فورين بولسي | هل تخلت الولايات المتحدة عن حلفائها الأكراد؟


١٧ أكتوبر ٢٠١٩ - ٠٦:٠٣ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد
المصدر – فورين بوليسي

في 30 يونيو 1972, وصل رجلان كُرديان, وهما إدريس البارزاني ومحمود عثمان, إلى مقر السي آي إيه في لانجلي, فيرجينيا, وجرى اصطحابهما إلى مكتب مدير الوكالة, ريتشارد هيلمز، حيث ناقشا التحول المذهل في السياسة الأمريكية.

كان هنري كيسنجر, مستشار الأمن القومي للرئيس ريتشارد نيكسون, قد فوّض هيلمز شخصيًّا للتعبير عن التعاطف الأمريكي مع معاناة الأكراد وطمأنتهما بـ"استعداده لدراسة طلبات المساعدة التي قدماها". ولأكثر من عقد, كان الأكراد يقاتلون ضد الحكومة العراقية وقدموا عددًا لا يُحصى من المناشدات للحصول على مساعدة أمريكية دون جدوى، وكان هيلمز يُعلن أن الولايات المتحدة غيّرت رأيها، لكنه فشل في ذكر أنه سيتغير مجددًا عما قريب.

يفهم معظم المراقبين جيدًا التاريخ الطويل للتخلي الأمريكي عن الأكراد. لكن ما أصبح في طي النسيان هو أن هذه الخيانات كانت متوقعة تمامًا نظرًا للطريقة التي اجتمع بها الطرفان في المقام الأول. وفي الواقع, من المستحيل فهم قرار الرئيس دونالد ترامب بدعم تركيا في شن حرب في سوريا ضد الأكراد المتحالفين مع أمريكا دون فهم الأصول غير المروية للعلاقة الأمريكية -الكردية.

يمتد التاريخ إلى عام 1920, عندما مُنح وعدٌ للأكراد, أكبر جماعة عرقية في العالم لا تمتلك دولة خاصة بها, بالحكم الذاتي في معاهدة سيفر. لكن القوتين العظميين في هذه الفترة, بريطانيا وفرنسا, نكثتا عهدهما في 1923 وقسّمتا الأراضي الكردية إلى تركيا وإيران والعراق وسوريا المعاصرين. وثار الأكراد ضد هذه الخيانة وسحقهم مستعمروهم الجدد البريطانيون والفرنسيون والإيرانيون والأتراك. وبعد عقود من الهدوء النسبي, حاول الأكراد مجددًا تحقيق الحكم الذاتي في أعقاب ثورة العراق عام 1958, التي شهدت الإطاحة بالعائلة الهاشمية الحاكمة.

وبعد اندلاع الحرب في كردستان العراق في سبتمبر 1961, تبنت الحكومة الأمريكية سياسة عدم التدخل. كان الهدف الرئيسي للسياسة الأمريكية حينها هو الحفاظ على علاقات جيدة مع بغداد, وكان هناك دومًا شك مزعج في أن زعيم التمرد الكردي, مصطفى البارزاني, كان عميلًا شيوعيًّا؛ نظرًا لنفيه الذي استمر 11 عامًا في الاتحاد السوفيتي من 1947 حتى 1958.

مع ذلك, استنتج حليفان مقربان لأمريكا في المنطقة – وهما إسرائيل وإيران – أن الأكراد العراقيين حلفاء أيديولوجيون واستراتيجيون، والذين يمكن استغلالهم لإبقاء النظام القومي العربي المتطرف في بغداد وجيشه الضخم مقيدًا. وبداية  من منتصف 1962, أمر شاه إيران جهاز مخابراته, سافاك, بالمساعدة في تمويل التمرد الكردي في شمال العراق لتقويض استقرار النظام في بغداد، وانضم الإسرائيليون للتدخل الإيراني في 1964, وبعد أن اعترف رئيس الوزراء ديفيد بن جوريون بالأكراد كحليف استراتيجي ضد النظام العربي المتطرف في بغداد.

على مدار العقد التالي, كانت الاستراتيجية الإيرانية والإسرائيلية بسيطة: ما دام الأكراد يمثلون خطرًا واضحًا وقائمًا على بغداد, لا يمكن للجيش العراقي أن ينتشر ضد إسرائيل في حالة حدوث حرب أو يهدّد الطموحات الإيرانية في الخليج العربي. هذا أتى بثماره في 1967, عندما عجز العراق عن نشر قواته في حرب العرب ضد إسرائيل, وفي الحرب اللاحقة في 1973, عندما استطاع فقط حشد فرقة مدرعة واحدة لأن 80 في المائة من جيشه كان مقيدًا في شمال العراق.

كان الأمريكيون أبطأ في تغيير موقفهم. منذ منتصف الستينيات, سعى كلٌّ من الإيرانيين والإسرائيليين لإقناع البيت الأبيض بإعادة التفكير في سياسته بعدم التدخل؛ وكذلك أيضًا فعل الأكراد العراقيون, الذين كانوا يلتقون بضباط أمريكيين في الخدمة الخارجية بانتظام. كانوا دائمًا ما يُقابلون برفض مهذب لكنه كان حازمًا.

تغير هذا في يوليو 1968 عندما استولى حزب البعث – الذي تضمنت قيادته الشاب صدام حسين – على السلطة وثبّت نفسه كقوة سياسية مهيمنة داخل العراق للـ35 سنة التالية. في مارس 1970, استنتج صدام حسين أن الحرب ضد أكراد بلده كانت جهدًا ضائعًا، وسافر شخصيًا إلى الشمال والتقى بالبارزاني. ووافق صدام على كل الطلبات, التي تركزت على حكم ذاتي كردي داخل عراق موحد, لكنه أشار إلى أن البرنامج لن يُطبق حتى 1974. وبصورة أساسية, منحت معاهدة مارس الوقت للطرفين؛ حيث استطاع صدام تعزيز سلطته, واستطاع البارزاني الحصول على حليف قوي جديد – الولايات المتحدة.

وعقب معاهدة مارس, سحب صدام العراق إلى أحضان السوفيت. وفي ديسمبر 1971, وقّع العراق على صفقة سلاح مع موسكو, وفي أبريل 1972, وقّع على معاهدة صداقة وتعاون. وفي الشهر التالي, زار نيكسون طهران أثناء عودته من قمة ناجحة في موسكو, حيث نجح في تأمين انفراجة مع السوفيت. وأثناء زيارته, ألح الشاه على نيكسون لكي يساعد الأكراد في زعزعة استقرار العراق.

وبعد استعراض حذر للمخاطر, استنتجت إدارة نيكسون أن التهديد السوفيتي - العراقي للمصالح الغربية كبير بما يكفي لتبرير مساعدة الأكراد. وعقب منح الضوء الأخضر من نيكسون, كانت العملية الكردية تُدار من مكتب كيسنجر في البيت الأبيض. وفي الفترة بين أغسطس 1972 وأواخر 1974, عندما استؤنف القتال في الحرب العراقية - الكردية, تشاورت إدارة نيكسون باستمرار مع الإيرانيين والإسرائيليين والأكراد حول كيفية تجهيزهم لمواجهة حتمية مع بغداد. لقد عنى هذا تخزين الأسلحة وتدريب المقاتلين الأكراد على أساليب الحرب الحديثة، وكل ذلك في الوقت الذي تدهورت فيه العلاقات بين الأكراد وبغداد بسرعة.

وفي أوائل 1974, انتهك صدام بنود معاهدة مارس وفرض من جانب واحد نسخة مخففة من الحكم الذاتي للأكراد، فيما ردّ البارزاني بالسفر إلى إيران, حيث التقى بالشاه ومدير مكتب السي آي إيه لطلب الدعم الأمريكي لخطة إقامة حكومة عربية - كردية عراقية والتي ستدعي أنها الحكومة الشرعية الوحيدة للعراق. ومثلما كتب كيسنجر في مذكراته عام 1999, Years of Renewal, أثار طلب البارزاني "فيضًا من الاتصالات" بين المسئولين الأمريكيين التي ركزت على سؤالين: هل ستدعم الولايات المتحدة إعلان من جانب واحد للحكم الذاتي؟ وما مستوى الدعم الذي كانت الولايات المتحدة مستعدة لتقديمه إلى الأكراد؟ والسي آي إيه, بالتحديد, حذرت من المساعدة الأمريكية المتزايدة.

لكن كيسنجر كان رافضًا لتحذير مدير السي آي إيه ويليام كولبي, وكتب: "كان تردد كولبي غير واقعي تمامًا مثل حماس البارزاني". وقرر نيكسون في نهاية الأمر زيادة المساعدة الأمريكية للأكراد, وتضمن ذلك منح أسلحة سوفيتية الصُنع بقيمة 900 ألف جنيه كانت السي آي إيه قد خزنتها ومبلغ إجمالي بقيمة مليون دولار لمساعدة اللاجئين. وفي أبريل 1974, أرسل كيسنجر أوامر نيكسون إلى السفارة الأمريكية في طهران. هذه البرقية كانت مهمة لأنها قدّمت إعلانًا مقتضبًا للمصالح الأمريكية تجاه الأكراد. لقد كتب أن الأهداف كانت "أ) منح الأكراد القدرة على الحفاظ على قاعدة معقولة للتفاوض على الاعتراف بحقوقهم من حكومة بغداد؛ ب) إبقاء الحكومة العراقية مقيدة, لكن ج) عدم تقسيم العراق بصورة دائمة لأن المنطقة الكردية المستقلة لن تكون صالحة اقتصاديًّا، والولايات المتحدة وإيران ليس لديهما مصلحة في إغلاق الباب أمام العلاقات الجيدة مع العراق تحت قيادة معتدلة".

لقد أوضحت أيضًا أن الدعم الأمريكي للحكومة الكردية على المدى الطويل لم يكن ممكنًا لأنه لا يمكن إبقاؤه سرًا، وكانت هناك مخاوف عميقة داخل الحكومة الأمريكية حول صلاحية الدولة الكردية, ناهيك عن مخاوف الشاه من الاستقلال الكردي؛ نظرًا للأقلية الكردية الكبيرة في إيران. وتم توصيل هذه النقطة إلى الأكراد في بداية علاقتهم بالولايات المتحدة، والتأكيد عليها طوال العملية الكردية.

وهذا يُلقي الضوء على المشكلة الأساسية التي واجهها الأكراد دائمًا, وهي متعلقة بالجغرافيا. ومن المؤكد أن كردستان المستقلة ستكون دولة حبيسة, ما يجعلها عاجزة عن المشاركة في الاقتصاد الدولي دون الاعتماد على قوى خارجية – ومُعادية – مثل تركيا, وإيران, والعراق, وسوريا. على سبيل المثال, إذا أراد الأكراد تصدير النفط أو الغاز الطبيعي, سيكون عليه اجتياز الأراضي المجاورة عبر خط أنابيب لكي يصل إلى الأسواق الدولية. وإذا لم توافق أي من هذه الدول, سيهلك الاقتصاد الكردي. حتى الخدمات الأساسية، مثل السفر الجوي ستعتمد على رعاة خارجيين لأن الرحلات الجوية المتجهة إلى كردستان سيكون عليها السفر عبر المجال الجوي لبلاد مُعادية – وهي بلاد لديها بالفعل علاقات مع الولايات المتحدة. لهذا السبب, وبالرغم من الميل الشديد للأكراد وقضيتهم, كانت الولايات المتحدة واضحة دائمًا – أمام نفسها إن لم يكن دائمًا أمام العلن – بشأن عزوفها عن دعم الاستقلال الكردي.  

وفي أواخر عام 1974, شن الجيش العراقي هجومًا شاملًا على الأكراد, مُحققًا مكاسب كبيرة في الجبال, بفضل توجيهات المستشارين العسكريين السوفيت. لكن, وبرغم الجهود الإيرانية والإسرائيلية الكبيرة لتعزيز الأكراد عسكريًا, نجح العراقيون في الاحتفاظ بالأرض في شتاء 1974-1975، وحمل هذا كيسنجر والإسرائيليين على ابتكار خطة لإمداد الأكراد بأسلحة بقيمة 28 مليون دولار.

بيد أن الآوان قد فات، وتغيرت الجيوسياسة من تحت الأكراد. وفي 18 فبراير 1975, التقى الشاه بكسينجر في زيورخ، وأخبر كيسنجر بأن الأكراد "لم يعد لديهم جرأة"، وكان يفكر في الاجتماع بصدام في مؤتمر الأوبك في شهر مارس ليرى ما إذا كان بوسعه مقايضة دعمه بتنازل على الحدود. وزعم كيسنجر في مذكراته أنه رفض مقترح الشاه وذكّره بـ"تحذيراته المتكررة من أن انهيار الأكراد سيزعزع استقرار المنطقة بأكملها".

ولم يهم أي من هذا، وقُدّم قرار إيران بالتخلي عن الأكراد إلى الولايات المتحدة كأمر واقع وصفقة منتهية. وفي 6 مارس, أعلن الشاه وصدام اتفاقية الجزائر, التي نصت على تبادل السيادة الجزئية على شط العرب, وهو ممر مائي استراتيجي على طول الحدود الإيرانية - العراقية, مقابل عدم التدخل في شئون أحدهما الآخر. وحُكم على التدخل الكردي بالفشل، فيما أمر الشاه بغلق الحدود الإيرانية مع العراق, ما ألقى بالأكراد إلى الذئاب.

ومع غلق الحدود, عجز الأمريكيون والإسرائيليون عن تقديم المساعدة المستمرة للأكراد. وفي اليوم التالي, أطلق العراقيون العنان لجيشهم بكامل ثقله ضد الأكراد, مُجبرين آلاف المدنيين على الهرب إلى إيران. وذُهل ضباط السي آي إيه والقوات الخاصة الإسرائيلية الذين كانوا يساعدون حلفاءهم الأكراد في قتال العراقيين، وكذلك أيضًا كيسنجر, الذي عمل لثلاث سنوات بلا كلل ليقدّم للأكراد فرصة للنجاح، ولم يكن هناك ما يمكن فعله لمنع المذبحة. ومع ابتعاد إيران الآن, لم يكن هناك سبيل لمواصلة تقديم المساعدة الأمريكية. وقد اجتاحت قوات صدام الأكراد وهدمت 1400 قرية, واعتقلت الآلاف من أتباع البارزاني, وفرضت حكمه على المنطقة.

هذه النهاية المأساوية للتدخل الأمريكي من أجل دعم الأكراد ستميز بداية العلاقة المتأرجحة بين الولايات المتحدة والأكراد التي لا تزال قائمة حتى اليوم، وقد خسر آلاف الأكراد في العراق حياتهم بعد أن ألغت الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل دعمهم في 1975. وفي الثمانينيات, وجد الأكراد والولايات المتحدة نفسهم على طرفي نقيض في حرب إيران - العراق, التي شهدت استخدام صدام المتكرر للأسلحة الكيميائية ضد كل من إيران والأكراد وأدت إلى إبادة جماعية واسعة النطاق في كردستان العراق. لكن الأمور ستنقلب مرة أخرى في بداية التسعينيات؛ فبعد غزو العراق للكويت, شجعت الولايات المتحدة الأكراد على التمرد ضد حكومة صدام, لتتخلى إدارة جورج بوش الأب عنهم وقت الشدة.

وفي أبريل 1991, أدرك البيت الأبيض خطأه ونفذ عملية "توفير الراحة"، التي أقامت منطقة حظر جوي فوق شمال العراق وسمحت للأكراد العراقيين بالعيش أخيرًا في سلام. وفي 1992, أقام الأكراد العراقيون حكومة إقليم كردستان المستقلة, التي أصبحت حليفًا أمريكيًا لا غنى عنه خلال حرب العراق والحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

بيد أن الولايات المتحدة قد صححت الخطأ الذي ارتكبته في 1975 – حتى الآن. لكن حتى هذه الخيانة الأخيرة لا يجب أن تأتي كصدمة. إنها متسقة تمامًا مع المصالح المتعلقة بالأكراد التي أوضحتها الولايات المتحدة سرًّا منذ البداية.  

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات رؤية ترجمات

التعليقات

  1. مراقب1 ١٧ أكتوبر ٢٠١٩ - ٠٦:١١ م

    وهل يرى غير ذلك الا البهيم فقط فمهزلة قوات سوريا الديموقراطيه وهى عباره عن مليشيات ارهابيه تابعه لاميركا هاهى يتم ضربها من اردوغان لانه يخشى ان يحكم الكورد تركيا

اضف تعليق