ذا هيل| سياسات أمريكا الخارجية المزدوجة تتضارب


٠٩ نوفمبر ٢٠١٩ - ٠٧:١٤ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد

إن إجراءات مساءلة الرئيس ترامب تُعدّ الأولى في التاريخ الأمريكي التي تدور الاتهامات فيها حول السياسة الخارجية، وسوف تنعكس أصداء الأمور التي سيكشفها التحقيق على تلك السياسة ككل، وبالتحديد ستؤثر على أوكرانيا ومنطقة وسط وشرق أوروبا التي تبقى مُعرضة للهجمات الروسية.

لقد كشفت فضيحة واشنطن أنه تحت رئاسة ترامب، اتبعت الولايات المتحدة سياسة خارجية مزدوجة، وأُثير الشك في ذلك منذ تولى ترامب المنصب عندما مدح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونفى تدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية، وسعى لتطبيع العلاقات مع الكرملين من أجل عقد صفقات مع خصم أمريكا اللدود.

في الوقت نفسه، تجاهل الكونجرس بالإجماع وفريق ترامب المعني بالأمن القومي، رغم التغيير المستمر للقيادات، الرئيس، وأبقوا على العقوبات الاقتصادية على موسكو، ومضوا قدمًا في التواجد العسكري المعزّز على طول الجبهة الشرقية للناتو ودعموا توسيع الناتو أكثر. وعلى الرغم من تغييرات الموظفين في وزارتي الدفاع والخارجية ومجلس الأمن القومي، أثبتت هذه السياسة أنها إيجابية ومتماسكة.

هذه السياسات الخارجية المتوازية يمكن أن تتواجد معًا عندما لا يسعى ترامب ومستشاروه المقربون إلى أهداف مختلفة أو عندما كان الرئيس مشتتًا ومنشغلًا بالسياسات الداخلية وقدّم ببساطة دعمًا شفهيًّا لبوتين. لكن سياستي واشنطن تضاربتا علنًا في أوكرانيا، بسبب إساءة استخدام المساعدة العسكرية التي جرى التعهد بتقديمها إلى كييف، وهو الحافز وراء التحقيق بهدف العزل.

إن جهد ترامب المزعوم للضغط على كييف لكي تُجري تحقيقًا مع منافسه السياسي الرئيسي، نائب الرئيس السابق جو بايدن، حول مزاعم فساد في أوكرانيا، شمل منع المساعدة العسكرية التي قررها الكونجرس، فيما تبحث لجان الكونجرس بنشاط عن أدلة لتأكيد ما أشار إليه بالفعل عدة مسئولين، وسيركز التحقيق على ما إذا كان الرئيس استغل سلطاته الرئاسية لرشوة أو ابتزاز حكومة أجنبية لكي يحقّق منفعة شخصية في انتخابات 2020.

وسيكون لهذا التحقيق تأثير سلبي على حلفاء وشركاء أمريكا بأربع طرق على الأقل. أولًا، ربما يصبح القادة الحلفاء أكثر تحفظًا في التحدث علنًا مع ترامب، خاصة عبر الهاتف، وعقد اتفاقيات مع واشنطن في حالة أن المحادثات يُعلن عنها فيما بعد ويجري التحقيق فيها.

ثانيًا، سوف يتساءل حلفاء وشركاء الناتو عما إذا كان الرئيس سيضغط عليهم أو على حكومات أخرى. هذا قد يعزّز عدم الثقة والشك، ليس فقط تجاه الولايات المتحدة بل بين بعض الحكومات المعنية.

ثالثًا، قد تصبح عدة دول قلقة من تماسك الناتو نفسه وتشكّك في التزامات أمريكا الدائمة تجاه الحلف، ومن المرجح أن يستنتجوا أن الرئيس الأمريكي يمكن أن يعلّق من جانب واحد قرار سياسي رئيسي ينطوي على تهديدات وجودية لأية دولة حتى على الرغم من حصوله على إجماع من الحزبين في الكونجرس.

ورابعًا، سوف تزداد الشكوك في أوروبا الشرقية في أن البيت الأبيض قد يكون اشترك أيضًا في صفقات مع الكرملين من دون علم حلفاء وشركاء الناتو، بما يضر مصالحهم القومية والأمنية.

ومن الواضح أن عملية المساءلة بهدف العزل سوف تُنشّط طموحات موسكو. لقد حسب بوتين أن رئاسة ترامب ستكون نافعة لروسيا وشعر بالإحباط لأن الرئيس لا يستطيع تحقيق هدف الكرملين الرئيسي، وهو رفع العقوبات الاقتصادية والمالية القاسية على النخبة الروسية وشركات الدولة المشاركة في الحرب الدائرة على أوكرانيا. هذا التضارب بين السياسات الأمريكية سوف يغري موسكو للبحث عن المزيد من نقاط الضعف والانقسامات بين صُناع السياسة الأمريكية.

سوف يضخّم الكرملين أيضًا المعلومات المُضللة بأن أوكرانيا وليست روسيا هي من تدخلت في انتخابات 2016 لكي تساعد الديمقراطيين، وهذه الرواية تُبرز بعض نظريات المؤامرة المُصممة للدفاع عن ترامب وتحسين صورة بوتين، وإذا جرى تقبلها على نطاق واسع، يمكن لهذه التصورات أن تمنح ذريعة للبيت الأبيض في دفع كييف للتخلي عن القرم إلى روسيا وتسمح للمتمردين الوكلاء في منطقة دونباس بكسب "مكانة خاصة" وتمنع اندماج أوكرانيا مع الغرب.

وهكذا يمكن وصف هذه "التسوية السلمية" بأنها نجاح كبير للسياسة الخارجية من أجل تبرير رفع العقوبات عن روسيا، وتستطيع موسكو الانخراط في نفس الوقت في عمليات خداع مع حلفاء وشركاء ناتو آخرين لكي تقوّض علاقتهم مع واشنطن.

لقد خذل الرئيس أوباما أوكرانيا وشجع موسكو دون قصد عن طريق منع المساعدة العسكرية اللازمة مباشرة عقب الغزو الروسي في 2014، في حين تداركت إدارة ترامب والكونجرس هذا الضرر لشريك الناتو. لكن إذا استنتج الكونجرس أن البيت الأبيض تحت حكم ترامب كان مستعدًا لتقويض أمن شريك في الناتو مُعرّض للخطر من أجل المساعدة في صراع سياسي داخلي، سوف يسرّع هذا هجمات موسكو على الديمقراطية الأمريكية، وعن طريق تقديم معلومات مُضللة عن مرشحين رئاسيين مختارين، يمكن أن يفاقم الكرملين الصراعات السياسية في واشنطن ويُضعف حلف الناتو دون إطلاق رصاصة واحدة.  

   


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات رؤية ترجمات

اضف تعليق