بلومبرج| لماذا أصبح فلاديمير بوتين مهتمًا فجأة بالاحتباس الحراري؟


١٩ أكتوبر ٢٠١٩ - ٠١:٢٤ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد
المصدر - بلومبرج

يحتاج الرئيس فلاديمير بوتين لأن يصبح صديقًا للبيئة بسرعة حتى يمنع ذوبان التربة الصقيعية، لتتمكن شركات النفط والغاز الروسية من الاستمرار في ضخ الهيدروكربونيات التي ترفع حرارة الكوكب وجعل التربة الصقيعية تذوب. إنني أصارع مع هذا المنطق المنحرف، لكن هذا هو الاستنتاج الذي وصلت إليه من تصديق روسيا المفاجئ على اتفاقية باريس للمناخ، وكذلك من قراءة آخر تقرير للجنة الدولية للتغيرات المناخية. 

وحتى الآن، كان يعدّ تغير المناخ "شيئًا جيدًا" لروسيا، على الأقل جزئيًا، وقد فتحت المياه الدافئة طريق بحر الشمال في أعالي البلاد وجعلته عمليًا، إن لم يكن اقتصاديًّا، بحثًا عن موارد النفط والغاز تحت بحار القطب الشمالي واستغلالها.. من يتذكر مشروع شتوكمان للغاز الطبيعي؟
غير أن الاحتباس الحراري الذي يفتح البحار القطبية الشمالية ربما بدأ في أن يكون له تأثير أقل نفعًا على اليابسة المتجمدة في شمال روسيا، معقل إنتاج وتطوير النفط والغاز الطبيعي في البلاد.

حالة تراجع
يقول تقرير "المحيطات والغلاف الجليدي في المناخ المتغير" الصادر عن اللجنة الدولية للتغيرات المناخية: "تمر التربة الصقيعية بتغيير سريع". ويحذر مؤلفو التقرير من أن التغييرات تهدد "الاستقرار الهيكلي والقدرات الوظيفية" للبنية التحتية لصناعة النفط، فيما تحدث المخاطر الكبرى في المناطق ذات المحتوى الأعلى من الجليد الأرضي والرواسب المُعرضة للصقيع، فضلاً عن أن شبه جزيرة يامال الروسية (موطن اثنين من أكبر مشروعات الغاز الروسية الجديدة: بوفانينكوفو ويامال للغاز الطبيعي المُسال، ونوفي بورت لتطوير النفط) تلائم هذا الوصف.

مع هذا، تعد المشكلة أكبر من تلك المشروعات الثلاثة؛ فبحسب التقرير، "تقع 45% من حقول إنتاج النفط والغاز الطبيعي بالمنطقة القطبية الروسية في منطقة الخطر المرتفع".

وتتجمد الأمتار القليلة الأولى من التربة الصقيعية، التي تُسمى الطبقة النشطة وتذوب مع تغير الفصول، وتصبح غير مستقرة خلال الشهور الدافئة، ويضع مطوّرو المشاريع هذا في الحسبان عن طريق التأكد من أن أساساتهم عميقة بما يكفي لدعم البنية التحتية، والتي تشمل الطرق، والسكك الحديدية، والمنازل، ومحطات المعالجة وخطوط الأنابيب. لكن تغير المناخ يجعل الطبقة النشطة تزداد عمقًا؛ ما يعني أن الأرض تخسر قدرتها على دعم الأشياء المبنية عليها، ولا شك أن خسارة قدرة التحمل أمر مؤسف، وهو يحدث الآن بالفعل.

عدم التحمل
لم تعد الأساسات في مناطق التربة الصقيعية تستطيع تحمل الأحمال مثلما كانت تفعل في الثمانينيات، وذلك بحسب تقرير برنامج مراقبة وتقييم القطب الشمالي 2017 الصادر عن مجلس القطب الشمالي. وفي نوفي بورت، انخفضت قدرة تحمل الأساسات بأكثر من 20% في الفترة بين الثمانينيات والعقد الأول من هذا القرن.

أما في شبه جزيرة يامال، فمن المتوقع أن تنخفض قدرة تحمل الأرض بنسبة 25%-50% في المتوسط في الفترة بين 2015-2025، عند المقارنة بالسنوات 1965-1975. وفي الجنوب، وتحديدًا في المنطقة التي تضم أورنجوي (ثاني أكبر حقل غاز طبيعي في العالم) ومعظم إنتاج غاز غرب سيبيريا الروسي، قد تفقد التربة 50-75% من قدرة تحملها، بحسب تقرير برنامج مراقبة وتقييم القطب الشمالي، وربما لا تكون هذه مشكلة كبيرة بالنسبة للبنية التحتية النفطية الأحدث، التي صُمّمت مع وضع تغير المناخ في الاعتبار.

بيد أن هذه الافتراضات تعتمد على النماذج المستخدمة للتنبؤ بحجم الاحتباس الحراري وتآكل التربة الصقيعية، فماذا لو فاجأتها قفزة غير متوقعة في درجات الحرارة؟

ويضيف التقرير: "التربة الصقيعية القريبة من السطح في أعالي القطب الشمالي والمناطق شديدة البرودة الأخرى ازدادت دفئًا بأكثر من 0.5 درجة مئوية منذ 2007-2009، والطبقة التي تذوب في الصيف ازدادت عُمقًا في معظم المناطق حيث تخضع التربة الصقيعية للمراقبة". وفي سيناريو من الانبعاثات المرتفعة؛ "من المتوقع أن تنخفض مساحة التربة الصقيعية القريبة من السطح بنحو 35%".

مُقدرات في خطر
ورغم أن تأثير التربة الصقيعية المنحسرة على تطويرات روسيا الجديدة للنفط والغاز في منطقة القطب الشمالي يمكن تخفيفه، غير أنه يضاعف تكلفة المشروعات في بيئة مرتفعة التكلفة بالفعل. وبالنسبة للبنية التحتية الأقدم، فالمشاكل أسوأ، ومن المتوقع أن يصل إنتاج الغاز في حقل بوفانينكوفو في شبه جزيرة يامال إلى 140 مليار متر مكعب في العام – أكبر من إنتاج النرويج بالكامل – لكنه "شهد زيادة في الانهيارات الأرضية المتعلقة بذوبان التربة الصقيعية"، بحسب التقرير.

ومن المقرر أن تصبح شبه جزيرة يامال ككل واحدة من "ثلاثة مراكز روسية رئيسية لإنتاج الغاز بإنتاج سنوي محتمل يبلغ 310-360 مليار متر مكعب من الغاز"، بحسب عملاق الطاقة الروسي جازبروم، وهذا يساوي نصف جميع الغاز المُنتج في روسيا العام الماضي.

مع ذلك، ربما يكون تجنب الكثير من خسارة التربة الصقيعية متأخرًا جدًا. يقول برنامج مراقبة وتقييم القطب الشمالي إنه حتى إذا انخفضت انبعاثات الغازات الدفيئة بما يتناسب مع اتفاقية باريس، سوف "يحافظ على استقرار حجم التربة الصقيعية القريبة من السطح عند 45% تحت القيمة الحالية". إن اللامبالاة ستتسبب بخسائر أكبر وربما المزيد من المشاكل لمنتجي النفط والغاز في روسيا. وفي النهاية يبقى التساؤل: هل هذا هو السبب الحقيقي وراء تغيير بوتين المفاجئ لموقفه؟

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات رؤية ترجمات

اضف تعليق