أوراسيا ريفيو | الانسحاب الأمريكي البطيء من أفغانستان


٠٨ أكتوبر ٢٠١٩ - ٠٤:٠٣ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد



في بداية شهر سبتمبر، انهارت مفاوضات التسوية السياسية بين طالبان والولايات المتحدة لإنهاء الحرب في أفغانستان. لقد فكر الكثير من المحللين في ما قد تعنيه نهاية أطول مشاركة عسكرية خارجية في التاريخ الأمريكي للحرب على الإرهاب. وظهر سؤال بنفس القدر من الأهمية: كيف ستؤثر هذه التطورات على الحرب على المخدرات؟

توفر أفغانستان 90% من الأفيون العالمي و95% من أفيون أوروبا، وتتحصل طالبان على ما يصل إلى 400 مليون دولار سنويًّا من دورها في تجارة المخدرات غير المشروعة. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة خصّصت مجموعة هائلة من الموارد لمكافحة الإتجار بالمخدرات في ذروة الحرب في أفغانستان، فإن الانسحاب الأمريكي من الدولة الآسيوية قد يمثل نهاية الدور الأمريكي في الساحة الأفغانية للحرب على المخدرات. من جانبهم، حركة طالبان والميليشيات الأفغانية الأخرى، التي تحصل على الملايين، ليس لديهم حافزكبير لمحاربة تجارة المخدرات غير المشروعة. وإذا كانت الولايات المتحدة ترغب في منع الإتجار بالمخدرات من التضخم متى يرحل جنودها عن أفغانستان، فيجب على دبلوماسييها أن يعالجوا هذه المشكلة مع طالبان.

قبل أن تبدأ الولايات المتحدة محادثات السلام مع طالبان، رأى صُناع السياسة الأمريكيون التصدي لتجارة المخدرات في أفغانستان كطريقة لإضعاف المتمردين، وقد نشرت الولايات المتحدة أكثر من 100 موظف من إدارة مكافحة المخدرات في أفغانستان. في المقابل، نظمت إدارة مكافحة المخدرات قوات هجوم من العملاء الخاصين، تُسمى "فرق فاست"، لمداهمة معامل المخدرات وأوكار الأفيون الأفغانية، كما عقدت إدارة مكافحة المخدرات أيضًا شراكة مع المكتب الدولي لمكافحة المخدرات وإنفاذ القانون، التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، لتدريب وكالتَي إنفاذ قانون أفغانيتين مكرّستين لمكافحة المخدرات: وحدات التحقيق الحساسة والتقنية، الخاضعة لإشراف وزارة مكافحة المخدرات الافغانية. وقد أدى هذا التعاون إلى عدة نجاحات بارزة لإدارة مكافحة المخدرات، من ضمنها القبض على مهربي المخدرات المرتبطين بطالبان حاجي باجشو وخان محمد. بحلول 2018، قبل عام من بدء محادثات السلام بين طالبان والولايات المتحدة في الدوحة، كانت الولايات المتحدة قد أنفقت 8,7 مليار دولار على حملتها لمكافحة المخدرات في أفغانستان.

وأثناء الاندفاع لإبرام معاهدة سلام مع طالبان، بدت إدارة ترامب وأنها تخلت عن سعيها لكبح تجارة المخدرات في أفغانستان. وفي حين أن الجنرالات الأمريكيين أعلنوا عن استراتيجية جديدة لتوظيف الطائرات الحربية الأفغانية والأمريكية لتدمير معامل المخدرات التابعة لطالبان وسط ضجة إعلامية كبيرة في نوفمبر 2017، ألغت واشنطن البرنامج في فبراير 2019، وبدأت محادثات السلام بين الدبلوماسيين الأمريكيين ومفاوضي طالبان في نفس الشهر، غير أن تراجع الالتزام الأمريكي بمكافحة المخدرات في أفغانستان بدأ قبلها بكثير. وفي 2011، عندما كان الرئيس باراك أوباما يتطلع إلى الانسحاب الأمريكي من الدولة الآسيوية، تضاءل عدد موظفي إدارة مكافحة المخدرات في أفغانستان إلى نحو 75، منقسمين بين المدن الاستراتيجية (هراة، وجلال آباد، وقندهار، وقندوز). وفي 2016، توقفت وزارة الدفاع عن إحاطة الكونجرس بمستجدات جهود مكافحة المخدرات في أفغانستان. وفيما قد تكون له أكبر عواقب على مستقبل المشاركة الأفغانية في الحرب على المخدرات، ذكر تقرير هيئة حكومية أمريكية تدرس الجهود الحربية الأمريكية، وهي مكتب المفتش العام الأمريكي الخاص بإعادة إعمار أفغانستان، هذا العام: "من المرجح حل وزارة مكافحة المخدرات في أفغانستان، بحسب وزارة الخارجية".

وقطعت الولايات المتحدة أيضًا 100 مليون دولار من التمويل وعلّقت 60 مليون دولار آخرين قبل أسبوع فقط من الانتخابات الرئاسية الأفغانية في 28 سبتمبر، وأخطرت مساعد وزير الخارجية لشئون جنوب آسيا وآسيا الوسطى "أليس ويلز" لجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ بأن إدارة الرئيس دونالد ترامب لديها مخاوف عميقة من "الفساد، والمخالفات الحكومية، والإنتاج المرتفع للأفيون، وتجريم الاقتصاد". وفي حين أن لا أحد يعلم من هو الرابح في انتخابات أفغانستان حتى الآن، بدت مكافحة المخدرات بعيدة جدًا عن أذهان جميع المرشحين البارزين، ولا يزال على المحللين تقييم الدور الذي لعبه تعليق بعض التمويل الأمريكي لأفغانستان في نتائج الانتخابات. وحتى الآن، لا يبدو أن أي دولة أخرى حذت حذو الولايات المتحدة.

ومثل الحرب على الإرهاب، حققت الحرب على المخدرات نتائج محدودة في أفغانستان. مع هذا، الولايات المتحدة وشركاؤها الأفغان لديهم اهتمام واضح بمنع الدولة من الانحدار في الفوضى والتحول إلى مرتع أكبر لتجارة المخدرات، وعندما تغادر أمريكا أفغانستان، ستقع حصة أكبر من مسئولية إنفاذ القانون في أفغانستان على عاتق السلطات الأفغانية، التي لن يكون لديها خيار سوى التسوية مع طالبان تحت غطاء معاهدة سلام، وهي احتمالية مرجحة في ظل انهيار محادثات السلام. وإذا اختار الدبلوماسيون الأفغان والأمريكيون إعادة إحياء عملية السلام وإدراج بحث في دور المتمردين في تجارة المخدرات، ربما تجد الولايات المتحدة فرصة لإنقاذ ما تبقى من حملتها لمكافحة المخدرات وإضعاف تجارة المخدرات في أفغانستان.

وقد تُبدي طالبان استعدادًا للتخلي عن تورطها في تجارة المخدرات غير المشروعة إذا قررت الولايات المتحدة العودة إلى طاولة المفاوضات، بالإضافة إلى تقديم تنازلات كافية. وبقدر ما يتربح المتمردون من الإتجار بالمخدرات اليوم، غير أنهم طبّقوا من قبل الحظر الناجح الوحيد على تجارة المخدرات غير المشروعة في تاريخ أفغانستان. وفي عام 2000، عندما حكمت حركة طالبان معظم الدولة تحت اسم إمارة أفغانستان الإسلامية، قالت إدارة مكافحة المخدرات إن محاولة طالبان لتجريم زراعة الأفيون نجحت حيث فشل عقدان من برامج مكافحة المخدرات الأمريكية. وعلى الرغم من الحجم المعاصر لمشاركة طالبان في تجارة المخدرات، فإن حظر المتمردين لتجارة المخدرات في الماضي يشير إلى أنهم قد يتفقون أخيرًا مع أهداف صناع السياسة الأفغان والأمريكيين الخاصة بمكافحة المخدرات.

وأثناء المفاوضات مع طالبان حول الجدول الزمني المحتمل للانسحاب الأمريكي من أفغانستان، اقترح الدبلوماسيون الأمريكيون أن الدولة قد تترك فرقة مهام من الكوماندوز في الدولة الآسيوية لملاحقة تنظيم القاعدة، وطلبت تعهدًا مُلزمًا من حركة طالبان بأن الجماعات الإرهابية لن تستخدم أفغانستان مجددًا كمنصة إطلاق للهجمات المناوئة لأمريكا. إن اتفاقًا مماثلًا يمكن أن يضمن مستقبل جهود مكافحة المخدرات الأفغانية – الأمريكية، وتستطيع الولايات المتحدة الضغط على طالبان لكي تسمح لطاقم هيكلي من العملاء الخاصين التابعين لإدارة مكافحة المخدرات وخبراء من المكتب الدولي لمكافحة المخدرات وإنفاذ القانون بالبقاء في أفغانستان كمستشارين لنظرائهم الأفغان، ويمكن أن يطلب المفاوضون الأمريكيون أيضًا أن تعيد طالبان تشريع حظرها على تجارة المخدرات، والمفاوضات وحدها هي التي ستقرر ما ستتعهد به الولايات المتحدة في المقابل، لكن طالبان ستطلب على الأرجح أن توفر أمريكا مصدرًا بديلًا للدخل لأسياد الحرب المنتمين لطالبان والذين يعتمدون على الإتجار بالمخدرات. ربما تشمل البدائل الصالحة توفير مناصب ذات رواتب جيدة في الحكومة الأفغانية لأعضاء طالبان السابقين وتدريبهم على إدارة أعمال تجارية قانونية مُربحة.

ولا تهم الحاجة المُلحة للحد من إراقة الدماء في أفغانستان، ويجب أن تتذكر الولايات المتحدة الخراب الذي تسببت به تجارة المخدرات في تلك الدولة الآسيوية، وقد قدمت محادثات السلام واحدة من أفضل الفرص منذ سنوات للولايات المتحدة لكي تحقق أهدافها الخاصة بمكافحة المخدرات في أفغانستان. وفي ظل الفشل الواضح في عملية السلام، حوّل الدبلوماسيون الأمريكيون انتباههم إلى إيران، وكوريا الشمالية وغيرهم من الخصوم المتصدرين للعناوين الرئيسية. وإذا لم تتحرك الولايات المتحدة لإعادة توظيف نفسها في الجبهة الأفغانية للحرب على المخدرات، ومن المرجح أن يتعامل المسئولون الأفغان والأمريكيون مع عواقب تجارة المخدرات في أفغانستان لعقود قادمة.





للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق