إيكونوميست | لماذا تشهد الكثير من البلاد احتجاجات جماعية؟


١١ نوفمبر ٢٠١٩ - ٠٣:٥١ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد

المصدر - إيكونوميست

بالنسبة إلى أي شخص يحاول متابعة حركة الاحتجاجات حول العالم، فمن الصعب عليه الاستمرار في مواكبة الأحداث. لقد حدثت مظاهرات ضخمة مناهضة للحكومات، بعضها سلمي والآخر عير ذلك، في الأسابيع الأخيرة بأماكن متفرقة في كل القارات: الجزائر، وبوليفيا، وبريطانيا، وكتالونيا، وتشيلي، والإكوادور، وفرنسا، وغينيا، وهاييتي، والهندوراس، وهونج كونج، والعراق، وكازاخستان، ولبنان وغيرها. وفي الأول من نوفمبر انضمت باكستان للقائمة مع نزول عشرات الآلاف من المحتجين إلى العاصمة، إسلام آباد، للمطالبة بتنحي رئيس الوزراء "عمران خان" في غضون 48 ساعة.

لم يشهد العالم مثل هذا الفيض المتزامن للغضب الشعبي في الشوارع منذ اجتياح موجة حركات "قوة الشعب" للبلاد الآسيوية والأوروبية الشرقية في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات. قبل ذلك، الاضطراب العالمي لأواخر الستينيات فقط هو ما يمكن مقارنته من ناحية عدد الدول التي شهدت احتجاجات وعدد الأشخاص الذين شاركوا فيها.

غير أنه في ذلك الوقت بدت موجتا الاضطراب العالمي أكثر تضافرًا من الفيض الحالي للحركات العشوائية وغير المترابطة. المحتجون في الكثير من البلاد المختلفة كان لديهم مظالم وأهداف متشابهة. هذه المرة، ظهرت بعض المحاور في بلد تلو الآخر. وتوضح باكستان ثلاثة منهم: السخط الاقتصادي (التضخم المتزايد وإجراءات التقشف المفروضة بالتعاون مع صندوق النقد الدولي)؛ وفساد المسئولين؛ ومزاعم تزوير الانتخابات (في تصويت العام الماضي الذي نصّب حكومة خان). لكن هذا يبدو مصادفة أكثر من كونه ترابطًا.

إن المسببات الأولية للاحتجاجات لا يمكن أن تكون أكثر تنوعًا: في لبنان، ضريبة على المكالمات الهاتفية عبر خدمات مثل واتساب؛ في هونج كونج، تشريع مقترح يسمح بتسليم المشتبه بهم إلى الصين؛ في كتالونيا، أحكام بالسجن لفترات طويلة لمناصري الاستقلال؛ في بريطانيا، مطالب باستفتاء ثانٍ على البريكست.  

إن صعوبة تمييز نمط معين لم تمنع النقاد من المحاولة. بشكل عام، تقع التفسيرات في ثلاث فئات: اقتصادية، وديموغرافية وتآمرية.
وتوضّح التفسيرات الاقتصادية الكثير، حيث مثّلت الصدمات الصغيرة لمستويات المعيشة (ارتفاع بنسبة 4% في رسوم المترو في تشيلي، على سبيل المثال) القشة الأخيرة للأشخاص الذين يكافحون من أجل تدبير المعيشة في مجتمعات غير متكافئة بصورة متزايدة. وبالنسبة إلى اليسار، هذه أحدث نوبة للرأسمالية المختلة وظيفيًّا والمحكوم عليها بالفشل. وكما تصف مجلة ريد فلاج الأسترالية الأمر: "لأكثر من أربعة عقود، تعرّض البلد تلو الآخر لاجتياح السياسات النيوليبرالية التي تهدف إلى جعل العمال والفقراء يدفعون ثمن الأزمة المتنامية في النظام".


حتى أنصار الأسواق الحرة يرون انعدام المساواة المتزايد في عدد من الدول كسبب للاستياء المنسق. ويشيرون إلى أن تشيلي، التي كانت تُعدّ ملاذًا للاستقرار في أمريكا اللاتينية وأصبحت الآن مضطربة لدرجة إلغاء قمتين دوليتين كان من المقرر عقدهما في سانتياجو، هي وفقًا لبعض المقاييس أعلى بلد في عدم المساواة بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهي رابطة للبلاد الغنية. 

يقول التفسير الديموغرافي: إن الاحتجاج، بصفة عامة، هو نشاط للشباب، والبشرية لا تزال شابة نسبيًا، بمتوسط عمر تحت الـ30، وثلث الأشخاص تحت الـ20. لقد نضج الجيل الذي وصل إلى ما يمكن اعتباره ذروة سنوات الاحتجاج منذ الأزمة المالية العالمية 2007-2008. من الناحية الديموغرافية، هذا يمكن اعتباره نتيجة للركود الكبير الذي تبعها، وفي صحيفة التايمز اللندنية، يعقد المؤرخ نيل فيرجسون مقارنة مع فترة الستينيات، ويشير إلى أنه في كلتا الفترتين كان هناك "زيادة في الشباب المثقفين"؛ بسبب طفرة في التعليم ما بعد الثانوي، ما نتج عنه وجود خريجين أكثر من الوظائف المتاحة لهم.   

وبالنسبة للمؤامرات، تحب الحكومات طبعًا أن تلمح إلى أن الاحتجاجات من صنع قوى خارجية شريرة. في حالة هونج كونج، أشارت وزارة الخارجية الصينية في شهر يوليو إلى أن الاحتجاجات كانت "بطريقة ما من صُنع الولايات المتحدة". في أمريكا اللاتينية، انتشرت نظريات بأن الأنظمة الاشتراكية في كوبا وفنزويلا كانت تثير الاضطراب في أنحاء القارة لتشتيت الانتباه عن مشاكلها الخاصة.

وربما لعبت العوامل الاقتصادية والديموغرافية وحتى التدخل الأجنبي دورًا في بعض الاحتجاجات، لكن كنظريات موحدة، فإنها تفتقد للمصداقية. ويواجه الاقتصاد العالمي مشاكل كثيرة، لكنها لا تقترب من خطورة تلك المشاكل التي واجهها منذ عقد عندما كان العالم على شفا الكساد وارتفعت البطالة، مع هذا كان عدد أقل بكثير من الأشخاص ينزلون للشوارع.

هذا، ويهيمن الشباب على الاحتجاجات، لكن السمة اللافتة للنظر في الكثير من المظاهرات – من مسيرات "تأييد البقاء" في لندن إلى الاحتجاجات المناهضة للصين في هونج كونج – هي عدد الأشخاص متوسطي العمر والمسنين الذي شاركوا أيضًا. وبالنسبة إلى التدخل الأجنبي – لا أحد، باستثناء أولئك القابعين في الأطراف الأكثر جموحًا من الإنترنت، لا أحد يؤمن حقًا بأن بعض العقول المدبرة العالمية تحرك الأحداث حول العالم.

وهكذا ربما يكون البحث عن نظرية موحدة عديم الجدوى. فرغم كل شيء، عندما تنظر عن كثب للموجات السابقة، يبدو انطباع الترابط وهميًا، لقد كانت أيضًا متنوعة أكثر مما يُفترض في أكثر الأحيان، وتراوحت الثورات العالمية في أواخر الستينيات من الحرس الأحمر في الصين، الذي سعى لمساعدة ماو تسي تونج في ربح صراع حزبي على السلطة، إلى الشباب الغربي المرفه الذي تعثر في مُتع الشعر الطويل وعقاقير الهلوسة والانحلال الجنسي. وفيما بينهم كان هناك محتجون على حرب فيتنام، والهيمنة السوفيتية على أوروبا الشرقية والإصرار الممل على حضور المحاضرات في الجامعات، وحتى ثورات قوة الشعب التي جاءت بعد 20 عامًا، تميزت باختلافاتها مثلما تميزت بتشابهاتها. كان زعماء اليمين المتطرف الأقوياء، من أمثال فرديناند ماركوس رئيس الفلبين أو تشون دو هوان رئيس كوريا الجنوبية، مختلفين تمامًا عن سفاحي أوروبا الشرقية، أمثال نيكولاي تشاوتشيسكو وفويتشخ ياروزلسكي.

ولعل الإجابة هي العودة إلى المبادئ الأولى والتساؤل: ما الذي يجعل الناس يحملون مظالمهم إلى الشوارع؟ هناك سببان نادرًا ما يتم ذكرهما: الاحتجاج، فرغم كل مخاطره القانونية والجسدية، يمكن أن يكون أكثر إثارة ومتعة من مشقة الحياة اليومية؛ وعندما يفعله الجميع، يصبح التضامن هو الموضة.

إن كل موجة احتجاجات لها عنصر تقليد خاص بها، غير أن انتشار الهاتف الذكي غيّر الطريقة التي تُنظم بها الاحتجاجات ويُروّج لها. وتمكّن تطبيقات الرسائل المشفرة، مثل تليجرام، المحتجين من البقاء متقدمين خطوة على السلطات، ويمكن أن تنتشر رموز وتقنيات حديثة مثل النار في الهشيم، وبمجرد أن نُشر "نشيد" مكتوب خصيصًا لمحتجي هونج كونج على الإنترنت، توقفت مراكز التسوق عن العمل بسبب الأداء الجماعي التلقائي.

والسبب الثالث الواضح للتظاهر هو أن استخدام القنوات السياسية التقليدية يبدو عقيمًا! ففي احتجاجات أواخر الثمانينيات، كانت الأهداف في العادة هي الحكومات الاستبدادية التي سمحت بانتخابات صورية في أفضل الأحوال، وفي ظل غياب صندوق الاقتراع، كان الشارع هو الطريقة الوحيدة لاستعراض "قوة الشعب"، كانت بعض احتجاجات هذا العام – ضد عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر مثلًا أو عمر البشير في السودان – متشابهة، لكن الديمقراطيات التي تعمل بصورة جيدة تأثرت أيضًا.

ولعدد من الأسباب، ربما يشعر الناس بالعجز هذه الأيام، معتقدين أن أصواتهم لا تهم. السبب الأول هو الانتباه المتزايد الذي يُولى للقضايا البيئية، وأبرزها تغير المناخ في بعض الاحتجاجات (على الرغم من أن بعضها أُثير بسبب الضرائب البيئية المُصممة لكبح استهلاك الوقود)، وتتطلب انبعاثات الكربون حلولًا عالمية تتجاوز إمكانيات حكومة واحدة، ناهيك عن صوت واحد. والسبب الثاني هو تأثير وسائل التواصل الاجتماعي بميلها لتضخيم تلك الأصوات التي تتفق معك وإسكات الأصوات الأخرى، وبالتالي تزيد من حدة الشعور بأن القوى المسيطرة "لا تستمع". السبب الثالث هو النمو في عدم التسامح، وهو انهيار في قلب الديمقراطية الغربية، أن يوافق الخاسرون الذين يمثلون في أكثر الأحيان أغلبية الصوت الشعبي، على تقبل حكم الرابحين حتى الانتخابات المقبلة.

ولا شك أن هذه ليست نتيجة تمنح المساعدة أو الأمل، وتشير بعض الأمور إلى أن هذه الاتجاهات توشك على الهدوء. وفي هذه الحالة، تلك الموجة الثالثة من الاحتجاج ربما لا تصبح نذيرًا بثورة عالمية، بل ستصبح ببساطة الوضع الراهن الجديد.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات رؤية ترجمات

التعليقات

  1. بارز1 ١١ نوفمبر ٢٠١٩ - ٠٤:١٢ م

    هناك الشق الاقتصادى لاشك وهو مهم انما الاهم ان الغرب بنى استراتيجيه خطيره لمواجهة الثائر الاممى الكبير الرمز السامى بالامم المتحده سيادة المايسترو وامين السر السيد- وليد الطلاسى--- المحاصر منذ عام 96م بالرياض وحتى اليوم من القوى الغربيه ونظام ال سعود تحت اشرس حصار قد يؤدى الى قيام الحرب العالميه والفوضى العالميه والتى تعرف باسم مصطلح معروف دوليا الا وهو الاضطراب العالمى السياسى الدولى وقابلوها واستبقوها بالفوضى الخلاقه وبمشروع التفكيك للدول العربيه والاسلاميه والذى هو تحت مسمى الشرق الاوسط الكبير واتى الرئيس اوباما بهذه الفوضى الخلاقه وساندته قطر بقناة الجزيره وبالعبث بالجامعه العربيه فاوقفو ومنعو مقعد سوريا بالجامعه وتمت الفوضى الثوريه المخابراتيه مع اجهزة مخابرات شهيره كالام 12 او ام 16 البريطانيه والسى اى ايه وغيرها باميركا وتل ابيب والان اتى دور الغرب ليستمتع بالسترات الصفراء والحمراء والخضراء مع التضخم الاقتصادى بالطبع والبطاله والفقر القادم وتلك هى سياسات الغرب مع التحيه

اضف تعليق