المركز الفرنسي لمكافحة الإرهاب | موجة إرهاب جديدة لداعش وهزائم التنظيم لا تعني نهايته


٠١ أكتوبر ٢٠١٩ - ٠٢:٢٥ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - فريق رؤية
المصدر – المركز الفرنسي للبحوث ومكافحة الإرهاب والتطرف


حذرت الأمم المتحدة في تقرير مجلس الأمن الصادر في يوليو 2019 من أن التوقف الأخير في عنف الإرهاب الدولي قد ينتهي قريبا، وأن هناك احتمال لوقوع موجة جديدة من الهجمات قبل نهاية العام الحالي. وقد رسم المراقبون صورة مقلقة، حيث اعتبروا ان الجماعات المتطرفة لا تزال تشكل تهديداً كبيراً على الرغم من النكسات الأخيرة التي لحقت بها. وقد خلص تقرير معهد "دراسات الحرب" في واشنطن الصادر في نهاية يونيو 2019عن قرب عودة تنظيم داعش.

وفي الوقت الذي يميل فيه عدد من المراقبون الى الاعتقاد بأن ظاهرة الجماعات المتطرفة في طريقها للأفول ، يرى أخرون أن هناك أسباب وجيهة قد تعيد هذه الجماعات الى الواجهة مجدداً لتنفذ موجة جديدة من الهجمات خاصة مع استمرار حالة السيولة الامنية والسياسية في المنطقة، وبقاء القضية الفلسطينية دون حل، وكذلك وقوع احداث قتل جماعي استهدفت المسلمين على خلفية الكراهية الدينية. هذا الى جانب التوظيف السياسي لظاهرة الارهاب في السياسة الدولية.

أولاُ: الوضع الحالي لداعش والقاعدة
1- تنظيم داعش
هزِم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" عسكريًا في سوريا في مارس 2019. بعد سقوط مدينة الباغوز، وغادر العديد من المقاتلين وعائلاتهم، وتلا ذلك حركة متسارعة للسكان إلى مرافق الاحتجاز ومخيمات اللاجئين. وارتفع عدد سكان مخيم الحول في الجزء الشمالي الشرقي من سوريا من أقل من 10000 في ديسمبر 2018 إلى أكثر من 70000 في أبريل 2019.

ويقدر المراقبون أن شبكة داعش السرية تنتشر في سوريا، ويجري إنشاء خلايا على مستوى المحافظات، وهو ما يعكس ما حدث منذ عام 2017 في العراق. وقد شق بعض كبار أعضاء داعش طريقهم إلى منطقة إدلب .

ويقوم داعش بتكييف وتهيئة الظروف للظهور في نهاية المطاف في معاقله العراقية والسورية، حيث يوجد الآن أبو بكر البغدادي ومعظم قادة داعش في العراق ،ولأغراض البقاء، أعطى تنظيم داعش الأولوية لاستمرار عمل الشخصيات القيادية للمقاتلين السوريين والعراقيين. وينظر داعش إلى معظم المقاتلين الإرهابيين الأجانب على أنهم أشخاص يمكن الاستغناء عنهم .

وعلى الرغم من هزيمته عسكريا، لا يزال لدى داعش أعداد كبيرة من المقاتلين وغيرهم من المؤيدين في العراق سوريا، وهو قادر على العمل بحرية في العديد من المواقع وشن هجمات منتظمة لإظهار قوته وتقويض ثقة الجمهور في السلطات المحلية استعدادًا للولادة الجديدة الى جانب تعزيز الحضور الاعلامي.

2- تنظيم القاعدة
لا تزال القاعدة قادرة على العودة، على الرغم من الحالة الصحية لزعيمها، أيمن محمد ربيع الظواهري، 68 عاماً ، ومسألة خلافته غير المحسومة. وتعتبر المجموعات المتحالفة مع تنظيم القاعدة أقوى من نظرائهم المتحالفين مع داعش . وتتواجد أكبر تجمعات المقاتلين الإرهابيين الأجانب النشطين في إدلب وأفغانستان، ومعظمهم متحالفون مع تنظيم القاعدة. ومع ذلك، لا يزال تنظيم الدولة الإسلامية أقوى بكثير من تنظيم القاعدة من حيث التمويل، وملف الحضور في وسائل الإعلام، والخبرة القتالية ، وفيما لا يزال التهديد العالمي الذي يشكله تنظيم القاعدة غير واضح ،يظل داعش التهديد الأكثر إلحاحا للأمن العالمي.

ثانياً: أسباب العودة المحتملة للهجمات
1- الجاذبية الأيديولوجية ومحركات صعود داعش :
لا تزال جاذبية التنظيم الأيديولوجية مرتفعة، في ظل هشاشة الوضع الأمني في العراق وسوريا وضعف الاستقرار، إلى جانب سوء الحوكمة، وسيادة منظومة الفساد وشيوع الاستبداد وتعمق السلطوية، وغياب الممارسة الديمقراطية وانتشار الفقر والبطالة، وتنامي الصراعات الطائفية، وتراجع الحديث عن الحلول السياسية وبرامج التنمية وإعادة الإعمار، ومحاربة الفساد، فضلاً عن التدخلات الخارجية وصراع القوى الإقليمية والعالمية على الشرق الأوسط، وغياب حل عادل للقضية الفلسطينية واستمرار المحاولات الامريكية الاسرائيلية لتفتيت المنطقة واعادة صياغتها جيوسياسياً.


2- السيولة الامنية في المنطقة:
لا تزال المنطقة العربية تعيش حالة من السيولة الامنية والسياسية والتي تسببت في ظهور داعش. فما زالت دول المنطقة تعيش حالة من عدم الاستقرار بدرجات متفاونة مما يقدم بيئة عمل ملائمة للتنظيم لاستئناف نشاطاته، في ظل عدم حدوث تحول حقيقي في المجالات السياسة والاقتصادية والاجتماعية، مما يوحي بأن التهديد الذي تمثله داعش والقاعدة، وغيرها من الجماعات المماثلة من غير المرجح أن ينخفض.

3- قدرات قتالية:
لا يمكن اعتبار فقدان داعش السيطرة الجغرافية على الأرض التي أقام عليها مشروع "الخلافة" في العراق وسوريا هزيمة. فهو اليوم أقوى مما كان عليه إبان حقبة "دولة العراق الإسلامية" التي ورثت "القاعدة في بلاد الرافدين". فعندما انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من العراق عام 2011 كان لدى التنظيم في العراق حوالي 700 إلى 1000 مقاتل، بينما بلغ عدد مقاتلي تنظيم "الدولة" وسوريا في أغسطس 2018 وفقاً لتقديرات وكالة الاستخبارات العسكرية 30 ألف مقاتل. وقد سافر ما يصل إلى 30،000 أجنبي إلى "دولة الخلافة" للقتال ولا زال عدد كبير منهم على قيد الحياة ،وقد استطاع تنظيم "الدولة" إخفاء أسلحة نوعية عبر نظام معقد من الأنفاق.

4- قدرات التكيف والقيادة:
كشفت الوقائع الميدانية عن سرعة تكيّف التنظيم مع التطورت الميدانية، وتمتعه بمرونة شديدة بالتحول من نهج المركزية إلى حالة اللا مركزية، إذ تمكن من إجراء إعادة هيكلة تنظيمية على الصعيد العسكري والأمني والإداري والشرعي والإعلامي. ومع نهاية المشروع السياسي للتنظيم كدولة "خلافة" نهاية 2017، عاد التنظيم إلى حالته المنظمة، وغيّر من تكتيكاته القتالية بالاعتماد على نهج الاستنزاف وحرب العصابات بالاعتماد على مجاميع صغيرة تنتشر في العراق وسوريا عبر مساحات غير مأهولة، في مناطق الفراغ الأمني، إضافة إلى التموضع كخلايا نائمة داخل المدن.

5- القدرة على اعادة الهيكلة:
شكّل ظهور البغدادي بشريط مصور إلى جانب ثلاثة من مساعديه في 29 أبريل/نيسان 2019 بعنوان "في ضيافة أمير المؤمنين"، تدشيناً لعودة ثانية لتنظيم "الدولة بعد اكتمال عملية إعادة الهيكلة ، وإقرار الخطط العسكرية لاستئناف "حرب استنزاف". وكان البغدادي قد أقر عملية إعادة الهيكلة في خطاب سابق في 28 سبتمبر 2017 بعنوان "وكفى بربك هادياً ونصيراً"، وأكدها في كلمة لاحقة بعنوان "وبشر الصابرين" في 22 أغسطس/آب 2018. وقد أظهر التنظيم قدرة على إعادة الهيكلة والعمل كمنظمة لا مركزية. تعمل بمنهج التفويض بسبب تفرق التنظيم. وأنشأ شبكة محورية ومحدثة في أقاليمه النائية. وبمرور الوقت، قد يكون لهذا تأثير على إضفاء الطابع الإقليمي على جداول أعمال هذه الشبكات.

6- قدرات مالية:
منذ تشكُّل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بالتعاون مع القوات العراقية وقوات سوريا الديمقراطية ضد التنظيم وبدء عملياته، وضع تنظيم الدولة خططاً مضادة لخوض مرحلة تالية من الحرب، إذ انسحبت معظم القيادات، وأعداد كبيرة من المقاتلين إلى أماكن آمنة. واحتفظ تنظيم "الدولة" بأرصدة مالية كبيرة، وأسس شبكة تمويل عالمية، فما زالت داعش قادرة على الوصول إلى ما بين 50 مليون دولار و 300 مليون دولار التي تبقت من إيرادات الخلافة.

7- قدرات اعلامية:
كذلك تحافظ داعش على وجودها اعلامياً حيث تستخدم الدعاية للحفاظ على سمعتها كعلامة تجارية إرهابية عالمية رائدة من خلال الخلافة الافتراضية.

8- المقاتلين الاجانب وعائلاتهم:
إن قضايا المقاتلين الإرهابيين الأجانب وعائلاتهم والعائدين والمُرحِّلين و"المسافرين المحبطين" تغذي احتمالية موجات ارهابية جديدة وتظل خطيرة. فربما لا يزال هناك ما يصل إلى 30،000 من الذين سافروا إلى ما يسمى "الخلافة" على قيد الحياة، وستكون تطلعاتهم وخططهم المستقبلية مصدر قلق دولي في المستقبل المنظور. وسيصبح بعضهم قادة أو دعاة تطرف، وبعضهم قد يلجأ الى تشكيل جماعات فرعية في الدولة التي سيعود اليها لنصبح أمام عملية تفريخ واسعة للإرهاب الدولي.

وقد تشكل عائلات المقاتلين الإرهابيين الأجانب تهديدًا إذا لم يتم التعامل معهم بشكل مناسب، . كما أن الدول الغربية ليست على استعداد حتى الآن لاستعادة مواطنيها الذين ذهبوا إلى سوريا للانضمام إلى تنظيم داعش، وتعتبرهم بمثابة خطر أمني إذا عادوا إلى ديارهم.

9- الانتشار العابر للحدود:
حسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فإن عدد ال 30000 مقاتل لا يشمل مقاتلي التنظيم الموجودين في فروعه الأخرى، إذ يتمتع التنظيم بحضور كبير في أفغانستان، ولا يزال التنظيم يشن هجمات في شبه جزيرة سيناء المصرية، ويحافظ على قدرته التشغيلية في جنوب شرق آسيا، وكذلك وسط آسيا، وفي اليمن. وتعتبر القارة الإفريقية ساحة بديلة لتنظيم الدولة مع إصراره على تعدد الجبهات والملاذات، ولا تزال شبكات التنظيم ومجاميعه المنسقة وخلاياه الفردية النائمة و"ذئابه المنفردة" تشكل خطراً على أمريكا وأوروبا. وقد استعرض البغدادي في 29 ابريل "تقارير شهرية" عن فروع التنظيم وعددها 12 ولاية.

10- بروز الإرهاب المحلي:
سبب اخر لتوقع عودة موجة الارهاب هو قيام جماعات ارهابية محلية بعمليات تستوحيها من داعش، ويقدم التقرير مثالاً يدعم ذلك حيث إن قادة داعش لم يكن لديهم معرفة متقدمة بالهجمات الدموية على الكنائس والفنادق في سريلانكا في عيد الفصح. وكان الهجوم ناتج عن تحريض محلي بقيادة محلية مستوحى من أيديولوجية داعش. وقد ذكر ابو بكر البغدادي التفجيرات في اطار تعزيز الصورة العالمية لـداعش بعد هزيمتها العسكرية .

ثالثاً: اوروبا وموجة الارهاب المحتملة.
يقدر تقرير المراقبون المتخصصون في مجلس الامن التابع للامم المتحدة انه على الرغم من انخفاض عدد الهجمات الناجحة منذ عام 2015 وعام 2016، التي قتل فيها المتطرفون مئات الأشخاص في فرنسا وبلجيكا وألمانيا، إلا أن التهديد لأوروبا "لا يزال مرتفعًا".. ولا تزال الدعاية عبر الإنترنت التي تشجع على الهجمات المستوحاة من داعش متاحة. وتسعى داعش إلى تطوير المهارات التقنية للمهاجمين المحتملين، في بعض الحالات عن طريق نشر برامج تعليمية عبر الإنترنت حول بناء أسلحة كيماوية وبيولوجية محلية الصنع. ومع ذلك، فإن التهديد الكيميائي والبيولوجي والإشعاعي والنووي الصادر عن تنظيم الدولة الإسلامية يظل منخفضًا بسبب تعقيد بناء وتسليم مثل هذه الأجهزة دون أن تكتشفها السلطات.

وتقدر الدول الأعضاء أن حوالي 5000 إلى 6000 مقاتل إرهابي أجنبي سافروا من أوروبا إلى منطقة النزاع في العراق وسوريا. 75٪ من هؤلاء انضموا إلى داعش. ويبلغ عدد القتلى حسب التقارير بين 30 و 40 في المائة، بينما لا يزال 10 إلى 15 في المائة محتجزين في المنطقة، و 10 إلى 15 في المائة قد نُقلوا وعاد 30 إلى 40 في المائة إلى أوروبا. ولا يزال الكثيرون في عداد المفقودين. ولا تزال البيانات المتعلقة بعدد الأوروبيين العائدين من معسكرات الاعتقال في العراق وسوريا بعيدة المنال.

وقد أعربت الدول عن قلقها المتزايد بشأن احتمال قيام مواطنيها بشن هجمات إرهابية محلية نتيجة للصعوبات التي يواجهها داعش في إرسال عملاء إلى أوروبا. فرغم أن معظم العائدين أصيبوا بخيبة أمل بسبب فشل مشروع دولة الخلافة، لكن الكثير منهم يحتفظون بوجهات نظر متطرفة. ولاحظت أجهزة الأمن في أوروبا وجود معدل مرتفع نسبيًا من الهجمات المتعطلة بسبب نقص الخبرة العملية والأساليب غير المتقدمة للمهاجمين المحتملين.

ولا يزال تطرف المجرمين داخل نظام السجون يشكل مصدر قلق بالغ في أوروبا، حيث توفر السجون مكانًا للسجناء الذين يعانون الفقر والتهميش والإحباط وتدني احترام الذات والعنف. ما يجعلهم معرضين لتأثير الأيديولوجيات الراديكالية. بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن يتم إطلاق البعض من الموجة الأولى من المسجونين العائدين من الخلافة في العام المقبل. ولم تثبت برامج إزالة التطرف فعاليتها بالكامل، وما زالت المخاوف عالية من خطر إطلاق سراحهم قريباً من السجن. وأكثر المقاتلين تشددا الذين يقضون عقوبات أطول. ويظل هؤلاء خطرين حيث انهم ما زالوا يشكلون تحديًا داخل وخارج نظام العقوبات.

رابعاً: الخلاصة
خلاصة القول إن هناك احتمال ولادة ثانية لتنظيم داعش كما أكد تقرير معهد "دراسات الحرب" الامريكي الأخير، وتقرير المراقبون في مجلس الامن التابع للأمم المتحدة، وتوقعات عدد من المحللون والمهتمون بشئون الجماعات المتطرفة . وترجح هذه الاطرف عودة التنظيم وانشطته لأن العديد من العوامل الأساسية التي أدت إلى ظهور داعش لا تزال قائمة، مما يوحي بأن تهديد داعش والقاعدة، أو الجماعات المماثلة، من غير المرجح أن ينحسر. كما أن القدرات العسكرية والمالية والإعلامية للتنظيم لا تزال كبيرة، فقد أظهر التنظيم قدرة فائقة على التكيّف وإعادة الهيكلة والعمل كمنظمة لا مركزية، وحافظ على بقائه من خلال العمل كمنظمة سرية، وهو الامر الذي ساهم بفاعلية في حفاظ التنظيم على هياكله التنظيمية وفاعليته الإيديولوجية ورسالته الدعائية ومصادره التمويلية مما يبقيه تهديداً محتملاً.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات رؤية ترجمات

اضف تعليق