ذا هيل | الهجرة الجماعية من فنزويلا تُهدّد أمن نصف الكرة الغربي


١٣ نوفمبر ٢٠١٩ - ٠٥:٣٢ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

تشهد أمريكا اللاتينية في الوقت الراهن أزمات سياسية متتالية. إن هذه الفوضى السياسية في تلك القارة ناتجة عن احتجاجات وحالة عدم استقرار متواصلة في هاييتي والإكوادور وبيرو والأرجنتين وهندوراس، ومؤخرًا، تشيلي، هذا البلد المستقر الذي كان يتصدّر عمومًا مؤشرات الحرية الاقتصادية. عقب زيارة أجراها إلى بيونغ يانغ بهدف توسيع العلاقات مع كوريا الشمالية، صرّح "ديوسدادو كابيللو"، وهو أحد أكثر الرجال المتنفذين في فنزويلا، والخاضع لعقوبات أمريكية بسبب انخراطه في تهريب المخدرات قائلاً: "ما يحدث في بيرو وتشيلي والإكوادور والأرجنتين وهندوراس هو نسيم بوليفاري لطيف، سيأتي بعده إعصار"، وذلك في إشارة إلى دور الثورة البوليفارية في النزاعات الأخيرة، وقدرتها على تقويض استقرار المنطقة.

لقد تفاقمت الفوضى الإقليمية الراهنة بفضل الهجرة الجماعية القادمة من فنزويلا، والتي تُشكّل، بجانب آثارها الإنسانية، تهديدًا خطيرًا على نصف الكرة الغربي، وذلك بفضل استخدام نظام مادورو لهذه الهجرة كسلاح.

بقي غالبية الـ 4.3 مليون فنزويلي الذين هربوا من بلادهم داخل منطقة أمريكا اللاتينية، وهرب هؤلاء المهاجرون من فنزويلا بسبب التضخم الجامح والجريمة ونقص الغذاء والدواء، وكلها أزمات نابعة من الثورة البوليفارية. وتشير التقديرات إلى أن هناك 1.4 مليون فنزويلي استقروا في كولومبيا، ونحو 860 ألف استقروا في بيرو، و288 ألف في تشيلي، و330 ألف في الإكوادور، و130 ألف في الأرجنتين، و178 ألف في البرازيل، وهناك ما يقارب 300 ألف فنزويلي نزحوا للولايات المتحدة، وما يزيد على 255 ألف ذهبوا إلى إسبانيا، وذلك وفقًا لمنظمة الهجرة الدولية التابعة للأمم المتحدة.
إ
ن نسبة صغيرة من هؤلاء المهاجرين الفنزويليين فيما يبدو هم عملاء مخربون متخفون زرعهم نظام مادورو وحلفاؤه الإقليميون والدوليون، وقد حمّل الرئيس الإكوادوري "لينين مورينو" مباشرة فنزويلا مسؤولية الاحتجاجات في بلده الشهر الماضي، علاوة على ذلك، ذكر وزير الدفاع "أوسوالدو جارين" أن "عناصر إجرامية" تستغل الاحتجاجات كغطاء لنهب وتدمير الممتلكات وارتكاب أفعال "إرهابية" بهدف إضعاف البلاد. فيما صرّح "جوليو بورغيس"، مفوّض العلاقات الخارجية للرئيس الفنزويلي المؤقت "خوان غوايدو" مؤخرًا أن 41 شخصًا من بين الـ 57 أجنبيًا الذين اعتُقلوا أثناء احتجاجات الإكوادور في الشهر الماضي كانوا مواطنين فنزويليين، وفي السياق، تركّز "كيلي غرين هيل"، الباحثة بجامعة هارفارد، في أبحاثها على "التحديات الأمنية الجديدة"، ومن بينها الحروب الأهلية واستخدام الهجرة القسرية كسلاح، وتجادل "كيلي" بأن "الهجرة الاستراتيجية المُهندسة تشير إلى الهجرة الداخلية أو الخارجية التي تصنعها أو تتلاعب بها دولة أو جهة غير تابعة للدولة". ينطبق هذا الوصف باقتدار على الأزمة في فنزويلا، والتي تتجاوز كونها مجرد أزمة ناتجة عن حكومة عاجزة أو أوضاع اجتماعية - اقتصادية خطيرة. إن أزمة اللاجئين الفنزويليين ناتجة عن ثورة خبيثة قائمة على استراتيجية سياسية -عسكرية تنخرط فيها جماعات مسلحة وعناصر إجرامية في فنزويلا وخارجها.

في عام 1999، تولى "هوغو تشافيز" السلطة وبدأ الثورة البوليفارية، وتشافيز هو مُقدّم سابق في الجيش قاد في الماضي انقلابًا فاشلًا، وقد استخدم تشافيز المتعطش للسلطة نموذجًا ثوريًّا مليشياويًا مدعومًا من الخارج لإحداث تغييرات عميقة في المجتمع الفنزويلي ومؤسساته؛ وبذلك حوّل تشافيز هذا البلد الذي كان مزدهرًا يومًا ما إلى ديكتاتورية متوحشة. وفي عام 2013، بعد وفاة هوغو تشافيز، وصل "نيكولاس مادورو" للسلطة وضاعف من هذه الاستراتيجية، ليس فقط لتعطيل الاحتجاجات المناهضة للنظام عبر الترهيب والقمع العنيف في فنزويلا، ولكن أيضًا لبناء شبكات إرهابية وإجرامية.

إن أبرز مجموعتين تمارسان الجريمة والإرهاب في فنزويلا هما "القوات الثورية المسلحة في كولومبيا" (فارك)، و"جيش التحرير الوطني". ووفقًا لوزير الخارجية الكولومبي، فإن "جيش التحرير الوطني" موجود في 12 ولاية في فنزويلا على أقل تقدير، كما أن قادة جماعة "فارك" الذين تخلّوا عن اتفاق السلام، مثل "إيفان ماركيز" و"جيزوس سانتريك"، ظهروا في مقطع مصوّر في أغسطس الماضي داخل فنزويلا، معلنين العودة للكفاح المسلح.

هناك أيضًا ما لا يقل عن ثماني مجموعات إجرامية مسلحة رئيسية في فنزويلا تمارس أشكالاً مختلفة من النشاط غير الشرعي تحت حماية القوات المسلحة الفنزويلية. ويوجد في فنزويلا مليشيات موالية للحكومة يُطلق عليها "كوليكتيفوز"، وقوات شبه عسكرية مثل "راستروجوز"، وعصابات إجرامية مثل "برانيس"، كما ينشط في فنزويلا إرهابيون إسلاميون تابعون لحزب الله اللبناني، وتستخدم كل هذه الجماعات نظام مادورو كدرعٍ واقٍ.

باختصار، تحوّلت فنزويلا إلى ما أطلق عليه البعض اسم "دولة مافيا"، حيث تسيطر جماعات الجريمة المنظمة والحركات الإرهابية مساحات واسعة من الأراضي الفنزويلية عبر شبكات دولية غير شرعية متورطة في تهريب المخدرات وغسيل الأموال والتعدين غير القانوني والخطف، وما شابه ذلك، وهي أنشطة تنتشر حتى خارج الحدود. لقد ذهب مركز "المجتمع الحر والآمن"، وهو مؤسسة بحثية متخصصة في الأمن القومي ومقرّها واشنطن، إلى أبعد من ذلك، واصفًا فنزويلا بأنها "دولة موازية" تجمع بين "دولة إجرامية" وإطار ثوري، إذ تستمد هذه الدولة دعمها من دول خارجية: روسيا وإيران والصين.

أما مادورو فقد صرّح مؤخرًا: "إننا نُنفّذ الخطة، كما تفهمون"، في إشارة إلى الخطة المنظمة جيدًا وراء الثورة البوليفارية، التي لا تعمل بوصفها تسلسلًا هرميًّا، ولكن بوصفها شبكة إقليمية. وتزداد هذه الشبكة قوةً مع استحواذها على مزيد من الأراضي، وبالتالي، فإن هدف الثورة هو توسيع الأراضي عبر زعزعة استقرار كل أمريكا اللاتينية، والوسيلة المستخدمة لتحقيق هذا هو الهجرة الجماعية وزيادة تدفق اللاجئين.

ووفقًا لمنظمة الدول الأمريكية، فإن الأزمة الإنسانية في فنزويلا يمكن أن ترفع أعداد اللاجئين إلى 8.2 مليون لاجئ في العام المقبل.
المعادلة واضحة: كلما زاد تدفق اللاجئين من فنزويلا، كان من الأسهل انتشار هذه التهديدات عبر الوطنية وعبر الإقليمية شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا. إن السبيل الوحيد لمنع "الإعصار" البوليفاري من تدمير نصف الكرة الغربي، سيكون بلا شك عبر وقف الثورة البوليفارية التي أحيت شبكة التهديدات المذكورة آنفًا، وعملت على استخدام الهجرة الجماعية كسلاح.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق