ذا كونفرزيشن | كيف أثّر انهيار جدار برلين على القارة الأفريقية؟


١١ نوفمبر ٢٠١٩ - ٠٣:٥٨ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

المصدر - ذا كونفرزيشن

ندما سقط جدار برلين في التاسع من نوفمبر عام 1989، كانت أنظار العالم متجهة صوب أوروبا، غير أن انهيار الاتحاد السوفيتي الذي أعقب انهيار الجدار، كان له تأثير كبير في إفريقيا وحول العالم. إن الذكرى السنوية الثلاثين لانهيار الجدار، هي فرصة لدراسة تداعيات ذلك الحدث على أوضاع إفريقيا السياسية وعلاقاتها الخارجية.

ولا شك أن آفاق المستقبل بالنسبة لإفريقيا كانت تتصف بعدم اليقين وذلك في أعقاب انتهاء الحرب الباردة التي استمرت لعقود بين الاتحاد السوفيتي الشيوعي والولايات المتحدة الرأسمالية، اللذين كانا يتنافسان على سيادة العالم. فجأة أصبحت القارة الإفريقية أمام فرص جديدة، ومنذ ذلك الوقت كانت النتائج مختلطة، لكن هناك العديد من الاتجاهات العامة التي يصعب تخيّلها لولا انهيار الشيوعية.

وأثناء العقود الثلاثة الأولى لمرحلة ما بعد الاستقلال من الحكم الاستعماري، اختارت العديد من الدول تقييد نفسها عبر التحالف إما مع السوفيت أو الصين أو دول غربية (غالبًا دول استعمارية سابقة).

وبحلول نهاية الثمانينيات، أدى تزايد إمكانية التحرر من النظام العنصري لبعث آمال الحرية لدى الغالبية السمراء في جنوب إفريقيا. كانت جنوب إفريقيا آخر بلد إفريقي يتحرر من الحكم الأبيض عام 1994.

 ويصف "سالم أحمد سالم"، الأمين العام لمنظمة الوحدة الإفريقية، ذكرياته حول ذلك الزمن في كتاب "ثابو مبيكي الذي أعرفه"، قائلاً: "كانت نهاية الحرب الباردة تعني أن إفريقيا بإمكانها تأكيد ذاتها. كان التفويض الممنوح لمنظمة الوحدة الإفريقية فيما يتعلق بتحقيق التحرر من الاستعمار يشارف نهايته، وذلك لأن جنوب إفريقيا كانت على وشك أن تصبح حرة. في الواقع، أصبحت إفريقيا بأكملها حرّة عندما نالت جنوب إفريقيا حريتها. والآن بعد أن أصبحنا أحرارًا، ولم تعد بلادنا مشغولة بمسألة التحرر، ما الخطوة التالية؟"

إن تحديد التأثير الذي خلّفه انتهاء الحرب الباردة في العقود الثلاثة التالية، هو تقريبًا بنفس صعوبة التكهّن بما كانت إفريقيا ستكون عليه اليوم في حال لم ينهار الاتحاد السوفيتي. لقد أثرت الاصطفافات العالمية تأثيرًا متفاوتًا على كل دولة من دول القارة السمراء البالغ عددها 54 دولة.
لكن الاحتفال بذكرى انتهاء عهد القطبية الثنائية، يقدّم لنا فرصة للتفكير في التغيرات وأوجه الاستمرار في سياسات إفريقيا وعلاقاتها العالمية منذ عام 1989، وهو أيضًا فرصة للتساؤل بشأن الاتجاه الذي قد تسير فيه إفريقيا.

الآثار الإيجابية على جنوب إفريقيا
يبدو العقد الأول للتسعينيات الآن إيجابيًا بصورة غير واقعية؛ حيث ساد الخطاب الديمقراطي وحاولت الحكومات إجراء عدد لا يُحصى من الإصلاحات الديمقراطية. لكن الإرث الاستعماري واعتماد دول إفريقيا على أحد طرفي الحرب الباردة تواصلا، وقد أثمرت المؤسسات الضعيفة والتنوع العِرقي عن ولادة قادة أقوياء أصبحوا مترسخين في الحكم بمجرد انتخابهم، في حين سقطت بعض الدول ضحية للاستبداد الانتخابي.

غير أن الفوائد السياسية التي جنتها جنوب إفريقيا من انتهاء الحرب الباردة كانت فورية وحاسمة؛ حيث كان الصراع الطويل والصعب المناهض لنظام الفصل العنصري يكتسب زخمًا محليًا وعالميًا، لكن فجأة ضيّق العالم من خناقه وعزلته على نظام الأقلية البيضاء، كما تعززت المقاومة المحلية في الوقت الذي تلاشت فيه الاختلافات الأيديولوجية والدعم العسكري السوفيتي المُقدَّم لكفاح السود من أجل الحرية.
بعدها حان وقت التعامل مع المطلب الأهم المتمثل في الحقوق السياسية والمساواة لجميع المواطنين في جنوب إفريقيا، وبهذا بدأت عملية التفاوض لإنهاء النظام العنصري جديًّا في عام 1991.

كان الانتقال الديمقراطي في جنوب إفريقيا استثنائيًا. لقد أدّت قرون من القمع الاستعماري الوحشي وعقود من الحكم العنصري لإضعاف وتقسيم المجتعمات هناك إلى عدة أوطان، حيث قُسّمت البلاد إلى عشر مناطق ريفية فقيرة طُلب من سكان جنوب إفريقيا السود العيش فيها على أسس عِرقية، وذلك تحت وَهْم السيادة.

أسفر ذلك عن نتيجة غير مقصودة وهي ظهور معارضة شعبية ملتزمة بإقامة حكم ذاتي غير طائفي وجامع. في العام 1955، أُعلن عما يسمى "ميثاق الحرية"، الذي كان بمثابة مخطط أوّلي لإقامة دولة حرة ومزدهرة في جنوب إفريقيا، وقد جرى في نهاية المطاف إضفاء الطابع المؤسسي على ذلك الميثاق في دستور البلاد عام 1996، الذي يمكن اعتباره التجربة الديمقراطية الحديثة الأكثر طموحًا والمصممة بعناية في العالم.

وخلافًا لمعظم دول العالم، لم تعد القومية الجنوب إفريقية مرتكزة على "عِرق" أو مجموعة اثنية واحدة، لقد أصبح هذا البلد نموذجًا رائدًا للقومية المدنية. يشرح المؤرخ جيمس ماكفيرسون أن معظم البلدان هي عبارة عن أشكال مختلفة من القومية العرقية: أشخاص يعيشون في منطقة محددة، لديهم خصائص مشتركة، مثل اللغة والعادات والدين، وتصبح لديهم خصائص وراثية بمرور الوقت.

ما يميّز القومية المدنية في جنوب إفريقيا ليس الجذور المشتركة لفصيل شعبي مهيمن، ولكن وجود هويات متنوعة تتقاسم الولاء لحكم القانون، إذ إن الحكومة هناك هي من الشعب ومن أجل الشعب، تمامًا كما حاول "إبراهام لينكولن" إعادة تعريف أمريكا عام 1863. لقد جرى ترديد هذه الكلمات بشكل ملائم في قرار اتخذته بالإجماع المحكمة الدستورية في جنوب إفريقيا عام 2017، وذلك في قضية اختبرت حدود السلطات البرلمانية والرئاسية.

معايير جديدة لعموم إفريقيا
وقد شهد العقد الثاني في مرحلة ما بعد الحرب الباردة ازدهار فكرة الانتماء الإفريقي. وكانت تلك الفكرة هي ردّ على التساؤل الذي طرحه "أحمد سالم" حول مستقبل إفريقيا، حيث جرى استبدال "منظمة الوحدة الإفريقية" بـ "الاتحاد الإفريقي" في يوليو 2002 في دوربان، جنوب إفريقيا.

ومع تحرر القارة وبقائها في الوقت ذاته عُرضة للصراعات المحلية والتدخل الأجنبي، تزعّم عددٌ من القادة الأفارقة مبادرة دبلوماسية فعّالة لتحويل منظمة الوحدة الإفريقية إلى كيان إقليمي أكثر فاعلية؛ بهدف منع الصراعات وحلّها.

تضمّن القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي التزامًا أقوى بالحكم الرشيد والرقابة المتبادلة والالتزام المشترك بالتعاون والأمن الجماعي.

كما تضمّن القانون التأسيسي بعض الأدوات التكميلية، أبرزها الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحوكمة، الذي يُلزم جميع أعضاء الاتحاد الإفريقي بعقد انتخابات دورية ودعوة الاتحاد الإفريقي لمراقبتها.

كما تعزّز التعاون بصورة واضحة داخل المجتمعات الاقتصادية الإقليمية الثمانية المرتبطة بالاتحاد الإفريقي، وأُجريت تجارب مثمرة مع كيانات تكميلية في الاتحاد، أبرزها "الآلية الإفريقية لاستعراض الأقران" و"الشراكة الجديدة لتنمية إفريقيا". وأدّت جنوب إفريقيا دورًا رائدًا في تلك الجهود لبناء القدرة وتعزيز مبدأ اعتماد دول إفريقيا على ذاتها على مستوى القارة وحول العالم، بدعم قوي من الرئيس "ثابو مبيكي" (1999-2008).

الابتعاد عن الديمقراطية
شهد العقد الثالث في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة العديد من النكسات الديمقراطية داخل الدول الإفريقية وفيما بينها. لقد تفاقمت الانتكاسات الديمقراطية، ويشمل هذا جنوب إفريقيا، بفضل السلوكيات المستبدة عالميًا وتصاعد المنافسات بين القوة العظمى.

وهناك دومًا مخاطر على إفريقيا فيما يخص التعامل مع أي قوة عالمية كبرى. في ديسمبر الماضي، على سبيل المثال، عرض "جون بولتون"، مستشار الأمن القومي الأمريكي، استراتيجية إدارة ترمب الجديدة تجاه إفريقيا، مستخدمًا عبارات تذكّرنا بزمن الحرب الباردة. تهدف تلك الاستراتيجية لمواجهة نفوذ روسيا والصين المتصاعد في في القارة.

كما أن روسيا ليست استثناءً. فقبل أسبوع من قمة روسيا - إفريقيا التي حضرها عشرات من القادة الأفارقة في مدينة "سوتشي"، وكشفت تقارير إخبارية عن خطة روسية للتدخل في الشئون السياسية والانتخابية لدول إفريقيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

إن إساءة استخدام الإنترنت هو مشكلة عالمية، لكن الدول الإفريقية تحديدًا معرّضة للتأثيرات السياسية السلبية للتقنيات المعلوماتية الجديدة، لا سيما وسائل التواصل الاجتماعي. كما بات من المعروف جيدًا أن الأخبار المزيّفة تساهم في تأجيج الاستقطاب ونشر خطابات الكراهية وتعزيز مراقبة الحكومات وسيطرتها على الإعلام.

إن التأثير الكامل لهذه التقنيات الجديدة على أوضاع إفريقيا السياسية والاقتصادية بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتحليل، وذلك لوضع سياسات وضمانات عادلة ومتوازنة.

ولا شك أن هذه التقنيات الجديدة مهمة لرفاهية إفريقيا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بيد أن تلك التقنيات أيضًا عُرضة للتلاعب الأجنبي، وبحلول عام 2029، أي في العقد الرابع من انتهاء الحرب الباردة، سنكون قادرين على تحديد ما إذا كانت "الرقمنة" تقع في صميم الكفاح الدائر بين السياسات الاستبدادية والديمقراطية في إفريقيا.  

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات رؤية ترجمات

اضف تعليق