الصحافة الفرنسية | توغل أنقرة في شمال سوريا سيؤدي لكوارث.. وهل نجحت استراتيجية روسيا في الشرق الأوسط؟


٠٩ نوفمبر ٢٠١٩ - ١٠:٥٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - محمد شما


استراتيجية روسيا السرية التي حققت زعامتها في الشرق الأوسط

كيف تمكنت روسيا من التفوق على الولايات المتحدة وأوروبا في تقرير مصير سوريا والشرق الأوسط؟ في هذا السياق، ستعرض موقع جريدة هوفينتون بوست – فرنسا الإجابة التساؤل السابق، ففي تسعينيات القرن الماضي، وبعد 50 عامًا من الوجود في العالم العربي، انسحبت موسكو من سوريا وغادرت الشرق الأوسط في فترة نقاهة لم تدم طويلا. وفي وقت مبكر من العام 2012، استغل الروس الحرب الأهلية السورية من أجل العودة إلى المنطقة، وسرعان ما أصبحوا الفاعل الرئيس فيها بحلول عام 2019.

كيف يمكن إذًا تفسير أن دولة ذات ناتج محلي إجمالي أدنى من إيطاليا، وجيش أقل تجهيزًا، واقتصاد منكوب بالكوارث، تمكنت في غضون سبع سنوات من السيطرة على أطراف اللعبة في الشرق الأوسط، في حين عجزت كل من أوروبا والولايات المتحدة، بما يملكانه من تفوق اقتصادي، عن القيام بذلك؟

حفل تدمر

في مايو 2015، دخل مقاتلو داعش مدينة تدمر القديمة، وتوقع الأوروبيون حدوث الأسوأ من هول ما شاهدوه على شاشات التلفاز من تنفيذ إرهابيي داعش لعمليات إعدام علنية في المسرح القديم بالمدينة، وقطع رأس مدير الآثار في المدينة بعد تعذيبه، وتدمير الآثار المتبقية. وفي مارس 2016، وبفضل القصف الروسي، استعادت القوات الحكومية السيطرة على تدمر الملقبة بـ"ملكة الشرق". وبعد ثلاثة أشهر، قامت أوركسترا مارينسكي بعزف مقطوعات لباخ وبروكوفييف وششيدرين وسط الأنقاض القديمة في حفل بثه التلفزيون الروسي، حيث كانت الرسالة واضحة مفادها: أن "روما الثالثة" في طريقها للعودة، وأن روسيا هي الضامن للحضارة والحصن الأخير ضد الفوضى والهمجية والإرهاب الإسلامي والتدهور الأخلاقي في أوروبا.

اتفاق سوتشي

وفي التاسع من أكتوبر الماضي، وعقب إعلان ترامب انسحاب الولايات المتحدة، عَبَرَ الأتراك الحدود باتجاه سوريا لطرد قوات سوريا الديمقراطية. وبعد بضعة أيام، أعلن الأكراد التوصل لاتفاق مع الأسد تم بموجبه إرسال فرقتين حكوميتين إلى مناطق القتال، وعندها وجد أردوغان نفسه عالقًا والتقى الرئيس بوتين في سوتشي، وتم التوصل إلى اتفاق مؤقت يحصل بموجبه الرئيس التركي على الشريط الأمني الحدودي، وتقوم الدوريات التركية والروسية المشتركة بمراقبته، وينسحب الأكراد بضعة كيلومترات إلى الداخل. وبعد يومين من هذا الاتفاق، كثفت الطائرات الروسية قصفها لمواقع الفصائل المتمردة في إدلب التي كان الاستيلاء عليها أحد أولويات النظام في دمشق.

تقسيم دمشق

لقد بدأ كل شيء في عام 2011 مع انطلاق شررة الربيع العربي وبداية الحرب الأهلية في سوريا، وسرعان ما تبين أن اللعبة لن تكون سهلة بالنسبة لنظام الأسد العلوي. وفي يونيو 2012، انتقل الروس إلى قاعدة طرطوس البحرية، وقدموا المشورة للحكومة وراقبوا الوضع. ولكن في سبتمبر 2015، كان نظام الأسد على شفا الانهيار وبات القضاء على دمشق سهلًا. لقد كانت الدولة على وشك الغرق في الفوضى بكل ما تحمله من عواقب يمكن تصورها على أوروبا، وبالإضافة إلى القاعدة البحرية في طرطوس، بدأت القوات الجوية الروسية بالتمركز في قاعدة "حميميم"، حيث أقلعت قاذفات القنابل والمقاتلات لقصف مواقع المتمردين. وتعد استراتيجية بوتين في غاية البساطة وهي: ضمان بقاء النظام السوري قبل كل شيء، وصد الفصائل المعادية للأسد بهدف تطهير الجيش السوري، المحاصر من جميع الأطراف. وبعد نجاحها في تحقيق هذه المهمة في ربيع عام 2016، فرضت موسكو نفسها كضامن دائم لاستقرار النظام واستدامته على الأرض في قلب هذه المنطقة، وفي أقل من سبع سنوات؛ بات الكرملين يلعب دور الحكم في الشرق الأوسط.

المشروع الروسي

لا تمتلك موسكو هدفًا استراتيجيًّا واحدًا في المنطقة، بل لديها الكثير من الأهداف. أولًا، تأكيد السلطة الروسية بعد الإذلال التاريخي الذي حدث بانهيار الاتحاد السوفيتي، ولكي يتحقق هذا الأمر، توجب على روسيا معارضة الهيمنة الأمريكية، وتمتلك موسكو قناعة بأنه إذا ما تُرك الحبل على الغارب للأمريكيين، فسيسقط جميع القادة الذين لا يناسبونهم، ولن يترددوا في إعادة تشكيل خرائط البلدان التي يغزونها؛ لذا توجب على روسيا أن تكون حاضرة في المشهد؛ وأفضل طريقة لتحقيق هذا الأمر تكون بإحباط مشاريعهم واحتلالهم وتشتيتهم من أجل السماح للقيصر الجديد "بوتين" باستعادة النفوذ في منطقة نفوذه التاريخية.

هاجس أردوغان الأمني في مواجهة الأكراد

وأبرزت جريدة "لوتومب" السويسرية ما أكدته إحسان كورت، الخبيرة التركية والصحفية السابقة من أصل كردي، من أن الاحتلال التركي لشمال سوريا لن يؤدي فقط إلى عودة مقاتلي داعش؛ بل سيقود المنطقة إلى أزمة سياسية وإنسانية كبرى.

فبعد إبادة الأرمن والآشوريين - الكلدانيين في عامي 1914و1915 إثر مطالباتهم بالاستقلالية، أصبحت المشكلة الكردية تمثل شوكة في ظهر الجمهورية التركية الوحدوية؛ حيث تعتبر أنقرة الأكراد (الذين يمثلون 24 في المائة من سكان سوريا) شعبًا ينبغي السيطرة عليه؛ وإلا إبادتهم بالقوة. فمنذ إنشاء الجمهورية التركية في عام 1923، وحتى الآن، تم وصف جميع مطالباتهم بأنها إرهابية، وتجاهل طابعها السياسي، سواء كان استقلاليًّا أو فيدراليًّا أو مدنيًّا. لقد اعتبرت حكومات أنقرة المتعاقبة جميع هذه المطالب السياسية قضية أمن قومي، وكذلك الأمر بالنسبة لكردستان الإيرانية والعراقية والسورية، حيث شنت عمليات عسكرية بكل تلك المناطق، هذا الإنكار وهذا الهاجس الأمني يضعف الدولة التركية اقتصاديًّا وسياسيًّا.

أزمة ثقة

وفي أوائل عام 2003، عندما تدخلت الولايات المتحدة وحلفاؤها في العراق، عارضت تركيا هذا التدخل، في تحدٍّ واضح لخطة واشنطن الرامية إلى بناء نظام عراقي فيدرالي، ورفضت أنقرة السماح للأمريكيين باستخدام قاعدة اينسيرليك العسكرية المهمة استراتيجيًّا في جنوب تركيا، ولا بنشر قواتهم داخل أراضيها، الأمر الذي تسبب في وجود أزمة ثقة بين هذين الحليفين الاستراتيجيين؛ ولذا تم حرمان تركيا من المشاركة في المفاوضات بعد سقوط نظام صدام حسين، وبهذا تقوم أنقرة بتخريب النظام العراقي الفيدرالي الجديد الذي من شأنه أن يمنح الأكراد الاستقلالية في أراضيهم. ومتعللة بمكافحة الإرهاب، تشن أنقرة عمليات ضد حزب العمال الكردستاني وتقوم بتحركات شبه عسكرية ضد القادة الأكراد العراقيين.

لقد تعلمت تركيا الدروس المستفادة من سياساتها تجاه العراق؛ فعندما اندلعت الحرب الأهلية في سوريا في أبريل 2011، لم تتردد تركيا في التواجد على الأرض في ظل الحرب بالوكالة المحتدمة على الأراضي السورية، ولا سيما في المناطق الشمالية من البلاد. كما دعمت أنقرة عسكريًّا وسياسيًّا الجماعات الإسلامية السنية المتطرفة الموالية لتنظيم القاعدة وداعش والمناهضة لبشار الأسد؛ وها هي تقوم الآن بدعم المليشيات التي شكّلها الجيش الوطني والتي تقود عملية إنهاء الإدارة المستقلة متعددة الثقافات في كردستان السورية.

الطموح العثماني الجديد

وينظر الأتراك المناهضون للحرب في سوريا والدول العربية كذلك إلى العملية التركية في كردستان على أنها تمثل الطموح العثماني الجديد للتحالف القائم بين رجب طيب أردوغان الإسلامي، وديفليه باهشيلي القومي، حيث وصفت جامعة الدول العربية التدخل التركي بأنه "احتلال لأراضي دولة عربية وانتهاك لسيادتها". وتعد بلدة عفرين الكردية المحتلة منذ فبراير 2018 أبرز مثال على هذا الأمر، حيث غيرت تركيا التركيبة السكانية لهذه المنطقة وأحلّت العرب بدلًا من الأكراد، وأنشأت إدارات تركية، كالتعليم والخدمات المصرفية ومكاتب البريد والجامعات وغيرها.. حتى بات كل شيء يتحدث التركية.

وبدلًا من السعي لوضع استراتيجية سياسية للاحتلال الاستعماري في سوريا والعراق، على تركيا أن تستجيب أولًا للمطالب الثقافية والسياسية للشعب الكردي، الذي يبلغ تعداده نحو 20 مليون نسمة يعانون من عدم الاعتراف بأي حق من حقوقهم. وجدير بالذكر أن السجون التركية تعج بنحو عشرة آلاف سجين كردي، بمن فيهم الزعماء الأكراد المنتخَبون والذين تمت إدانتهم بالإرهاب أو الترويج له بعد محاكمات شكلية وصورية.

واليوم، يتحمل العالم المتحضر المسئولية السياسية والأدبية عن حماية الأكراد ومن حالفوهم في التصدي لداعش، ولذلك فإن من الضروري إنشاء "منطقة حظر جوي" في الشمال السوري، وتقديم المساعدات الإنسانية، ونشر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة هناك لحماية السكان المدنيين.


الربيع العربي الثاني يختلف عن الأول

من جانبه، اعتبر موقع "فرانس انتر" الإخباري أنه مع تواصل الاحتجاجات في لبنان، وبالنظر إلى حركات الاحتجاج الأخرى في الجزائر والعراق وغيرها من الدول العربية، يمكن ملاحظة أوجه التشابه مع "الربيع العربي" الذي بدأ في عام 2011، لكن المظاهر خادعة وهناك أيضًا العديد من أوجه الاختلاف بينهما.

إن ثمة مطلب في كل هذه الاحتجاجات يطغى على كافة المطالب الأخرى، وهو: التنديد بالفساد الذي يرى المتظاهرون أنه أصبح غير محتمل، هذا هو المطلب الذي يوحد لبنان ويتجاوز الطائفية والولاءات الحزبية.

التنديد بالفساد من لبنان إلى الجزائر ومرورًا بالعراق

يعاني العراق الأمر نفسه، حيث يتخذ المتظاهرون عبارة: "ليذهب الفاسدون" شعارًا رئيسيًّا لهم. لقد بلغت قيمة الأموال العامة المنهوبة في البلاد، وفقًا للأرقام الرسمية، نحو أربعمائة مليار دولار. ومرة أخرى، الفساد من ناحية، والبطالة والفقر من ناحية أخرى.

هل الجيل الجزائري الحالي هو جيل الثورة؟

لنفس السبب نزل الجزائريون إلى الشوارع منذ عدة أشهر يهتفون "لصوص". إنه الشعور بأن النخبة الفاسدة تصعد على ظهور الفقراء، ونفس الشيء، في تونس التي ربح فيها مؤخرًا المجهول "قيس سعيد" بالانتخابات الرئاسية، فقط لأنه يرتدي صورة "الرجل النظيف". لقد كان التنديد بالفساد موجودًا كذلك عندما بدأ الربيع العربي قبل ثمان سنوات، غير أنه لم يكن ذا أولوية، بل كان السعي إلى الحرية هو الهدف المطلق.

رفض النظام بأشخاصه

ولا يزال عدم الرضا قائمًا منذ اندلاع ثورات الربيع العربي منذ ثماني سنوات، بيد أن السخط بات أكثر شمولًا هذه المرة. فقبل ثماني سنوات، كان الرفض للقادة الذين احتكروا السلطة لعقود حتى أصبحوا رموزًا للسلطوية والاستئثار بالسلطة. أما الآن فالتنديد لا يتعلق بالأشخاص؛ بل بكل شيء وبالنظام السياسي برمته؛ وهذا هو الفرق. لقد كان الجزائريون هم أول من انتقدوا النظام وما زالوا يواصلون انتقاده؛ ذلك النظام الذي استأثر فيه الجيش وجبهة التحرير الوطني بمواقع السلطة، مع أحزاب إما عميلة وإما غائبة.

واليوم يردد اللبنانيون نفس الشيء؛ فهم لم يعودوا يحتملون النظام بأكمله، ومصادرة مجموعة من قادة المليشيات السابقين الذين أصبحوا رجال أعمال، للسلطة والمال، وسيطرة نفس الوجوه على الدولة منذ ثلاثين عامًا أمثال: عون وبري وجنبلاط...إلخ. جميعهم في السبعينيات أو الثمانينيات من العمر، تمامًا كما في الجزائر. ووراء هذا الرفض للنظام الذي يتجاوز بكثير القادة الذين يجسدونه الشباب في المقام الأول، هؤلاء الشباب كانوا لا يزالون في مرحلة الطفولة أو المراهقة قبل ثماني سنوات، ونظرا للهرم العمري في العالم العربي، يحدث التطور بشكل سريع جدًّا، ويندد هؤلاء الشاب بالمجتمع المتجمد والأحزاب الصدئة.

ولا شك أن نضج الحركات الاحتجاجية الجديدة في العالم العربي يعد جديرًا بالملاحظة والنظر؛ ما يجعل هذه اللحظة محيرة بقدر ما هي مثيرة، ومن جديد يقف التاريخ حائرًا في المغرب العربي، تمامًا كما في الشرق الأدنى والأوسط.

 مساعدة لبنان على الخروج من أزمته أمرٌ ملحٌّ بالنسبة لفرنسا

واستعرضت جريدة "ماريان" الفرنسية وجهة نظر "سيباستيان بوسسو"، الحاصل على دكتوراه العلوم السياسية، والباحث في العلاقات الأوروبية - العربية وشئون الشرق الأوسط والإرهاب، حول الأوضاع في لبنان، حيث يرى أن الثورة اللبنانية تتشابه مع ثورات الربيع العربي الأخرى من حيث الارتباط الوثيق بالأزمتين الاقتصادية والاجتماعية.

ويعد ما يشهده لبنان الآن أحد أعراض ما يجري منذ عقود في العالم العربي بديموقراطياته وديكتاتورياته على حدٍّ سواء؛ فالثورات التي سببها الجوع هي الأصل في كل شيء، وسوف تعصف بكل شيء. ويمر لبنان بأزمة اقتصادية عميقة منذ سنوات، إن لم يكن عقود، بسبب مجاورته لبلدان غير مستقرة واستيعابه لملايين اللاجئين منذ إنشائه في عام 1943. وبالرغم من نجاح لبنان في تحقيق الديمقراطية المستندة إلى نظام طائفي تم ترسيخه منذ عهد الانتداب الفرنسي، غير أنه أخفق في تحقيق الرخاء للجميع والنمو الاقتصادي بما يكفي لضمان استقراره عند الأزمات.

ثورات متعددة والهدف واحد

وبالنظر إلى معدلات البطالة ندرك أن مستقبل دول الشرق الأوسط في خطر. فعلى الرغم من تباين أنظمة الحكم فيها، إلا أن القاسم المشترك الأكبر بينها هو تلك الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة، والتي تعاني منها الشعوب، وإذا أخذنا في الاعتبار معدل البطالة في صفوف الشباب بدول حوض البحر الأبيض المتوسط، بمن فيهم الأكثر تعليمًا؛ نجد أن مستقبل هذه البلدان بأكمله في خطر، وهذا المأزق الإنساني لا يمكن أن يؤدي إلا إلى الانفجار.

لقد ظل لبنان هادئًا نسبيًّا خلال ما شهدته المنطقة من أزمات سياسية، لكن ما يحدث اليوم من احتجاجات بسبب مشروع فرض الضرائب على تطبيق واتساب، بات من أهم الأحداث في تاريخ البلاد. وبالطبع نتذكر ما حدث في تونس عندما أضرم الشاب محمد البوعزيزي النار في نفسه بسبب اضطهاد الشرطة له، وكانت النتيجة اندلاع الثورة والإطاحة بالرئيس بن علي، وظهور حقبة جديدة منذ ذلك الحين. إن القصة العظيمة تبدأ دائمًا بلقطات صغيرة.

ويعدّ ما يطالب به اللبنانيون اليوم هو نفسه ما طالب به التونسيون والمصريون بالأمس؛ إنه الخبز. وبالطبع فهم يطالبون أيضًا بتحقيق الانتعاش الاقتصادي الحقيقي، والتخلص من الدَّين العام، وتحقيق النمو لجميع اللبنانيين الذين يعانون بشكل يومي. فمن دون الازدهار الاقتصادي أو الأمل في الانتعاش على الأقل، لن تجد الأنظمة الاستبدادية التي تصادر الحريات شخصًا ليدعمها. كما يطالب اللبنانيون مثلهم مثل غيرهم بالقضاء على الفساد، وعلى العكس مما شهدته العديد من البلدان العربية في المنطقة من تأييد الحركات الإسلامية لمطالب المتظاهرين، يبدو أن المطالبات طالت حزب الله وحركة أمل، وأن أحدًا لن يكون في مأمن في هذه البلاد. لقد عادت الجغرافيا السياسية إلى قلب القضايا المحلية.

ويمكننا أن نرى بوضوح حالة الفصام في حرب الأعصاب بالوكالة التي تدور على أرض المعركة الجيوسياسية التي هي لبنان. وأول الضحايا هم بالطبع اللبنانيون الذين يعانون مما يحدث على مستوى قمة الدولة. أما ما يسعى اللبنانيون إليه فهو إنهاء اقتصاد الحرب وكذلك الحرب الأمنية التي تسود البلاد منذ سنوات، تلك السنوات التي كان يسمى خلالها لبنان بسويسرا الشرق الأوسط، وبينما ترفع الاحتجاجات شعارًا ضد زيادة الضرائب وضد الفساد، إلا أننا نعلم جيدًا أن السبب وراء الاحتجاجات أعمق بكثير وهو: التشكيك في طبيعة اقتصاد الدولة الذي يصبّ في تحقيق المصالح الشخصية على حساب المواطن.

إن ما يشهده لبنان، وما شهدته الكثير من البلدان المجاورة كذلك، يبرهن على أن ثمة ما يسمى بمواطن البحر الأبيض المتوسط آخذة في الظهور بشكل بطيء. ولكن إذا ما انهار ذلك الأمر، فستندلع حرب كبيرة أخرى وسيتدفق الملايين من اللاجئين إلى أراضينا؛ لذا فإن مساعدة لبنان على الخروج من أزمته بات أمرًا مُلحًا بالنسبة لنا جميعًا.


تطرف الشعبويين المعتدلين وراء مشكلة اليمين المتطرف بفرنسا

في ظل ما تشهده فرنسا حاليًا من استهداف إرهاب اليمين المتطرف للمساجد، وبعد الهجوم على مسجد بايون، نشرت صحيفة "ليكبريس" حوارًا قدّم من خلاله المؤرخ الفرنسي المتخصص في تاريخ اليمين المتطرف، السيد نيكولا لوبور، تحليلًا للخطر الذي يحمله اليمين المتطرف، وأكد أننا نشهد تغيرًا في الهيئة العامة للمتطرفين. ويثير الهجوم الذي استهدف مسجدين في مدينة "بايون" الفرنسية وأدى إلى جرح شخصين بجراح خطيرة، التساؤل في ظل تعدد هذا النوع من الهجمات عبر العالم، فماذا عن حجم التهديد الذي يحمله اليمين المتطرف في فرنسا؟ وإلى أهم ما جاء في الحوار:

صحيفة ليكبريس: هل تتزايد أعمال العنف التي تصدر عن أتباع اليمين المتطرف؟

نيكولا لوبور: يتوقف الفصل في هذا الأمر على المرجعية التي نستند إليها، وإذا ما نظرنا إلى التاريخ البعيد سنجد أن الجمهورية الخامسة شهدت فترات انفجار عنف اليمين المتطرف وفترات تراجع كذلك. وبالرغم من هذه الفترات المتباينة، يمكننا ملاحظة تصاعد في نشاط اليمين المتطرف منذ بداية ولاية فرانسوا هولاند. والسؤال الشاغل للسلطات هو: هل نحن أمام احتمالية بدء حقبة جديدة من إرهاب اليمين المتطرف؟

كيف يمكن تفسير التصاعد في نشاط اليمين المتطرف في السنوات الأخيرة؟

لقد أتاحت احتجاجات "التظاهر للجميع" التي حدثت بين عامي 2012 و2013، للعديد من جماعات اليمين المتطرف الفرصة لإعادة اكتشاف نفسها وضم ناشطين جدد. وبالرغم من ذلك، يتخذ العنف الذي تمارسه هذه الجماعات شكلًا من أشكال الشجار أو المواجهات مع قوات الأمن أو ناشطي اليسار. وبقياس مستوى هذا العنف نلاحظ أنه مستواه قد انخفض. هذا بالإضافة إلى أن مشكلة التطرف الإرهابي لا تزال قائمة ويعود تاريخها بكل وضوح إلى هجمات 13 نوفمبر 2015.   

هل ثمة أسباب أخرى تُفسِّر النشاط الإرهابي لليمين المتطرف؟

نعم هناك أسباب أخرى؛ كالهجمات التي تزامنت مع أزمة اللاجئين في عام 2015 التي نظرت إلى ما يحدث باعتباره مؤشرًا على إعلان الجهاد في أوروبا. وبالتالي فإن ما يحدث من أعمال تطرف تأتي في سياق الدفاع عن النفس؛ لأن أوروبا تشهد عملية تحول إلى الشرق، وستكون على شفا الأسلمة إذا لم تقاوم. وفي الواقع، وجد أعضاء "الجمعية الفرنسية للتقويم" أنفسهم على مسار مماثل لما يقوم به النازيون الأمريكيون الجدد، في حين أنهم ينتمون أصلًا إلى اليمين الكلاسيكي وينسبون أنفسهم إلى التيار الديجولي. إنهم لا يدركون انحرافهم الأيديولوجي الذي ينافي تمامًا توجه الجنرال ديجول؛ ولكنهم يقدمون أنفسهم على أنهم مقاومون، يقاتلون ضد الإسلام وضد المتواطئين الذين يرغبون في التفاهم مع هذا الدين؛ وبالتالي فإن المشكلة الحالية تنبع من تطرف الشعبويين المعتدلين ولا تنبع من العنف التقليدي للجماعات الفاشية أو النازية الجديدة.

كم عدد المنتمين لهذا التطرف اليميني النشط في فرنسا؟
 
لقد ظلت أعداد هؤلاء الأشخاص مستقرة إلى حد ما على مدار العقود القليلة الماضية، وذلك على الرغم من التغيرات الديموغرافية التي طرأت على السكان في فرنسا. وتشير التقارير الأخيرة لأجهزة الاستخبارات بأن عددهم يقدر بنحو ألفي إلى ثلاثة آلاف شخص. وبالمقارنة بعام 1958، حينما قدرت أجهزة الاستخبارات وجود سبعة آلاف وخمسمائة متطرف ينتمون لتيارات اليمين المتطرف في فرنسا؛ نلاحظ أن هذا العدد الكبير جدًّا الذي تزامن مع الحرب الجزائرية استقر عند حوالي ألفي شخص منذ عام 1968 وحتى الآن.

ما الحجم الحالي لخطر إرهاب اليمين المتطرف في فرنسا؟

ما زال الخطر ضعيفًا جدًّا إلى الآن، حيث أظهر تقرير لجنة تقصي الحقائق المعنية بالتهديدات الإرهابية بمجلس الشيوخ أن نسبة الأشخاص المسجونين على خلفية قضايا إرهاب اليمين المتطرف أقل بكثير عن نسبة المسجونين بتهم الإرهاب الإسلامي. فالتيار الجهادي لا يزال يمثل المشكلة الأكبر. أما الإشكالية التي تطرح نفسها الآن فتتمثل في تصاعد عنف اليمين المتطرف، حيث تلاحظ في الآونة الأخيرة زيادة حادة في أعمال العنف الرمزي، كالأعمال التي تستهدف المساجد، والمشكلة الحقيقية تكمن في احتمالية التحول إلى العنف البدني ضد الأشخاص.

كيف يمكن تفسير المخاوف من تطبيق نظرية الاستبدال العظيم؟

هذه موضوعات قديمة تناقلتها الأجيال المختلفة باليمين المتطرف. ففي تسعينيات القرن الماضي، توقع اليمين المتطرف اندلاع حرب عِرقية من شأنها أن تنهي الهجرة في فرنسا. وعلى أقل تقدير، يرى هؤلاء الأشخاص في هذا الهاجس إشارة إلى المواجهة القادمة. وبالرغم من أن الحديث عن استعمار أوروبا موجود منذ وقت طويل، غير أنه وجد أرضية جديدة للانتشار بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، والأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008، وأزمة اللاجئين في عام 2015.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات رؤية ترجمات

التعليقات

  1. متابع ١١ نوفمبر ٢٠١٩ - ٠٣:٢٣ م

    الشرق الاوسط له اهله وهم من امه كريمه عظيمه عربيه اسلاميه ولن يتم السماح لالروسيا ولا لغيرها ان تعبث وتلعب بامن الشرق الاوسط وتبنى استراتيجياتها على حساب امة العرب والمسلمين لاروسيا ولاغير ها اعتقد واضح الموقف

اضف تعليق