الصحافة الفرنسية| هؤلاء أبرز الرابحين من الانسحاب الأمريكي من سوريا.. وهل تلعب موسكو دور واشنطن؟


٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ - ٠٢:٤١ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - محمد شما


عقب الهجوم التركي على سوريا.. ما الدور الذي يمكن لجامعة الدول العربية أن تلعبه؟

تساءلت النسخة الفرنسية من جريدة سبوتنيك الإلكترونية الروسية عن فرص جامعة الدول العربية في وقف الهجوم التركي على سوريا؛ فبعد أن اجتمع وزراء الخارجية العرب بشكل طارئ في الجامعة العربية لبحث الهجوم التركي على شمال سوريا وقالوا إنهم سيبحثون اتخاذ إجراءات عاجلة بهذا الشأن، يستعرض خبراء "سبوتنيك" رؤيتهم للخطوات المحتملة للجامعة العربية.

عودة سوريا إلى الجامعة

في البداية يرى الخبير الاستراتيجي المصري "سامر غطاس" أنه من الممكن في هذا السياق إعادة تفعيل عضوية سوريا في جامعة الدول العربية، حيث يقول: "الشيء الوحيد الذي يستطيعون فعله من أجل سوريا هو إعادتها إلى الجامعة. وهذا لأنهم لن يرسلوا قواتهم إلى الحدود التركية، ولن يقوموا بالمواجهة العسكرية، ولن يسحبوا أموالهم من تركيا".

أدوات الضغط على أنقرة

فيما قال الخبير الاقتصادي الإماراتي "عبد الرحمن الطريف" إن الدول العربية تعاني من افتقاد أدوات الضغط على أنقرة. وإذا كانت قيمه الليرة التركية قد انخفضت؛ فإن السبب وراء ذلك يرجع إلى العقوبات الأمريكية وليس إلى الإجراءات العربية. وعلل الخبير الإماراتي على ذلك قائلًا: "تُصَدّر تركيا منتجاتها إلى معظم الدول العربية، كما أن السعوديين والإماراتيين يستثمرون بكثافة في هذا المجال. وحتى لو سحبوا أموالهم، فستتبقى قطر، والتي خصصت مؤخرًا 15 مليار دولار لدعم الليرة التركية. ولذلك، تعد قطر والإمارات والسعودية وحدهم القادرين على التأثير على تركيا. وبالنسبة للأعضاء الآخرين في جامعه الدول العربية، فإن كل ما عليهم القيام به هو تنفيذ العقوبات". وبالرغم من الدور الرئيسي لسوريا في العالم العربي، إلا أن الجامعة العربية علقت عضويتها في نوفمبر 2011 بعد اندلاع الحرب هناك ولم تشارك في المفاوضات حول هذا الملف.


 "الأسد".. الرابح الأكبر من انسحاب القوات الأمريكية من سوريا

وسلطت جريدة "ليكبريس" الضوء على مستجدات توازنات القوى على الساحة السورية؛ فبعد أن تحالف مع القوات الكردية في شمال شرق سوريا من أجل التصدي للهجوم التركي، استطاع الرئيس السوري بشار الأسد استعادة السيطرة على أراضٍ لم تكن في الحسبان. ومع انسحاب القوات الأمريكية من شمال سوريا، حقق "الأسد" أكبر استفادة ممكنة؛ حيث لم يكن أمام الأكراد سوى اللجوء إلى النظام السوري من أجل مواجهة الهجوم التركي على أراضيهم.

وذكرت وكاله الأنباء الفرنسية أن جيش الأسد انتشر في ضواحي تل تمر، تلك البلدة الصغيرة التي تقع على بعد حوالي 30 كيلومترًا جنوب رأس العين، حيث تحتدم المعارك بين الجيش التركي وقوات سوريا الديمقراطية، التحالف الرئيسي للمقاتلين الأكراد والعرب.

وتهدف أنقرة إلى طرد المليشيات الكردية لوحدات حماية الشعب من المنطقة المتاخمة لحدودها. ومن المتوقع أن تسفر العملية التي بدأت في التاسع من شهر أكتوبر الجاري إلى إنشاء "منطقة آمنة" بعمق 32 كيلومترًا للفصل بين حدودها والأراضي التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية، والتي تصفها أنقرة بـ"الإرهابية"؛ وبالفعل تمكنت القوات التركية من الاستيلاء على شريط إقليمي بطول حوالي 120 كيلومترا، يمتد من مدينة تل أبيض الحدودية إلى غرب مدينة رأس العين.

ويعدّ هذا التطور بمثابة هبة من السماء للأسد، والذي بات بإمكانه أن يفرض وجوده في شمال البلاد بفضل الاتفاق مع المليشيات الكردية، لذا يبرر مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، هذا التحالف قائلًا: "نعلم أنه سيكون علينا تقديم تنازلات مؤلمة، ولكن بين التنازلات والإبادة الجماعية لشعبنا سنختار الحياة"، موضحًا أن الروس والسوريين "قدّموا مقترحات يمكن أن تنقذ حياة الملايين".

من جانبه يقول عادل باكاوان، باحث مشارك في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية ومتخصص في شئون الشرق الأوسط: إن بشار الأسد لم يكن يحلم بأفضل من هذا، حيث بات بإمكانه العودة إلى هذه الأراضي دون فقد أي جندي في معارك مع الأكراد، وهذا الأمر كان بعيدًا تمامًا عن التصور حتى ذلك الحين. ولا شك أن هذا انتصار له، حتى لو كانت عودته على سبيل الإدارة المشتركة لهذا الإقليم. وعبر المعارك ضد داعش، تمكن الأكراد من توحيد أراضيهم على طول الحدود مع تركيا، وتشكيل إقليم يمثل 31 في المائة من مساحة سوريا.

وتقول مانون نور تانوس، الأستاذة بجامعة ريمس الفرنسية والباحثة المعاونة في كلية فرنسا والمتخصصة في شئون العالم العربي: "لقد فشل الأكراد بالرغم من ذلك في تحويل انتصاراتهم الإقليمية إلى اعتراف بمطالبهم؛ لأن هذه الانتصارات كانت مشروطة بالوجود الأمريكي".

ومن ناحية أخرى أوضح ديدييه بليون، نائب مدير المعهد العلاقات الدولية والاستراتيجية والخبير في شئون تركيا والشرق الأوسط، أن "باستطاعة الأسد الآن استعادة الجزء الشمالي من البلاد. حيث تشير حقيقة توازنات القوى إلى أنه هو من يمتلك السلطة في الوقت الحالي". وأضاف أن "بعض الدول العربية بدأت تعيد فتح سفاراتها في سوريا وتستأنف المناقشات معه. والكثير من المؤشرات تدل على أنه بات يأخذ بزمام الأمور بشكل متزايد".

الفائز الآخر.. زعيم الكرملين

ودون الدعم الروسي الذي بدأ في سوريا في سبتمبر 2015 لكان هذا التحول دربًا من المستحيل؛ حيث يرى عادل باكاوان أن انتصار الأسد هو في الواقع انتصار لزعيم الكرملين، مشيرًا إلى أن "الفضل في وجود بشار الأسد حتى الآن يرجع لدعم بوتين طوال الصراع". والشيء نفسه ينطبق على ديدييه بليون، الذي يرى أنه "لم يكن بإمكان الزعيم السوري أن يحتفظ بمنصبه دون تدخل حليفه الروسي الذي نجح في استراتيجيته".

ومن المواقف المحورية في النزاع السوري أن الكرملين يأمل في الاستفادة بشكل أكبر من العلاقات التي أسسها مع أنقرة عبر مشاركتها العديد من المشاريع العسكرية والصناعية في السنوات الأخيرة، ويقول ديدييه بليون إن "لروسيا علاقات جيدة مع الأتراك والسوريين، ولذلك فإنها لن تسمح بحدوث مواجهة بينهما؛ بل على العكس ستحاول تحقيق شكل من أشكال المصالحة بين البلدين".

مصالح مشتركة

وفي هذا الصدد، تتحدث موسكو عن "إجراء اتصالات بين السلطات الروسية والتركية"، فيما رحب أردوغان بالمقاربة الإيجابية التي اتبعتها روسيا تجاه كوباني، تلك البلدة الكُردية القريبة من الحدود والأماكن السياحية التركية.

ويبدو الصراع المفتوح بين تركيا وسوريا صعبًا على فريديريك بيهون، مؤرخ ومؤلف كتاب "سوريا.. حرب من أجل لا شيء". حيث يقول لصحيفة ليكسبريس: "إن الهدف الرئيس لتركيا هو منع إقامة دولة كردية مستقلة. وبمجرد أن يقدم نظام بشار الأسد المساعدة إلى الأكراد، يمكن للأتراك حينئذ التأكد من انتهاء الحكم الذاتي في الإقليم؛ فالأتراك والسوريون لديهم مصالح مشتركة في عدم ظهور دولة كردستان السورية".

بوتن متشوق جدًّا لشغل الدور الأمريكي في الشرق الأوسط

وأجرت النسخة الفرنسية من موقع سبوتنيك الروسي حوارًا مع "أوليفييه دا لاج"، رئيس تحرير راديو فرنسا الدولي والمتخصص في شئون المنطقة، والذي ألقى الضوء على التحديات الإقليمية في خضم التحول القائم؛ فبعد الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط، تعمل جهات فاعلة أخرى على تولي دور القيادة في المنطقة؛ ويبدو أن روسيا تحتل مرتبة الصدارة.

الطبيعة تكره الفراغ.. وكذلك تفعل الجغرافيا السياسية

بينما تقوم الولايات المتحدة بتقليص وجودها ونفوذها في الشرق الأوسط عبر العودة إلى الانعزالية التقليدية، تعمل جهات فاعلة أخرى، وعلى رأسها روسيا، على ملء هذا الفراغ، كما تسعى الدول الخليجية بدورها إلى الابتعاد عن واشنطن، ولا سيما بعد أن تخلى البيت الأبيض عن تقديم الدعم للمملكة العربية السعودية في أعقاب الهجوم على شركة أرامكو النفطية. ويقول أليكسي مالاشينكو، مدير الأبحاث في معهد حوار الحضارات في موسكو: "يحاول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إعادة توجيه السياسة الخارجية لبلاده بحيث لا تعتمد الرياض مستقبلًا على واشنطن".

ومنذ فترة ليست بالقليلة، تقوم السلطات الروسية بمزيد من المبادرات الدبلوماسية والاستراتيجية في المنطقة من أجل تقوية الروابط مع مختلف الجهات الفاعلة، غير أن العلاقات بين دول الخليج وروسيا لم تكن دائمًا في أحسن حال. فقبل عامين لم تكن الخلافات بين البلدين حول القضايا الساخنة، مثل سوريا أو إيران، تبشّر بإمكانية حدوث هذا التقارب، إلا أنه حدث بالرغم من ذلك! وثمة تساؤلات مهمة حول دور مختلف القوى الإقليمية والدولية، وطبيعة الاستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط؟ وكيف تتحقق؟ وإلى أهم ما جاء في الحوار:

سبوتنيك فرنسا: رأينا قادة متحمسين للقاء في الرياض ثم في أبو ظبي خلال زيارة فلاديمير بوتين الأخيرة للسعودية ومن ثم للإمارات. إلى أي مدى وصلت العلاقات بين روسيا والدول الخليجية (باستثناء قطر)؟

أوليفييه دا لاج: العلاقات جيدة جدًّا، بل يمكنني أن أقول إنها تصل إلى حد البرجماتية. لقد استوعبت الدول الخليجية أن روسيا قد أمسكت بزمام الأمور في المنطقة، ولا سيما في القضية السورية. ومن ناحية أخرى، فإنهم يشعرون بالقلق بشأن تقلب أطوار ترامب ويتساءلون عما إذا كان الضمان الأمريكي سيكون ذا جدوى. لذلك أود أن أقول إن هذه العلاقات مفتوحة، وأود أن أضيف أن مصالح النفط والغاز المشتركة توجد لدى هذه الدول ما تتحدث بشأنه مع بعضها البعض. وأخيرًا، فإن الظروف الجيوسياسية الحالية تبرر تعزيز هذه العلاقات.

أليس ثمة احتمال من وجهة النظر الروسية أن يصطدم هذا التقارب بالحليف الإيراني التقليدي؟ يبدو هذا وكأنه لعبة خطيرة...

بالفعل، هنا يكمن موطن قوه وضعف الموقف الروسي. وهذا يعني أن روسيا تمكنت من ترسيخ نفسها كلاعب دولي يتحدث إلى جميع الأطراف، سواء كانت إسرائيلية أم خليجية أم تركية أم إيرانية... ويفرض هذا الموقف عددًا من القيود. ففي مرحلة ما، لا يمكنك أن تتفق مع الجميع".

اقترحت روسيا نفسها كوسيط في المناقشات بين السعودية وإيران. وقبل أيام، قامت بتسهيل المناقشات بين القوات الكردية والحكومة السورية. وقبل أسابيع، كانت الدبلوماسية الروسية - ولا تزال - تروّج لفكرة تأسيس نظام أمن جماعي في الخليج. ما هو الغرض الرئيس من هذه الاستراتيجية التيسيرية؟

من الواضح أن فلاديمير بوتين يتوق جدًّا لشغل الدور الذي طالما لعبه الأمريكيون في العديد من القضايا في الشرق الأوسط. فعمله في سوريا كان حاسمًا، لكنه تسبب بمشاكل أخرى، حيث ساهمت روسيا في وفاة الكثيرين في حلب وإدلب. وسيتعين على روسيا أن تدرك أنه لا يمكنها الاستئثار بجميع السلطات، لا سيما في الشرق الأوسط.

والروس ليسوا وحدهم الذين يعملون في المنطقة. فعلى سبيل المثال، اقترح رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان أيضًا القيام بدور الوساطة بين المملكة العربية السعودية وإيران. وبطبيعة الحال، فإن باكستان لا تضاهي روسيا في القوة، ولكنها بلد مسلم ولها علاقات جيده مع السعودية وإيران؛ وبالتالي فإن الخطر بالنسبة لروسيا هو أن تعتقد أن باستطاعتها فعل كل الأشياء في الشرق الأوسط، وهذا أمر لن يتحقق.

إذًا فأنت تؤكد أن روسيا تحاول ملء فراغ خلفته الولايات المتحدة التي تتجه إلى انعزالية متزايدة؟

بكل وضوح، أعتقد أن هناك بُعدين: الجوانب الثنائية من ناحية، أي أن روسيا تسعى إلى تحسين مواقفها الفردية في كل دولة من دول المنطقة. والجانب الإقليمي من ناحية أخرى؛ فالطبيعة تكره الفراغ، وكذلك تفعل الجغرافيا السياسية. وبمجرد أن تُظهر إدارة ترامب عدم الاهتمام بما يحدث في الشرق الأوسط، فمن المنطقي أن يسعى آخرون لأخذ مكانها. ومن وجهة النظر هذه، تبدو روسيا أكثر استعدادًا لأن لها تاريخًا طويلًا واستراتيجية في المنطقة. أما الجهات الفاعلة الأخرى فهي ليست مستعدة بعد للقيام بهذا الدور. فالهند لا تمتلك طموحًا عالميًّا، والصين ليست مستعدة بعد للقيام بهذا الدور؛ لذلك نعم، كانت الحكومة الروسية تمتلك ورقة لعب، وبالفعل لعبتها.

بين أمريكا التي تنكمش على نفسها وروسيا التي تقوم بتوسيع مدى نفوذها في المنطقة، أليس هناك مكان لصوت أوروبي؟ وما هي استراتيجية أوروبا في كل هذا؟

الاستراتيجية كلمة عظيمة. هناك سياسة أوروبية في الشرق الأوسط، ولكن أوروبا غارقة في مشاكلها الداخلية، كخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، والتشكيل الجديد. وهناك أيضًا خلافات بين العديد من البلدان وبعض البلدان الشرقية على وجه الخصوص التي تعد أقرب إلى إسرائيل من الأعضاء التقليديين الآخرين في الاتحاد الأوروبي، وهذا يصعّب بشكل كبير من صياغة سياسة أوروبية شاملة. ومن ناحية أخرى، لا يعد الاتحاد الأوروبي قوة عسكرية؛ وبالتالي فإن تأثير الأوروبيين في الشرق الأوسط، والذي لا ينبغي الاستهانة به، يأخذ شكلًا من أشكال القوة الناعمة التي تعجز اليوم أمام وضع يعلو فيه صوت الأسلحة.

وماذا عن فرنسا؟

الأمر ذاته ينطبق على فرنسا التي تمتلك تأثيرًا في عدد من الدول، وأقصد بوجه خاص بعض بلدان الخليج العربي. فيما تمتلك فرنسا علاقات أكثر تعقيدًا بقليل مع إسرائيل وإيران أيضًا، ولكن على أي حال فإن فرنسا بمفردها لا تستطيع أن تفعل أي شيء في الشرق الأوسط.

"بيرتران" يدعو "ماكرون" إلى تغيير نهجه في مواجهة الإسلام السياسي

وفيما يخص الجدل الدائر حاليًا حول الإسلام في فرنسا؛ أبرزت صحيفة لوفيجارو تحذير الوزير السابق في عهد ساركوزي والعضو السابق بحزب الجمهوريين "إكزافييه بيرتران" من مخاطر المواجهة، حيث دعا بيرتران، رئيس الدولة إلى تغيير طريقة تعاطيه مع الإسلام السياسي، محذرًا من مخاطر المواجهة.

 وقال بيرتران: "أدعو إلى شن حملة جمهورية ضد الإسلام السياسي الذي يصيب بلدنا"، ورأى أن الدين الإسلامي يشكّل خطرًا كبيرًا يحدق بأسس المجتمع، معربًا عن أسفه قائلًا: "من الواضح أن هذا الأمر لم يحظ بالأولوية لدى ماكرون حتى الآن؛ ما أفقدنا سنتين في هذه المواجهة". وكان الرئيس الفرنسي قد دعا شعبه - أثناء تكريم الموظفين الأربعة الذين قضوا على يد أحد زملائهم في مبنى محافظة باريس - إلى التكاتف من أجل محاربة ما سماه "الإسلام السياسي".   

ميزانية حرب

ويرى الوزير السابق أن ماكرون لم يكن يدرك حتى هذا الأسبوع مدى خطورة الوضع، وأن الأصوليين يمتلكون استراتيجية واضحة وهي إثارة حرب الحضارات. وأضاف: "نحن في حالة حرب سيدي الرئيس. وعلينا أن نغير طريقة تعاطينا مع هذا الأمر؛ لذا فنحن بحاجة إلى ميزانية حرب"، منتقدًا بذلك تناقضات الحكومة وضعفها وفقدانها للوعي، على حد تعبيره، وعدم اتخاذها إجراءات لتجنب حدوث المواجهات المباشرة.

الجدل حول ارتداء الحجاب.. الناس يتحدثون كثيرًا عن المسلمين ولا أحد يستمع إليهم

من جانبه، أوضح أستاذ علم الاجتماع "إيريك فاسان" في حوار صحفي له مع موقع عشرين دقيقة الخبري الفرنسي، السبب وراء استمرار الأحكام المسبقة تجاه المسلمين، وفقًا لأحدث الإحصاءات الرسمية الصادرة.

فمنذ المداخلة الشهيرة إعلاميًّا للنائب عن حزب التجمع الوطني "جوليان أودول" ضد إحدى النساء المحجبات، شغل موضوع ارتداء الحجاب في الأماكن العامة محور النقاش السياسي. ولا يعدّ هذا الجدل سوى المثال الأخير لسلسلة طويلة من التوترات حول الإسلام والمسلمين في فرنسا.. فلماذا تنتشر الاحكام المسبقة بشأن المسلمين؟ وهل الوضع على وشك التغيير؟

وهنا يرى "فاسان" أنه على الرغم من الأفكار النمطية الدائمة حول المسلمين، يتحول ضحايا الإسلاموفوبيا بشكل متزايد إلى موضوعات سياسية. فبعد ردود الأفعال القوية التي تسبب بها تسويق متجر ديكاتلون لحجاب رياضي في شهر فبراير الماضي – قبل أن يتم إلغاؤه في النهاية - وسباحة مجموعة من النساء المسلمات مرتديات النقاب بمدينة جرونبل هذا الصيف، وكذلك الاحتجاجات التي أثارها مؤخرًا "أودول"، بعد أن طلب من امرأة نزع حجابها في اجتماع أحد المجالس الإقليمية، لا يبدو أن هذا الموسم سيمر دون إثارة جدل جديد يغذي الجدل المتوتر حول الإسلام.

وفي أبريل الماضي، وبالرغم من ملاحظة اللجنة الاستشارية الوطنية لحقوق الإنسان تحسن صورة المسلمين في أذهان الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع، بيد أنها خلصت في تقريرها السنوي المناهض للعنصرية إلى أنه "لا يزال الإسلام مصدرًا نشطًا لإثارة التوترات في أحد أجزاء المجتمع".. وإلى أبرز ما جاء في الحوار:

لماذا يعدّ المسلمون من بين أكثر الأقليات تعرضًا للأحكام المسبقة؟ وما الأساس الذي تستند إليه عوامل هذا التقييم؟

فاسان: في الواقع، الأقلية الأكثر تعرضًا للعنصرية هي طائفة الغجر، ثم يأتي المسلمون في المرتبة الثانية. وهذا هو الترتيب الذي تظهره نتائج الدراسات الاستقصائية السنوية التي يتم نشرها تحت رعاية اللجنة الاستشارية الوطنية لحقوق الإنسان، والتي تقيس تطورات الرأي؛ وبالتالي التحيزات العنصرية. أما بالنسبة للتمييز في حد ذاته، فعلينا أن نعرف المزيد عن آراء الأشخاص الذين يتعرضون له. ولذلك، فإن الدراسة الاستقصائية الموسعة التي يقوم بها المعهد القومي للدراسات الديموغرافية والمعهد القومي للإحصاء والدراسات الاقتصادية حاليًا بشأن التمييز ومساراته وأصوله تتناول أحفاد المهاجرين.

من الناحية العملية.. ما المجالات التي يتجسّد فيها هذا التمييز؟ وما المثال الأبرز على ذلك؟

يتمثل المثال الأقوى في أن المرأة المحجبة تواجه الآن صعوبات أكبر في العثور على عمل في فرنسا، ولا يقتصر الأمر على الوظائف العامة التي تخضع للقانون بشكل حيادي؛ بل يمتد هذا التمييز إلى جميع المهن تقريبًا. هؤلاء النساء اللاتي يدّعين أنهنّ يدافعن عن حريتهن، هُنّ في الواقع مستبعدات من سوق العمل، باستثناء الوظائف في مجال الرعاية، كرعاية الأطفال أو المسنين. ومن واقع النتائج، يتضح أن رفض الحجاب من باب الدفاع عن الحقوق النسائية.

من المفارقات أيضًا أنه بينما تركز وسائل الإعلام بشكل كبير على الإسلام أو المسلمين، فإنه قلّما يتم إتاحة الفرصة لسماع أصوات المعنيين الرئيسيين حول هذه المسألة، ولاسيما المحجبات؟

لقد تم التصويت في عام 2004 على قانون بشأن النساء المحجبات دون الاستماع لأصواتهن، وذلك مع القانون الخاص بحظر ارتداء الشارات الدينية الظاهرة في المؤسسات المدرسية العامة، ولكن هذا الأمر بصدد التغيير حاليًا لأن الناس يتحدثون كثيرًا عن المسلمين ولا أحد يستمع إليهم. ومع ذلك، فإن أصوات الأقليات بصفة عامة وكذلك ضحايا الإسلاموفوبيا، باتت تحظى بالاهتمام بشكل متزايد؛ لأن هذا ليس مجرد موضوع عنصري؛ بل بات موضوعًا سياسيًّا، سواء قبلنا بذلك أم لا.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق