يال جلوبال | لماذا ترفض إيران إعادة التفاوض؟


١٤ نوفمبر ٢٠١٩ - ٠٥:٤٢ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد


حاول الرئيس دونالد ترامب التوصل لاتفاقية جديدة مع جمهورية إيران الإسلامية منذ انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة في مايو 2018، ويمتلك قادة طهران فرصة وحيدة لصياغة اتفاق جديد ملائم لهم بدافع حماسه. قد يرتبون لرفع العقوبات الاقتصادية وضخ الأموال والتكنولوجيا والصناعة الأمريكية والأوروبية. وبحسب كلمات ترامب، الاتفاق الجديد "سيجعل إيران عظيمة" دون السعي لـ"تغيير القيادة".

لقد ناقشت كلٌّ من فرنسا وألمانيا وبريطانيا وروسيا والصين وإيران، وحتى الولايات المتحدة إطار عمل جديد في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، وفقًا للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وسينص الاتفاق الجديد على نبذ إيران للأسلحة النووية بصورة دائمة، وامتثالها لإطار عمل طويل الأمد خاص بالتكنولوجيا النووية السلمية، ومساهمتها في الاستقرار الإقليمي وعدم التدخل، في مقابل رفع العقوبات الأمريكية. ووُضِع منع الصواريخ الباليستية الإيرانية جانبًا للنقاش المستقبلي، غير أن وزير الخارجية الإيراني محمد ظريف اعترض على تلك الشروط عند عودته إلى طهران.

إن الأوضاع داخل إيران تمنع إدارة روحاني من العمل مع إدارة ترامب لتسوية القضية النووية. وعلى الصعيد العسكري، بات حليف طهران السوري، بشار الأسد، في وضع مستقر، وفي اليمن، الحوثيون يُسببون قلقًا بالغًا للسعودية – بدعم تكتيكي ومادي من قوات الحرس الثوري الإيراني. وتبقى إيران واثقة من أن صواريخها الباليستية جاهزة للتصدي لأي هجوم جوي أمريكي. لقد تعززت ثقة إيران بعد أن أفلتت الصواريخ والطائرات المسيرة من منظومات الدفاع الجوي أمريكية الصنع خلال الهجوم الحوثي المزعوم على أرامكو السعودية، وأضاف اختبار القوات الجوية الأمريكية لاستعدادية التنقل بعيدًا عن قاعدتها في قطر، يوم 28 سبتمبر عن طريق الخطأ لاعتقاد طهران بأنها اكتسبت تفوقًا استراتيجيًّا داخل المنطقة. وكذلك أيضًا فعل مقترح موسكو بوضع خطة أمنية خليجية جديدة. 

ووفقًا لمؤشر التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يأتي المجتمع الإيراني في المرتبة 60/189، قبل تركيا ومصر والعراق، وهو أقل بكثير من جيرانه الخليجيين الأقل سكانًا والأكثر ثراءً، مثل الإمارات، وقطر والسعودية. ويضع تقرير السعادة العالمي الشعب الإيراني في المرتبة 117/156، قبل العراق ومصر وبعد دول الخليج العربي. ومؤشر التنمية الشامل يضع إيران في المرتبة 27/76 ضمن الدول الناشئة، بعد الصين مباشرة.

وحتى الآن، تصمد إيران أمام العقوبات الاقتصادية الأمريكية، فقد حافظت الدولة على صادرات النفط إلى الصين، وحتى إلى سوريا والهند، عبر آليات التجارة والنقل التي تتجاوز القوانين الأمريكية، فيما تواصل الصين القيام بأعمال مع إيران في قطاعات الطاقة والتعدين والنقل. حتى بريطانيا تحايلت على العقوبات الأمريكية في شهر أكتوبر من أجل التوصل لتسوية بقيمة 1.25 مليار إسترليني (1.54 مليار دولار) مع بنك إيراني مملوك جزئيًّا للدولة، وحققت إيران الاكتفاء الذاتي في تكرير البنزين، وبدأت التعاون مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، فيما تبنى وزارة النفط خط أنابيب، يُتوقع الانتهاء منه في مارس 2021، لنقل النفط إلى محطة تصدير شرق مضيق هرمز. وتضع طهران وبكين اللمسات الأخيرة على التزام صيني لمدة 25 عامًا باستثمار 280 مليون دولار في قطاع الطاقة الإيراني.

إن الإنجازات العسكرية والاجتماعية مصحوبة بالصمود الاقتصادي شجعت المسئولين الإيرانيين، بما فيهم قيادات الحرس الثوري، الذين ينبذون أي تسوية مع الولايات المتحدة. إنهم يحملون الضغينة بسبب التدخل الأمريكي السابق – من إعادة تنصيب الشاه في 1953، مرورًا بإمدادات الأسلحة الكيميائية إلى العراق خلال حرب الخليج الأولى، وصولًا إلى العقوبات الحالية.

وشدّد آية الله أحمد خاتمي، متحدثًا عقب صلاة الجمعة في طهران في أغسطس الماضي، على أن "التفاوض تحت الضغط بمثابة استسلام"، مضيفًا أنه "نظرًا للنهج الذي تبنته أمريكا وترامب، سيكون عليهم أخذ هذا الحلم معهم إلى القبر"، وفي أوائل سبتمبر، أصدرت لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بالبرلمان "تحذيرًا قويًّا" بشأن تصريحات الرئيس حسن روحاني عن الاستعداد للتفاوض مع "أي شخص" لحل مشكلات إيران.

كما أكد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، الذي يحتفظ بالسلطة عن طريق إثارة الفصائل السياسية ضد بعضها بعضًا: "لقد حذرت من [الموافقة على] خطة العمل الشاملة المشتركة ... وذكّرت الرئيس ووزير الخارجية بصورة متكررة". في الواقع، بدأ خامنئي في وصف العقوبات الأمريكية بـ"مشكلات قصيرة الأمد" تواجه الدولة والتي يمكن أن تحقق "مكاسب طويلة الأمد" عن طريق تقليل الاعتماد على عائدات النفط والغاز.

وهكذا، عند العودة من الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم يكن أمام روحاني خيارات سوى التأكيد في اجتماع لمجلس الوزراء على أن "جميع الاتصالات دارت [فقط] حول مسألة إحياء مجموعة 5+1". وعقد ظريف أيضًا مؤتمرًا صحفيًّا بمجرد عودته إلى طهران لكي يطمئن معارضي التصالح بأنه لم يكن هناك "محادثات ثنائية بين روحاني وترامب". وبرغم تلك المحاولات لاسترضاء الفصيل المناهض للولايات المتحدة، أُدين شقيق الرئيس بالفساد وحُكِمَ عليه بالسجن خمس سنوات، وهو ما اعتُبر داخل إيران تحذيرًا للفرع التنفيذي بأنه يجب أن يخضع لإرادة السلطة.

ونتيجة لذلك، كلما نادى ترامب بالاتفاق، تمسك قادة إيران أكثر بشروطهم المسبقة برفع العقوبات، وإعادة خطة العمل الشاملة المشتركة، ودفع تعويضات عن الخسائر. وردّت طهران أيضًا بإمكانية "مغادرة معاهدة عدم الانتشار" وتخصيب اليورانيوم إلى 60%، غير أن هذا النهج الإيراني قد يكون خطيرًا أيضًا، ولا ينبغي إساءة فهم حذر الرئيس الأمريكي على أنه ضعف. وحتى يومنا هذا، كانت سياسة ترامب تجاه إيران منضبطة ومتسقة، تقديم مكافآت وفرض عقوبات، فقد عاقب الجمهورية الإسلامية من خلال الهجمات الاقتصادية والسيبرانية بدلًا من العسكرية، ومؤخرًا عن طريق فرض عقوبات على قطاع الإنشاءات في 31 أكتوبر، لكن ترامب لا ينسحب بسهولة.

وفي أوائل شهر أكتوبر، وتحت الضغط الأمريكي، انسحبت مؤسسة البترول الوطنية الصينية المملوكة للدولة من اتفاق بقيمة 5 مليارات دولار لتطوير حقل فارس الجنوبي للغاز، مثلما فعلت شركة توتال الفرنسية. ومع زيادة العقوبات الأمريكية، يقدّر صندوق النقد الدولي أن الناتج المحلي الإجمالي لإيران سيواصل الهبوط بنسبة 9.5% في 2019 بينما سيرتفع التضخم إلى 35.7%. سوف تستمر البطالة في الارتفاع، من 12.1% في 2018، بحسب البنك الدولي، بسبب العقوبات الأجنبية مصحوبة بسوء الإدارة المحلية. ولذلك، ربما يجيز البرلمان للبنك المركزي تخفيض قيمة الريال. تمتلك الولايات المتحدة المزيد من القوة الجاهزة للاستخدام أيضًا. وبالتالي، التسوية مع واشنطن وليس طلب الالتزام بخطة العمل الشاملة المشتركة في مصلحة الجمهورية الإسلامية.


إن عدوان وخداع طهران، والذي شمل إسقاط طائرة مسيرة أمريكية، ومصادرة ناقلة نفط بريطانية، والتعهد بعدم بيع النفط للنظام الوحشي في سوريا ثم فعل ذلك عبر طرف ثالث، وربما تلغيم النقل التجاري في الخليج العربي، وتسهيل الضربات الجوية على منشآت الطاقة السعودية قد ضاعف التشكك في حُسن نواياها. وعلى الرغم من تطبيق خطة العمل الشاملة المشتركة في يناير 2016، احتفظت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بقدرتها على إعادة إنشاء منشآتها. وانتهاك طهران اللاحق لالتزاماتها عن طريق زيادة تخصيب اليورانيوم واستخدام طاردات مركزية متقدمة وإعادة تنشيط مفاعل آراك للمياه الثقيلة أضاف للآراء السلبية. هذه الأفعال تجعل من الصعب على الرئيس الأمريكي الحالي أو المستقبلي إعادة فرض خطة العمل الشاملة المشتركة، حسب طلب إيران، على الرغم من أن فعل هذا هو طريق أيده الموقعون الآخرون. مع ذلك، الاتفاق الجديد الذي يقيّد سلوكيات إيران السيئة سيكون مقبولًا.

أثناء التحدث في البيت الأبيض في 2 يناير، قال ترامب: "إيران في مشكلة. وأنا أحب التفاوض معهم. إنهم ليسوا مستعدين ... لكنهم سيفعلون". مع هذا، وحتى الآن، نظام إيران صامد، مع إصرار روحاني يوم 8 أكتوبر: "لقد تحسنت قوة ومكانة الدولة الإيرانية بعد عام ونصف من الضغط الاقتصادي المستمر".

وفي النهاية، الظروف لا تبشّر بالخير لإعادة تطبيق خطة العمل الشاملة المشتركة أو التفاوض على اتفاق نووي جديد في وقت قريب.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق