بروجيكت سنديكيت| لماذا تثور المدن الغنية؟


٢٤ أكتوبر ٢٠١٩ - ١٢:٥٢ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد

اندلعت الاحتجاجات والاضطراب في مدن ثلاث تعد من المدن الأكثر ثراءً في العالم هذا العام؛ فقد واجهت باريس موجات من الاحتجاجات وأعمال الشغب منذ نوفمبر 2018، وذلك بعد وقت قصير من رفع الرئيس إيمانويل ماكرون للضرائب على الوقود، فيما تشهد هونج كونج انتفاضة منذ شهر مارس الماضي، بعد أن اقترحت الرئيسة التنفيذية "كاري لام" قانونًا يسمح بتسليم المطلوبين إلى الصين. وأخيرًا انفجرت سانتياجو بأعمال الشغب هذا الشهر بعد أن أمر الرئيس "سيباستيان بينيرا" برفع أسعار تذاكر المترو. إن كل احتجاج له عوامله المحلية الخاصة به، لكنهم، مجتمعون، يخبروننا بقصة أكبر عما يمكن أن يحدث عندما يجتمع الإحساس بالظلم، مع تصور واسع النطاق لتدني مستوى الحراك المجتمعي.

وحسب المقياس التقليدي لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، تُعدّ المدن الثلاث نماذج مثالية للنجاح الاقتصادي، حيث يبلغ دخل الفرد نحو 40 ألف دولار في هونج كونج وأكثر من 60 ألف دولار في باريس، وحوالي 18 ألف دولار في سانتياجو، التي تُعد واحدة من أغنى المدن في أمريكا اللاتينية. في تقرير التنافسية العالمي لعام 2019 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، تحتل هونج كونج المرتبة الثالثة، وفرنسا الـ15، وتشيلي الـ33 (وهي الأفضل في أمريكا اللاتينية بفارق كبير).

مع هذا، في حين أن هذه الدول غنية وتنافسية حسب المعايير التقليدية، غير أن شعوبها غير راضية عن الجوانب الأساسية للمعيشة، ووفقًا لمؤشر السعادة العالمي لعام 2019، يشعر مواطنو هونج كونج وفرنسا وتشيلي بأن جوانب مهمة من حياتهم باتت متعثرة.

كل عام، يسأل استطلاع جالوب للرأي الأفراد حول العالم: "هل أنت راض عن حريتك لاختيار ما تريد فعله في حياتك أم غير راض؟" في حين أن هونج كونج تأتي في المرتبة التاسعة عالميًا في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، تحتل مرتبة أقل بكثير (وهي الـ66) في التصور العام عن الحرية الشخصية لاختيار مسار الحياة. ونفس التفاوت واضح في فرنسا (الـ25 في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لكن الـ69 في حرية الاختيار) وتشيلي (الـ48 والـ98، على الترتيب).

ومن المفارقات، تصنف مؤسسة Heritage وجامعة سايمون فريزر، هونج كونج على أنها تمتلك أعلى حرية اقتصادية في العالم كله، بيد أن سكانها يائسون من حريتهم لاختيار ما يريدون فعله في حياتهم. وفي الدول الثلاث، شباب الحضر الذي لم يُولد في الثراء، يبدو يائسًا في العثور على سكن ميسور التكلفة ووظيفة لائقة، هذا فضلًا عن أن أسعار العقارات في هونج كونج بالنسبة لمتوسط الرواتب تعد ضمن الأعلى في العالم. وتمتلك تشيلي أعلى عدم مساواة في الدخل في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تضم الدول مرتفعة الدخل. وفي فرنسا، يمتلك أبناء عائلات النخبة مزايا واسعة في مسار حياتهم.

وبسبب أسعار المساكن المرتفعة للغاية، يبتعد معظم الناس عن الأحياء التجارية المركزية ويعتمدون على المركبات الشخصية أو المواصلات العامة من أجل الذهاب للعمل. ولذلك ربما يصبح معظم الشعب حساسًا على نحو خاص للتغييرات في أسعار المواصلات، مثلما ظهر في اندلاع الاحتجاجات في باريس وسانتياجو.

إن هونج كونج وفرنسا وتشيلي ليسوا وحدهم من يواجهون أزمة في الحراك الاجتماعي والمظالم بسبب عدم المساواة، حيث تشهد الولايات المتحدة معدلات انتحار مرتفعة وعلامات أخرى على البؤس الاجتماعي، مثل إطلاق النار الجماعي، في وقت يشهد عدم مساواة غير مسبوقة وانهيار في ثقة الشعب في الحكومة، وسوف تشهد الولايات المتحدة بالتأكيد المزيد من الانفجارات الاجتماعية إذا استمرت تلك السياسة والاقتصاد على النحو المعتاد.

وإذا كنا نريد منع تلك النتيجة، يجب أن نتعلم بعض الدروس من الثلاث حالات الأخيرة، فقد صُدمت حكوماتهم من تلك الاحتجاجات، وفشلوا - بسبب فقدان التواصل مع الرأي العام - في التنبؤ بأن إجراءً سياسيًّا متواضعًا كما يبدو (مشروع قانون تسليم المطلوبين في هونج كونج، وزيادة ضرائب الوقود في فرنسا، ورفع أسعار المترو في تشيلي) سيثير انفجارًا اجتماعيًّا ضخمًا.

ولعلّ الأكثر أهمية والأقل إثارة للمفاجأة، هو أن المقاييس الاقتصادية التقليدية للرفاهية غير كافية لقياس المشاعر الحقيقية للشعب، حيث يقيس نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي متوسط الدخل في اقتصاد ما لكنه لا يقول شيئًا عن توزيعه، أو تصورات الناس عن العدالة أو الظلم أو الإحساس العام بالضعف المالي، أو الظروف الأخرى (مثل الثقة في الحكومة) التي تلقي بثقلها على الجودة الكلية للحياة، ولا تعكس التصنيفات أو المؤشرات العالمية، مثل مؤشر التنافسية العالمي، ومؤشر الحرية الاقتصادية، الكثير عن إحساس العامة بالعدالة وحرية الاختيار وصدق الحكومة وجدارة المواطنين الآخرين بالثقة.

ومن أجل معرفة تلك المشاعر، من الضروري سؤال العامة مباشرة عن رضاهم عن الحياة، وإحساسهم بالحرية الشخصية، وثقتهم في الحكومة وأبناء وطنهم، وعن الأبعاد الأخرى للحياة الاجتماعية التي تؤثر بشدة في جودة الحياة؛ وبالتالي في فرص الانتفاضة الاجتماعية؛ وهذا هو النهج الذي تتبعه استطلاعات جالوب السنوية عن الرفاهية.

إن فكرة التنمية المستدامة، المنعكسة في أهدافها الـ17 التي تبنتها حكومات العالم في 2015، هي تجاوز المؤشرات التقليدية، مثل نمو الناتج المحلي الإجمالي ودخْل الفرد، إلى مجموعة أكثر ثراءً من الأهداف، من ضمنها العدالة الاجتماعية والثقة والاستدامة البيئية. وتوجه أهداف التنمية المستدامة، على سبيل المثال، اهتمامًا خاصًا، ليس فقط لعدم المساواة في الدخل (الهدف رقم 10)؛ بل أيضًا لمقاييس الرفاهية الأوسع (هدف رقم 3).

كما يتوجب على كل مجتمع أن يجس نبض أفراده ويهتم جيدًا بمصادر البؤس الاجتماعي وعدم الثقة. إن النمو الاقتصادي من دون عدالة واستدامة بيئية هو وصف للاضطراب وليس للرفاهية، ونحن سنحتاج بلا شك لتوفير الخدمات العامة بقدر أكبر، والمزيد من إعادة توزيع الدخل من الأثرياء إلى الفقراء، وكذلك المزيد من الاستثمار العام لتحقيق الاستدامة البيئية. وحتى السياسات التي تبدو معقولة، مثل إنهاء دعم الوقود أو رفع أسعار المترو لتغطية التكاليف، ستؤدي إلى انتفاضات ضخمة إذا طُبقت في ظل ظروف الثقة الاجتماعية المنخفضة، وعدم المساواة المرتفعة، والإحساس المشترك بالظلم. 


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق