لواوبنيون الفرنسية| لماذا يراوح ماكرون مكانه بشأن الإسلام في فرنسا؟


٢٥ سبتمبر ٢٠١٩ - ٠١:٢٧ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - محمد شما

انتقدت جريدة "لوابنيون" تناول الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" لملف الإسلام في فرنسا واتهمته بأنه يقبل بالوضع الراهن في مشروعات تنظيم الديانة الإسلامية، والوقاية من التطرف الديني، ونشر المعرفة الإسلامية؛ وذلك لعدم وجود موارد كافية ولغياب الإرادة.

وبينما أجّلت الحكومة أي عمل يتعلق بالأديان، تعقد مؤسسة إسلام فرنسا أول مؤتمر رئيسى لها حول الحوار بين الاديان فى باريس بالتعاون مع رابطة العالم الإسلامي، حيث صرح غالب بن شيخ قائلا: "ستحارب مؤسسة إسلام فرنسا الحركة السلفية وجميع أشكال الإسلام السياسي". بينما اعتذر الرئيس الفرنسي ورئيس وزرائه "إدوارد فيليب" عن حضور المؤتمر.

ويُعرب أحد العاملين على الملف الشائك للإسلام في فرنسا عن أسفه قائلًا: إن "حركة السترات الصفراء خرّبت كل شيء". وها هي ساحة أخرى أفسحت فيه النظرة الاستباقية لماكرون المجال أمام التحفظ ثم، شيئًا فشيئًا، التخلى. ويقول أحد مستشاري الحكومة، الذي يشعر بالقلق من الآثار الجانبية على الانتخابات البلدية المقبلية، إنه "لم يعد الأمل يحتل أي أولوية على الإطلاق. فهناك أمور أخرى، كقانون أخلاقيات البيولوجيا وإصلاح المعاشات التقاعدية والتي تحوز كل الاهتمام".

ولدى وصوله إلى قصر الإليزيه، اهتم رئيس الدولة بهذا الملف الضخم الذي تعمل عليه وزارة الداخلية ورئاسة الوزراء، غير أنه سرعان ما اصطدم بسرعة، كما هو الحال في لعبة مكعب روبيك، بسلسلة من المشاكل على غرار: كيف نضمن تدريب الأئمة في ظل حظر مبدأ العلمانية لذلك؟ وكيف يمكن تشجيع "إسلام التنوير" دون التدخل في الشئون الدينية؟ وما الطريقة لنشر المعرفة عن الحضارة العربية الإسلامية دون الخلط بين الدين والإرهاب؟

وحرصًا منه على تغيير القوانين والخروج من عهد هولاند، لفت رئيس الدولة نظر المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية إلى إخفاقاته، وفكر لفترة وجيزة في اعتماد أسلوب نابليوني لتنظيم الإسلام بشكل رأسي – وهو الأمر الذي سرعان ما نسيه – قبل أن يشجع على المبادرات الخاصة. وكما يقول أحد المطلعين على الملف إنه بالنسبة للدولة العلمانية، فإن تنظيم ومراقبة تمويل الديانة الإسلامية لا يزالان يمثلان "أداة للوقاية الدينية ضد الأفكار المتطرفة وتصدعات الهيكل الاجتماعي". ووفقًا للمعهد الفرنسي للرأي العام، يعتقد 43% من الفرنسيين في عام 2018 أن الإسلام لا يتوافق مع القيم الفرنسية. وكان من المفترض بمشروع إصلاح قانون عام 1905 أن يحسن من تنظيم المؤسسات الدينية ويسمح للإدارة بمراقبة حساباتهم وخطاباتهم، غير أن الرئيس تراجع عن هذا المشروع بسبب الأوضاع المتأزمة.

ومع ذلك، تم وضع حجر صغير في بناء هذا الملف، حيث ناقش رئيس الدولة هذا الصيف موضوع تمثيل الإسلام مع وزير الداخلية، الذي أرسل بدوره بعد ذلك مرسومًا إلى المحافظين للتشجيع على التجديد المحلي لهيئات المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية. وقال القائم على ملف الإصلاح: إن "المحافظين يريدون من يحاورهم بشأن إدارة عطلات الأعياد وشهر رمضان وعندما تكون هناك احتمالية لغلق أحد المساجد"، أي إدارة الشئون المحلية، إلى أن يتم اعتماد نظام أفضل.

وفي المقابل، ومع مرور الوقت أعرب ماكرون عن معارضته للإسلاموية؛ حيث ندد في أبريل الماضي "بالطائفية التي ترسخت في بعض الأحياء". وحث على عدم التراخي في مواجهة الإسلام السياسي الذي يريد الانفصال عن الجمهورية الفرنسية، ودعا إلى تشديد الضوابط على التمويل الخارجي للإسلام، ورغم أن ماكرون كان يريد دومًا التمييز بين مستقبل الديانة الإسلامية ومكافحة التجاوزات المتطرفة، بيد أنه كان يربط بينهما بشكل متزايد.

وفيما يخص الوقاية من التطرف، يتم إحراز تقدم شديد البطء، ولا يوجد حتى الآن رقم واضح للسياسات التنفيذية الوقائية ضد التطرف، بالرغم من أن ميزانية اللجنة الوزارية المشتركة لمكافحة الجريمة والتطرف بلغت 11 مليون يورو في عام 2019... وتحذر عضوة مجلس الشيوخ عن اتحاد الديمقراطيين والمستقلين "ناتالي جوليه" من أن مجرد عدم حدوث أي أعمال عنف لا يعني ضرورة التقليل من مستوى الحذر، وطالبت باتباع سياسة حقيقية لتقييم تدابير الوقاية التي تحتاج فرنسا إليها الآن.

وفي الوقت نفسه، تضخ فرنسا عدة مئات من ملايين اليورو لمكافحة الإرهاب؛ ووفقًا لتقرير وفد الاستخبارات البرلمانية لعام 2018، فإن 62 في المائة من أعمال الأجهزة المتخصصة و99 في المائة من خدمات الدائرة الثانية يتم تكريسها لهذا الغرض. وقد ارتفعت ميزانية المديرية العامة للأمن العام من 290 مليون يورو في عام 2014 إلى أكثر من 400 يورو في عام 2018؛ وتضاعفت الصناديق الخاصة لأكثر من ثلاثة أضعاف. وتكرّس المديرية العامة للأمن العام جزءًا كبيرا من عملها لمكافحة الإرهاب، حيث يقول حكيم القروي مؤلف تقرير "الإسلام الفرنسي أمر ممكن": إن قيمة العمل الأمني في هذا الشأن تزيد بشكل كبير جدًّا عن أهمية الوقاية الأيديولوجية. وفي الديمقراطيات الليبرالية، لا يتم عمل دعاية حتى عندما تكون الديمقراطية نفسها مهددة؛ لأن الدعاية للجمهورية تكون محدودة. والقليل فقط من الموارد يتم تخصيصها للثقافة والمعارف العربية الإسلامية. 

وتواصل مؤسسة إسلام فرنسا، التي أنشأها "جان بيير شيفينموه" في عام 2016، القيام بهذه المهمة، فيما يمثل حالة أخرى من التناقضات الفرنسيّة التي يمكن تدريسها. ويقول القروي: "لقد أنشأت الدولة هذه المؤسسة من أجل تعزيز الإسلام الليبرالي، وعلى الرغم من أن الدولة تستطيع تمويلها، إلا أنها لا تفعل الكثير في هذا". والشركات الراعية ليست أكثر سخاء. 

وفي نهاية عام 2018، تولى "غالب بن شيخ" رئاسة مؤسسة إسلام فرنسا، حيث يمتلك الأفكار الكافية لتحسين إدارة المؤسسة والتعريف بالحضارة العربية الإسلامية؛ أما فيما يخص الجانب غير الديني والمدني والثقافي، فلا يزال على الدولة إحراز المزيد من التقدم.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق