نيويورك تايمز| لبنان يشتعل


٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ - ٠٨:٥٢ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد


في عام 2015، وكجزء من قوانين المرور الجديدة لتنظيم "طرق لبنان الفوضوية"؛ أعلنت وزارة الداخلية والبلديات اللبنانية أن كل سيارة في البلاد يجب أن تكون مجهّزة بطفاية حريق صغيرة. ولعقود، لم تكن هناك الكثير من القوانين لضمان سلامة السائقين اللبنانيين وركابهم، أما الآن، فبالإضافة إلى حزام الأمان والاشتراطات الخاصة بكرسي السيارة، يجب أن يكون بحوزة السائقين طفاية حريق في المتناول في حال اشتعال سياراتهم، وهو ما تقرر أنه مصدر قلق حقيقي. لقد ذُهلتُ أنا وغيري من المواطنين اللبنانيين من هذا الحرص على سلامتنا.

الآن وبعد أربع سنوات، لا تزال الطرق فوضوية، وبينما يمتلك الكثير من السائقين الآن طفايات الحريق، لا تمتلك الحكومة المعدات المناسبة للتعامل مع الكوارث الأكثر إلحاحًا، مثلما اتضح عندما اجتاحت النيران الكارثية لبنان الأسبوع الماضي نتيجة لحرائق الغابات الخارجة عن السيطرة! 

بدأت الحرائق ليلة الاثنين الماضي في الغابات الكثيفة الواقعة شرق وجنوب بيروت، ثم اجتاحت المناطق الأخرى الواقعة شمالًا، ووصلت إلى مناطق سكنية في طريقها، وعرّضت المنازل والمدارس والأعمال الصغيرة للخطر، ناهيك عن نزوح مئات العائلات. وتُظهر الصور الجوية صفوفًا من السيارات المتفحمة والشوارع المحترقة.

وقد ألقى البعض باللوم على الارتفاع المفاجئ في درجة الحرارة والرياح القوية، بينما قال آخرون إن الحرائق كانت من فعل المُخرّبين، وادعى البعض أن السوريين هم من بدأوها. لكن السؤال الحيوي هو: لماذا فشلت الحكومة اللبنانية في التجاوب بطريقة أكثر فاعلية لاحتواء حرائق الغابات؟ وماذا كان أعضاء الحكومة والرئيس يفعلون تلك الليلة عندما كان المواطنون ورجال الإطفاء من الدفاع المدني، بقدرتهم التقنية المحدودة، يحاولون باستماتة إطفاء النيران؟ 

لقد كانوا على الأرجح في سبات عميق، وضمائرهم راضية بحقيقة أن كل لبناني لديه طفاية حريق صغيرة في سيارته، لذلك كل شيء سيسير على ما يرام. وجرى إخماد الحرائق يوم الاثنين في وقت متأخر من تلك الليلة، لكن الرياح أعادت إشعالها مرة أخرى. وفي صباح اليوم التالي، طلب المسئولون اللبنانيون مساعدات عاجلة من القبرصيين الذين أرسلوا طائرتين. وجاءت المزيد من المساعدات من الأردن وإيطاليا واليونان، وفي النهاية تم احتواء النيران. لكن ألم يكن لدى الدولة اللبنانية أية طائرة لمكافحة الحرائق والتي كانت ستوفر علينا وقتًا ثمينًا وتمنع كل تلك الخسائر الفادحة؟

بالطبع لديها. إنها لا تمتلك واحدة ولا اثنتين؛ بل ثلاث مروحيات "سيكورسكي إس-70" لمكافحة الحرائق، والتي تم شراؤها والتبرع بها للحكومة بعد أن جمع ائتلاف من المدنيين ورجال الأعمال نحو 15 مليون دولار في 2009. كان الجيش هو المسئول عن هذه المروحيات لأن الدفاع المدني ليس لديه طيارون، لكنهم كانوا ينتمون بالاسم فقط لوزارة الداخلية. ومن 2009 إلى 2012، استُخدمت المروحيات لمكافحة عدة حرائق، غير أنه في السنوات التالية، لم تُجر أية إصلاحات للمروحيات وخرجت جميعها من الخدمة، فيما لم تدفع وزارة الداخلية والبلديات الأموال اللازمة لصيانتها.

ويُعتقد أن الحرائق التي بدأت يوم الاثنين هي الأسوأ في لبنان منذ عقود. لكن حرائق الغابات ضربت الدولة على مدار العام الماضي، وأهلكت نحو ثلاثة ملايين شجرة. والحرائق الجديدة، المكونة من أكثر من 100 حريق، أتت على 3 آلاف فدان، ما ضاعف المعدل السنوي لخسائر الغابات. وقال جورج ميتري، مدير برنامج الأرض والموارد الطبيعية في جامعة البلمند في قضاء الكورة، "إنه قطعًا شيء كارثي على تنوعنا البيولوجي الوطني".

وفي صباح الأربعاء، استيقظت على صورة شاب خسر حياته وهو يحارب النيران. استيقظت على خبر التهام النيران لمزيد من الأشجار الجميلة والأساسية، في بلد يعاني أصلًا من غياب سياسة بيئية واعية وملائمة. استيقظتُ على أشخاص في السلطة كانوا يقدّمون مصالحهم الشخصية على مصالح شعبهم، وهم يُعربون عن ندمهم ويطالبون بإجراء تحقيق، لكنهم لم يتحملوا المسئولية عن الكارثة. وأخيرًا وليس آخرًا، استيقظت على أصوات سياسيين متغطرسين يتبادلون الاتهامات، محاولين استغلال الموقف لإحراز نقاط سياسية، وهي وقاحة أصبحنا معتادين عليها الآن، لا سيما تحت النظام الحالي للرئيس ميشيل عون والتيار الوطني الحر، الذي دفعنا أداؤه غير الملائم إلى الغرق أكثر في الأزمة الاقتصادية التي كانت تخيم علينا لسنوات، والآن تُسحق الدولة!

وبحلول يوم الخميس، كانت الحرائق الكبرى تحت السيطرة، كما كانت قوات الدفاع المدني تعمل على إخماد النيران القليلة المتبقية. لكن مع مرور اليوم، غمر آلاف اللبنانيين الشوارع في احتجاجات، مطالبين باستقالة الحكومة، من ضمن مطالب أخرى. وفي صباح الجمعة، كانت ألسنة اللهب مشتعلة في أنحاء البلاد، لكن هذه المرة من النيران التي أشعلها الناس، الذين ضاقوا ذرعًا بفساد قادتهم وفشلهم ولا مبالاتهم.

ومع تكشّف الأحداث، أظل أّذكّر نفسي بأننا لم نخسر كل شيء؛ لأنني أمتلك طفاية حريق صغيرة في سيارتي، وكل شيء سيصبح على ما يرام!

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق