بلومبرج | أوروبا لا تحتاج لأزمة عُملة جديدة


١٧ أكتوبر ٢٠١٩ - ٠٦:٤٢ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد
المصدر - بلومبرج

بعد ثماني سنوات صعبة من فعل ما يتطلبه الأمر لدعم اقتصادات أوروبا، يوشك "ماريو دراجي" على التنحي من منصبه كرئيس للبنك المركزي الأوروبي. وبقبول هذا التحدي، تواجه خليفته "كريستين لاجارد" نفس المشكلة: الاتحاد النقدي في مركز المشروع الأوروبي لا يزال عملًا غير مكتمل.

منذ البداية، كان اليورو غير مكتمل من حيث التصميم. لقد علم مُصمّموه أنه من أجل مشاركة العملة، يجب على الدول أيضًا مشاركة المخاطر – كما تفعل الولايات في أمريكا، على سبيل المثال، عبر المؤسسات الفيدرالية مثل الميزانية المشتركة، وشبكة الأمان الاجتماعي والمساندات المالية. وبخلاف ذلك، القوى الطاردة للاقتصادات المتباينة تهدد بتمزيق الاتحاد، وقد جرى إغفال هذه الآليات الأساسية لأن الدول الأعضاء لم تكن مستعدة لخسارة السيادة التي ستترتب عليها.

لقد ظن أصحاب الرؤى، مثل جان موني وتوماسو بادوا-سكيوبا، أن الأزمات الناتجة سوف تدفع أوروبا في الاتجاه السياسي الصحيح. لقد حدث هذا إلى حد ما، ولا شك أن أزمة الديون السيادية التي بدأت في وقت مبكر من هذا العام – والتي جعلت اليونان على حافة التخلي عن العملة المشتركة – أرغمت قادة أوروبا على اتخاذ خطوات باتجاه الاندماج الأكثر عمقًا. لقد أسسوا عناصر لاتحاد مصرفي، على سبيل المثال، والتي تشمل هيئات مركزية تمتلك القدرة على الإشراف، والاستحواذ على ودعم المؤسسات المالية.

مع ذلك، ما لم يُنجز بعد يقلّل من حجم التقدم الذي تحقق حتى الآن. إن الجهود الرامية لإنشاء ميزانية لمنطقة اليورو من أجل تخفيف الكساد – مثلما تفعل التحويلات الفيدرالية للولايات في أمريكا – لم تؤد إلى أي نتيجة تُذكر. والاتحاد المصرفي عجز عن المشاركة الحقيقية للمخاطر: إنه لن ينفق الأموال العامة المشتركة على إعادة الرسملة، و"ركيزته الثالثة" – نظام تأمين الودائع المشترك – لا تزال مجرد مقترح. ونتيجة لهذا، تعطل الاندماج المالي في أوروبا، قياسًا بالإقراض عبر الحدود.

لقد ألحقت العيوب في هيكل اليورو خسائر إنسانية واقتصادية وسياسية فادحة، وعانت اليونان من كساد ومعاناة لا تُوصف والتي ستكون بلا داع في اتحاد يشارك المخاطر بطريقة ملائمة. لقد استَنزفَت جهود دراجي الاستثنائية لإبقاء العملة متماسكة، موارد البنك المركزي الأوروبي، تاركةً إياه غير مستعد لمحاربة الكساد التالي، كما حطّم الخلل الوظيفي الأوروبي الإيمان بالمؤسسة السياسية؛ ما أسهم في انتعاش التيار اليميني الشعبوي الذي اجتاح العالم الغربي.

والآن، يجب النظر لسعي المملكة المتحدة للخروج من الاتحاد الأوروبي على أنه تحذير: إذا كانت الدولة التالية التي سترحل عضوًا في منطقة اليورو، فإن المشروع بأكمله – الذي يهدف إلى ربط أوروبا معًا بحيث لا تحدث أهوال الحربين العالميتين مرة أخرى – قد ينهار. لقد وصلت استراتيجية تكوين اتحاد أكثر قُربًا خلال الأزمات المتتالية إلى حدها الأقصى، محققة القليل جدًا بتكلفة كبيرة جدًا، ومُضعفة الدعم بدلًا من تعزيزه.

وهذا يترك قادة أوروبا أمام مسار آمن واحد: استجماع الإرادة للعمل في الأوقات المعتدلة نسبيًا، لكي لا تحدث الأزمة التالية من الأساس، أو لكي لا تصبح مؤلمة بشدة حال حدوثها.

الآن هو الوقت المناسب. لاجارد، التي تتسلم المنصب من دراجي الشهر المقبل، تعرف من تجربتها المريرة ما يحتاج للإصلاح في منطقة اليورو. بطريقة ما، يساعد البريكست أيضًا، عن طريق تسليط الضوء على تكاليف التفكك وعن طريق تهميش المعارض للاندماج الأوروبي، ويشدد النمو الاقتصادي البطيء على الحاجة لسياسة مالية منسقة. والتغير المفاجئ في سياسة التجارة الأمريكية من تشجيع التجارة العالمية إلى خنقها يشكل تحديًا لدول أوروبا للتكاتف والدفاع عن مصالحها.

وبشكل طبيعي، العقبات كثيرة، لا سيما في ألمانيا، حيث يعتبر السياسيون أي خطوات باتجاه المشاركة الأكبر للمخاطر لعنة. ولذلك، الرئيس القادم للمفوضية الأوروبية، وهي الألمانية أورسولا فون دير لاين، في وضع أفضل من أسلافها لكي تتعامل مع سياسة بلدها.

ويدرك الجميع ما يجب فعله. وإليكم بعض العناصر الرئيسية المقتبسة من مقترح لمجموعة من خبراء الاقتصاد الفرنسيين والألمان:
·  إتمام الاتحاد المصرفي. تأسيس تأمين ودائع متبادل والتعهد المشترك بأموال عامة كافية لإعادة رسملة البنوك عند الضرورة، بحيث يعتبر الناس اليورو المُودع في ألمانيا مساويًا لليورو المُودع في اليونان أو إيطاليا، مثلًا. ولضمان عدم سوء استغلال هذه المساندات، ينبغي أن تعمل البنوك برأس مال يستوعب الخسائر وتحد من استثماراتها في سندات حكوماتها. منح المزيد من السلطة والاستقلال للهيئات المسئولة عن النظام المالي بحيث لا يتعين على قادة أوروبا عقد قمة طارئة كلما مر بنك بأزمة.  

·  مشاركة المزيد من المخاطر المالية، وتأسيس صندوق لاستقرار منطقة اليورو، والذي سيجمع تبرعات في فترات الازدهار ويقدم أموالًا في حالات الطوارئ للأعضاء الذين يمرون بركود حاد. ومن أجل تطبيق سياسات حكيمة، إقامة مجلس مستقل لتحديد سقف الإنفاق، والذي سيتعين على الحكومات تمويل النفقات التي تتجاوزه بسندات صغيرة مرتفعة الخطورة، ما يخلق ضغطًا في السوق لإبقاء مواردها المالية في المسار المحدد. وأخيرًا، إقامة آلية إفلاس سيادية والتي تفرض الخسائر أتوماتيكيًّا، لكي تمنع استخدام أموال منطقة اليورو العامة لإنقاذ الدائنين من القطاع الخاص (مثلما حدث في اليونان).

·  كسر الحواجز أمام التدفق الحر لرأس المال في أوروبا، وتمكين هيئة الأوراق المالية والأسواق الأوروبية لتنسيق القواعد المالية والإفلاس والمحاسبة والقواعد الأخرى ذات الصلة، بهدف تشجيع الناس على الاستثمار؛ وبالتالي تنويع المخاطر عبر الحدود.

ولا شك في أن تلك مهمة عسيرة، لا سيما لأوروبا التي يعاني شعبها وقادتها من تعب الأزمة، وبغض النظر عن ذلك، هم يحتاجون لتحفيز أنفسهم. وفي الأزمة التالية، لن تتمكن لاجارد من فعل اللازم بمفردها، والأفضل هو أن تتغلب الحكومات على هذا القصور الذاتي الآن وليس خلال حالة طوارئ جديدة، والتي ربما تختبر المشروع الأوروبي إلى حد التدمير.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات رؤية ترجمات

اضف تعليق