الفرنسية عن عمليات الهجرة والتمدد الإسلامي دون مراقبة التشدد فيه، وعدم القدرة على تمييز الاسلام المعتدل عن الاسلام السلفي الاكثر التزاما ، تحت مبرر أن القوانين الفرنسية تحافظ على الحرية الاثنية، في سبيل المواطنة.


تغاض النخب عن تطور مخاطر السلفية الفرنسية احدى أهم المقاربات لفحص قدرة الدولة على امكانية محاربة التطرف ودمج المسلمين، هو معرفة أن الظاهرة  التي تصعد ببطء تتراجع أيضاً ببطء، وقد تصاعد الأسلمة والتسلف في فرنسا ببطء، هذا ما رصد كتاب صدر أخيرا بعنوان " تاريخ الأسلمة الفرنسية 1979-2019"  يؤرخ  فيه لعملية الأسلمة وحرية الاخوان المسلمين والسلفيين في فرنسا، خلال أربعون عام. ويوجه الكتاب اللوم في ذلك على تغاظ النخب السياسة والمثقفين تجاه الأسلمة والتطرف، ويرى أن المراد كان هو "الأسلمة الفرنسية وليس أسلمة فرنسا من طرف الغير، بمعنى أن النخب تخلت عن أمتها وتحاول تدجين سكانها الأصليين ليقبلوا ثقافة واردة ومتعارضة مع رؤيتهم للحياة الحديثة المنفتحة على العالم". 

ورغم تطوير فرنسا لقيم تقبل الأخر واحترام حقوق الوافدين الجديد والاحتفاظ بمعتقداتهم، إلا أن الكتاب يأخذ على القيادات السياسة  والنخب الثقافية، أنها عملت بشكل مغلف على مصادرة حقوق نقد الدين في بلد يعتبر ذلك من أهم حقوقه.

فمثلا: في الماضي لم تثير أقوال محمد أركون أستاذ تاريخ الفكر الإسلامي والفلسفة في جامعة السوربون في جريدة
لوموند الفرنسية في مارس 1989 أدنى استنكار أي من النخب السياسية والثقافية، حينما "اتهم عقل الأنوار بأنه فرض هيمنته على حساب العقل اللاّهوتي". وكذلك لم تثير أقوال عمار لصفر عام 1997 رئيس "مسلمي فرنسا"، فرع الإخوان المسلمين بأن "الاندماج يعني أن السكان المسلمين سيذوبون في النهاية داخل الشعب، وهذا أمر غير مقبول ومرفوض تماما إذ أن هذا يعني التخلي عن القانون الإسلامي (الشريعة). لغة مسلمي فرنسا هي اللغة الفرنسية لغة القرآن هي العربية. ولا يمكن تغيير هذا. يمكن أن يتم الاندماج ولكن يجب أن يتأسس على اعتراف قوانين الجمهورية بمفهوم الجماعة الدينية. الاندماج يعني وجود جماعة تخضع لقوانينها الخاصة ضمن مجموعات مواطني فرنسا الحالية".

لكن لم يتردد مجلس وزراء الاتحاد الأوروبي في إصدار نص يعيد فيه النظر في حرية التعبير جاء فيه أنه ينبغي على "حرية التعبير أن تحترم العقائد". فكأن المسلمين أصبحوا ضحية لحرية التعبير!، على خلفيات رسوم معادية للإسلام،  وحتى جاك شيراك رئيس الجمهورية الفرنسية آنذاك أدان الرسوم التي ألهبت العواصم العربية وخلّفت الكثير من الخسائر البشرية والمادية. وهو ما شجّع المجلس الفرنسي للديانة المسيحية على المطالبة بإصدار قانون يمنع الاستهزاء بالأديان، وهو الأمر الذي سانده وزير الاندماج آنذاك إيريك راوول".

هذا التغاضي النخبوي على مدى زمني ربما كان أحد أهم الاسباب للتحول الذي حدث في زيادة عدد المسلمين، الذين يعرفون أنفسهم بأنهم مؤمنون متمسكون بحزم، وهويتهم قائمة بشكل حصري على الإسلام  وأي شعور من الالتزام الاجتماعي أو السياسي أو الثقافي لا يكون  قائما بشكل كل على الدين هو شعور مرفوض. وقد أفاد استطلاع أعدته مؤسسة "ايفوب" لحساب معهد "مونتانيي" للدراسات الليبرالي، رُكزّ فيه على قياس مدى تدين مسلمي فرنسا من خلال ممارسة الشعائر الدينية وموقفهم من الحجاب واللحم الحلال والعلمانية، وجود أكثرية 46% من مسلمين تبنوا بالكامل العلمانية ويسيرون في طريق اندماجهم الطبيعي في المجتمع الفرنسي ومنظومة القيم الأوروبية، ولاحظ أنهم يمارسون شعائرهم من دون أي تضارب مع قيم المجتمع الفرنسي.

ومجموعة تشكل 25% تتميز بتشددها في التدين والتمسك بالهوية الإسلامية، ولكنها في الوقت نفسه ترفض ارتداء النقاب وتعدد الزوجات. أما الفئة الثالثة فمعظمهم من الشباب ومن عائلات مسلمة تقليدية، صاروا مقتنعين أن الإسلام كامل ونظام شامل من القيم والشرائع التي ترفض كل التأثيرات الأخرى، وتبنوا خطاباً متطرفاً يتنافى مع قيم الجمهورية، وهم بالتالي يعيشون على هامش المجتمع ويتمثلون بشكل كبير لدى الفئات الشبابية” 50% من المسلمين الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة.

وأصبح الشاب المنتمي لهذه الفئة مقتنعا أنه لم يبقي منتميا الى المجتمع القومي. وبمواجهة الانسلاخ الاجتماعي يميل الشباب الى تماهي هويتهم بالشكل الرئيس مع حارتهم وليس مع بلدهم أو الطبقة الاجتماعية لوالديهم. وأصبحت السلفية النقية في فرنسا موجودة بشكل كبير في ضواحي المدن الكبيرة مثل بارسي وليل، روبيه وليون.

هذا التطور التراكمي الذي جعل السلفية حاضرة بشكل يسهل عملية تحول معتنقيها إلى زاوية المعركة الأيديولوجية، والتي هي في جوهرها مصدر رئيسي للتطرف الديني الإسلامي في أوروبا، يرى فيه الباحث وليد كاصد الزيدي في كتابه "الإسلاموية المتطرفة في أوروبا: دراسة حالة الجهاديين الفرنسيين في الشرق الأوسط"، أن الجهاديين الفرنسيين المشاركين الذين التحقوا بتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق لا يملكون في معظمهم المعرفة الدينية المعمقة أو أنهم اعتنقوا الإسلام حديثاً، وتم تلقينهم العقائد على يد الأئمة المحليين أو من خلال الانضمام إلى حلقات دينية في بلجيكا وهولندا، يديرها شيوخ متطرفون، فضلاً عن وسائل التواصل الاجتماعي وغرف الدردشة على الانترنت.


ضرورات تفنيد مبررات العنف السلفية هناك ضرورة لتفنيد مبررات العنف الذي يستمد شرعيته من الدين الاسلامي  خارج إطار تفرضه الدولة، ومعاقبة من يباركه الفعل العنيف، بغض النظر عن صحة أو دقة أو عدالة هذا التبرير وصلته بالدين أو عدمها. وإعادة تأهيل مراجعات فكرية نموذجي لهذه الفئات السلفية  من خلال انتاج دحضًا لاهوتيا مفصلا لتاريخ التفسيرات الملتوية لتعالم الإسلام التي تسمح بالعنف، يتم تعليمه أيضا من خلال المنابر الدينية التي كانوا يستخدموها هم أنفسهم، حيث أن هذه الحركة السلفية بحسب رئيس الوزراء الفرنسي ماكرو أنها تقوم بالترويج لأفكارها في حوالي 2300 مسجد. 

فالتفسيرات الخاطئة للقرآن تكاد تكون قديمة قدم القران نفسه وتربطه بالراديكالية، وقبل أن تمارس هذه  الفئات دينها هناك ضرورة أن يتعلم أسس المواطنة  والدين السمح والتركيز على مواعظ  في الإسلام بوصفه رسالة سلمية تروج للانسجام بين واجبات المؤمن وواجبات المواطن الفرنسي، ولا سيما وأن السلفية النقية في معظم الوقت ليست هي الهوية الإسلامية الاولى نفسها التي يكتسبها الشاب المسلم, ففي أثناء مرحلتهم الأولي من التحول كانوا قت تعرفوا بالأخلاق الاسلامية السمحة عن طريق التبليغ، أو عن طريق الواعظين.

لكن ما أعان السلفية على كسب أنصار كثيرين هو: "ضعف الولاء، وخصوصا بين الشباب المسلم في المجتمع القومي الذي يقوم على العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، وفرنسا التي توصف عادة أنها دولة أمة مركزية الى حد بعيد، هي أيضا البلد الذي يدعى أنه صاحب الدور التاريخي في نشر قيم التنوير الشاملة للعالم، والتي تطرح فصل الدين عن الدولة (العلمانية)  هذه الفلسفة تحظر الدين من الفضاء العام وتحدده بالحياة الخاصة للمواطنين. ولذلك ينظر الى الإسلام بوصفه عناقا لا اندماجا المجتمع الإسلامي حتى لو أن معظم المسلمين يدعون أنه لا يوجد تناقض بين ايمانهم وبين الانتماء للأمة الفرنسية. وفي هذا السياق تمارس التطهيرية السلفية جذبا قويا على المسلمين الذين يشعرون أنهم منسلخون
والذين يجادلون في الأيديولوجية  الجمهورية القومية المهيمنة وفي العلمنة التي تتطلب الاستيعاب. حيث يصبح الكثير ممن يمارسون الدين دون تعلم عادة يبحثون عن الراديكالية  ومتعصبين الى درجة القتل. للإسلام في العصر الحديث طائفة واسعة من التفسيرات والمدارس الفكرية كما هو الحال بالنسبة لأي دين. عندما يحدث هجوم إرهابي، يظهر رأيان غالبا  للمسلمين الذين ينكرون أن هذا الأمر له علاقة بالدين الإسلامي، والبعض الذي يبارك هذا العمل بخفوت لانهم يعتقدون خطأ أن الدين سمح بهذه الأعمال الإرهابية. على اعتبار أن هذه الانظمة القائمة لا تنفذ التعاليم الإسلامية الحقيقية وهي أنظمة وقعت في فخ الجاهلية. لذلك يحق للجميع محاربتها.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات ترجمات رؤية

التعليقات

  1. دولى1 ٢٥ سبتمبر ٢٠١٩ - ٠٩:٠٢ ص

    المركز الفرنسى يعتبر جهاز واداره حكوميه فرنسيه وغير مستقل ولاهو مؤسسى مستقل بل ولاطابع دولى له فالامر هنا عبث و لعب حكومى باسم المجتمع المدنى ومنظمات المجتمع المدنى باسم مراكز بحوث واستشارات والارهاب تلك البروبغندا والاونطه الحكوميه قديمه ومكشوفه وهى مدانه ومرفوضه جمله وتفصيلا

اضف تعليق