ناشيونال إنترست| دبلوماسية الطاقة الروسية تحقق أرباحًا جيوسياسية


١٢ أكتوبر ٢٠١٩ - ٠١:٥٢ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد


لقد بدت آفاق الطاقة الروسية مظلمة منذ سنوات قليلة فقط. كان الاتحاد الأوروبي، أكبر مستهلك للطاقة الروسية, يتجه لإبعاد نفسه عن موسكو بسبب ضمها للقرم ودعمها للانفصاليين في شرق أوكرانيا، وكانت روسيا تحاول دخول سوق الطاقة الصينية وتقابل صعوبات كبيرة على طول الطريق. وفي النهاية, هددت ثورة النفط الصخري الأمريكي بإضعاف مكانة روسيا أكثر في أسواق النفط العالمية.

لكن منتدى أسبوع الطاقة الروسي في موسكو أُقيم تحت ظروف مختلفة كثيرًا. ففي الوقت الذي نزل فيه المسئولون ورجال الأعمال الأجانب إلى العاصمة الروسية الأسبوع الماضي, كان لدى الكرملين سبب ليكون راضيًا. فعلى الرغم من المعارضة الشديدة من واشنطن وعدة دول من أوروبا الشرقية, من المقرر أن تُكمل روسيا خطي أنابيب إمداد غاز إلى أوروبا بنهاية هذا العام. ومن المتوقع أيضًا أن تُطلق موسكو خط أنابيب الغاز المنتظر "قوة سيبريا" لضخ الغاز إلى الصين قبل بداية 2020. 

لقد قدمت بعض سياسات واشنطن دون قصد فرصًا جديدة في مجال الطاقة إلى موسكو لكي توسع نفوذها في هذا المجال. إن العقوبات ضد فنزويلا وإيران أضعفت أبرز منافسي روسيا في سوق النفط، علاوة على هذا, تواصل الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين الاشتداد, كما تتطلع بكين بشكل متزايد إلى جارتها الشمالية كمورّد موثوق للطاقة.

وفي خطابه في المنتدى, سعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لطمأنة وتحذير عملاء الغاز الأوروبيين، حيث تعهد القائد الروسي بأن بلاده ستواصل إظهار "نهج عملي ومسئول في العلاقات مع الشركاء القدامى في أوروبا"، بغض النظر عن الخلافات بين موسكو وبروكسل.

غير أن بوتين هاجم أيضًا "حيل أوروبا القذرة" ضد شركات الغاز الروسية، وصرّح بأن روسيا ستنظر في بيع غازها إلى أماكن أخرى إذا استمرت القارة في "إبقاء الطاقة رهينة للخلافات السياسية".

وقال بوتين: "عادة, نحن نتلقى حوافز جديدة لتطوير التعاون مع أولئك الذين لا يدعمون هذا المنطق – منطق المنافسة غير الشريفة. إن الطلب على الهيدروكربونيات يزداد في آسيا بصورة أسرع من أوروبا".

ولم تكن كلمات بوتين تهديدًا فارغًا. فعلى الرغم من أن أوروبا لا تزال المستهلك الرئيسي للطاقة الروسية, إلا أن موسكو تحقق تقدمًا في السوق الصينية. وفي 2016, تفوقت روسيا على السعودية كأكبر مورّد نفط للصين. وعندما يصبح خط أنابيب "قوة سيبريا" نشطًا في أواخر هذا العام, سوف يوصل 38 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا إلى الصين؛ ما يجعل بكين ثاني أكبر مستهلك للغاز الروسي بعد برلين.


إن الصين مُدرجة بشدة في خطط جازبروم المستقبلية. وفي حديثه في منتدى "أسبوع الطاقة الروسي"، تنبأ رئيس جازبروم فيكتور زوبكوف أن تصل سوق الغاز الصينية قريبًا إلى حجم السوق الأوروبية. كان المدير التنفيذي لجازبروم أليكسي ميلر قد أعلن في وقت سابق من هذا العام أن مؤسسة الغاز الحكومية الروسية تهدف إلى أن تصبح أكبر مُصدِّر غاز للصين بحلول 2035.

وبالنسبة لروسيا, فإن محور الصين يتعلق بالجيوسياسة أكثر من الاقتصاد. وقال ألكسندر لوكين, الباحث في شئون الصين في كلية الاقتصاد: إن أزمة أوكرانيا أقنعت موسكو بأنها لم يعد بإمكانها الاعتماد على أوروبا كمستهلك رئيس للطاقة دون أن تجعل نفسها هشة سياسيًّا.  

وأضاف: "كل خطوط أنابيب النفط والغاز الروسية, حتى أثناء الحرب الباردة, بُنيت لأوروبا. عندما بدأت أوروبا استخدام هذه الحقيقة من أجل الضغط السياسي, اتضح أن هذا الاعتماد على الطاقة أمر في منتهى الخطورة".

وتابع لوكين: "في هذا السياق, قالت روسيا حيث إنكم تعتبروننا عدوًا ولا تريدون الاعتماد علينا؛ فنحن أيضًا لا نريد الاعتماد عليكم".

وقد تحدثت أوروبا أيضًا عن تقليل اعتمادها في مجال الطاقة على موسكو منذ اندلاع أزمة أوكرانيا. وعقب وقت قصير من ضم روسيا للقرم في مارس 2014, دعا المجلس الأوروبي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لتنويع مورّدي الغاز في جهد لإبعاد القارة عن الغاز الروسي.


ومع هذا, وعلى الرغم من الشك المتبادل بين موسكو وبروكسل, زادت صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا في السنوات الأخيرة، وبلغت مبيعات غاز جازبروم إلى أوروبا وحصتها في سوق الغاز في القارة رقمًا قياسيًّا في 2018. وبمجرد أن تصبح خطوط أنابيب "نورد ستروم 2" و"ترك ستريم" نشطة لاحقًا هذا العام, ستوصل روسيا 86,5 مليار متر مكعب إضافي سنويًّا إلى أوروبا.

وقال كريس ويفر, مؤسس شركة "ماكرو أدفايزوري" للاستشارات: إنه بالرغم من التوترات السياسية بين موسكو وبروكسل, فإن أوروبا لا تملك خيارات سوى زيادة استهلاكها للغاز الروسي. لقد أوضح أنه في الوقت الذي تعمل فيه الحكومات الأوروبية لتخفيض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون, فإنها تستبدل تدريجيًّا الفحم بالغاز ومصادر الطاقة المتجددة. وفي ظل تراجع إنتاج الغاز المحلي الأوروبي, يمكن تلبية احتياجات الطاقة في القارة فقط عن طريق استيراد المزيد من الغاز.

وتابع ويفر: "بعيدًا عن الخطاب السياسي, يوجد براجماتية طاقة تُدرك أن أوروبا تحتاج لاستيراد المزيد من الغاز، ومعظم هذا الغاز سيأتي من روسيا".

وعلى الرغم من أن واشنطن تضغط منذ زمن على حلفائها الأوروبيين لكي يبتعدوا عن الغاز الروسي, قدمت بعض سياساتها دفعة لقطاع الطاقة الروسي، وتحديدًا, عقوباتها على كاراكاس وطهران جعلت الكثير من العملاء السابقين للنفط الفنزويلي والإيراني يتجهون لموسكو كبديل.


ووفقًا لبعض التقديرات, قدمت العقوبات الأمريكية لشركات النفط الروسية 905 ملايين دولار أرباحًا إضافية. حتى الولايات المتحدة نفسها زادت من استهلاكها للغاز الروسي عقب فرض عقوبات على فنزويلا. ووصلت صادرات النفط الروسي إلى الولايات المتحدة لأعلى مستوى منذ ست سنوات في الربع الأول من 2019.
وأوضح ويفر أن روسيا كانت في وضع جيد لتقديم نفسها كمورّد بديل لأنها مُنتج للنفط الخام الثقيل, تمامًا مثل فنزويلا وإيران.

وأردف: "النفط الفنزويلي والإيراني من نفس كثافة ونوع النفط الروسي. لذلك, حقيقة أنهما خرجا من السوق تعني أنه يوجد مشترون جاهزون للنفط الروسي".

الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين قدمت أيضًا لمنتجي الطاقة الروس فرصة لزيادة حصتهم في السوق الصينية. وبعد أن فرضت بكين رسومًا جمركية انتقامية على مُنتجي الغاز الطبيعي المُسال الأمريكيين, اتجهت شركات الطاقة الحكومية الصينية إلى شراء حصص في مشروعات الغاز الطبيعي المُسال الروسية في القطب الشمالي.

وقال لوكين إن موسكو, بصفتها شريكًا مقربًا لبكين, في وضع جيد للاستفادة من التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين.

وأضاف: "روسيا دولة صديقة والصين لا تريد أي مشاكل معها, لذلك تحاول الصين تنمية العلاقات مع روسيا، وعلى رأسها في قطاع الطاقة, وأيضًا فيما يتعلق بالبضائع الأخرى".

وبينما يقترب عام 2019 من نهايته, يبدو موقف روسيا في أسواق الطاقة العالمية أقوى مما كان عليه منذ سنوات. ويبقى وضع موسكو في أوروبا قويًا ويبدأ محورها في الصين في تحقيق أرباح مُجدية، والمفارقة هي أن الولايات المتحدة ربما يكون لها الفضل جزئيًّا في هذا النجاح الأخير.





للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق