بوليتيكو| قيادة إيران تواجه الاختبار الأخطر للبقاء


١٩ نوفمبر ٢٠١٩ - ١٠:٢٨ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد


تواجه جمهورية إيران الإسلامية أكبر تهديد على بقائها منذ الحرب مع العراق في الثمانينيات.

أصدر الحرس الثوري، الذي يتبع المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي مباشرة، يوم الاثنين تهديدًا يُنذر بالسوء باتخاذ إجراء "حاسم" ضد عشرات الآلاف (على الأقل) من الإيرانيين الذين نزلوا إلى الشوارع على مستوى الدولة للاحتجاج على زيادة أسعار البنزين.

في دولة تَعتبر البترول المجاني حقًّا مكتسبًا بالولادة، كان تأثير ارتفاع الأسعار هائلًا. وعلى مدار الأيام الأربعة الماضية، ذكرت وسائل الإعلام الحكومية أن المحتجين أحرقوا السيارات والبنوك ومحطات البنزين وأقسام الشرطة في موجة من الاضطراب والتي باغتت قيادات الدولة، ولقي عدة أشخاص حتفهم، فيما اعتُقل المئات.

وواجهت إيران احتجاجات من قبل، لكن النظام الآن يواجه متاعب أكبر لأن المظاهرات الأخيرة تتركز على أكبر قضايا أسباب العيش وهي قضية الدعم.

طهران، بصفتها صاحبة ثالث أكبر احتياطيات نفط في العالم، كانت قادرة على شراء الرضا السياسي، أو على الأقل السكون، عن طريق إنفاق مبالغ ضخمة على الدعم المقدَّم للطاقة والغذاء والمياه، وتُصنّف الوكالة الدولية للطاقة، الجمهورية الإسلامية كأكبر مقدم للدعم على الوقود الأحفوري في العالم، حيث أنفقت 69 مليار دولار في 2018.

إن حقيقة أنه على حكومة إيران الآن أن تخفض الهبة التي تعزّز قاعدة سلطتها بين المواطنين الأكثر فقرًا هي علامة صارخة على أن الاقتصاد يقترب من نقطة التصدع، حيث تضيّق العقوبات الأمريكية الخناق على صادرات النفط.

وفي خطاب بمدينة كرمان الأسبوع الماضي، اعترف الرئيس حسن روحاني أن الدولة تواجه "أصعب" أيامها منذ ثورة 1979، حيث تكافح من أجل بيع النفط في الأسواق الدولية وإبقاء أسطول ناقلاتها في حالة عمل.

ومن دون دخل النفط الوفير، بات دعم البنزين غير مستدام، وقد رفعت الدولة، يوم الجمعة، الأسعار بنسبة 50% وقالت إن سائقي السيارات سيتمكنون فقط من شراء 60 لترًا من البنزين في الشهر بسعر 13 سنتًا. وكل لتر إضافي سيتكلف 26 سنتًا.

في حين أن هذا لا يزال مبلغًا زهيدًا مقارنة بالسعر الأوروبي الذي يساوي 1.50 دولارًا للتر، فإنها زيادة ضخمة من 250 لترًا في الشهر التي كان الإيرانيون يشترونها بحوالي 8 سنتات للتر، وأثار الخبر غضبًا فوريًّا بين السائقين الإيرانيين، الذين كانوا يشعرون أن لهم الحق في إهدار البنزين كما لو أنه ماء الصنبور!

إن علامة الخطر للقيادة الإيرانية هي أن الموجة الأخيرة من السخط تبدو وأنها تجتاز مجموعة واسعة غير عادية من المجموعات الاجتماعية والإقليمية والعرقية، من العمال الفقراء الذين يتنقلون يوميًا عبر المدن في سيارات تاكسي مشتركة إلى الأكراد في غرب البلاد.

كان الإيرانيون العاديون يشتكون، سرًا، من سوء الإدارة الاقتصادية والفساد، لكنهم اتجهوا لإخفاء مشاعرهم عندما كان الغذاء والوقود رخيصين، والآن، تغيرت قواعد اللعبة.

والحرس الثوري يتدخل.. لا تزيدوا الفقراء فقرًا

مثلما هو الحال دائمًا مع الاحتجاجات في إيران، من الصعب تقدير ما يحدث بسبب القيود الفورية التي تفرضها الدولة على الإنترنت، لكن حجم الاضطراب يبدو مُقلقًا للحكومة.

وفي علامة على الطبيعة الشعبية للاحتجاجات، أوردت إذاعة فاردا المدعومة من الحكومة الأمريكية أن المحتجين في مدينة الأحواز الجنوبية يقولون إن البنزين مرتفع الثمن "سيزيد الفقراء فقرًا". ونشرت الكثير من المنافذ صورًا لطرق مسدودة وسيارات محترقة وحشودًا تهتف، كما نقلت إذاعة فاردا عن أشخاص في إيران قولهم إن عشرات المحتجين ماتوا، وأوردت أن بعض المتظاهرين هاجموا مقرات الأئمة والبنوك المرتبطة بالحرس الثوري. ونشر الموقع الإلكتروني لإذاعة فاردا صورة لملصق المرشد الأعلى وهو مشتعل بالنار، وهو من المحظورات الكبرى في إيران.

ووفقًا لقواعد اللعبة التقليدية، وصف خامنئي الاضطراب بأنه "عمل تخريبي" من الأعداء، ووصف المحتجين بأنهم "مثيرو شغب". وتحدد إيران في العادة الولايات المتحدة، وإسرائيل وبريطانيا على أنهم محركو الدمَى الذين يقفون وراء تلك الفتن. وأوردت وكالة أنباء إيرنا الرسمية أن الحرس الثوري اعتقل 150 "قائد مجموعة" في مقاطعة تقع غرب طهران، بعضهم "اعترف أن من عيّنه هم أشخاص مدربون من داخل وخارج البلاد".

وكتب وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو تغريدة تحمل رسالة دعم للمحتجين الإيرانيين، قائلًا إن: "الولايات المتحدة معكم". ولاقت هذه الرسالة الاستقبال الفاتر المعتاد في طهران، فيما رد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية عباس موسوي: "هذه التصريحات المنافقة تخلو تمامًا من التعاطف الصادق".

سنوات من انعدام الكفاءة

حتى لو أخمدت السلطات الاحتجاجات بحملة قمعية مشددة، فإن بقاءها على المدى الأطول سيعتمد على قدرتها على إيجاد المزيد من الأموال لتوزيعها، وبسرعة؛ حيث من المقرر إقامة الانتخابات البرلمانية في شهر فبراير المقبل.

إن الرد الرسمي من الحكومة هو أنها تحوّل دعم البنزين من السائقين الميسورين لكي تستطيع إعطاء النقود إلى ملايين الأسر الفقيرة، غير أن هشاشة الاقتصاد الإيراني – الذي يعاني بالفعل من مستوى بطالة مرتفع وتضخم متصاعد – تعني أن هذا سيكون شبه مستحيل. وتعتمد إيران بشدة على النقل البري، لذا فإن أسعار البنزين المرتفعة ستؤدي بلا شك إلى ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية على نطاق أوسع.

وهذا صراع خشيت منه القيادة الإيرانية دائمًا. ولسنوات، تعهدت طهران بمكافحة الآثار السلبية للدعم، لكنها لم تحرز تقدمًا بسبب الخوف من التداعيات. وفي الوقت نفسه، أثبت الدعم أنه لعنة.

إن البنزين ذا الثمن البخس يعني أن إيران تبدّد عائدات التصدير المحتملة الضخمة، وكذلك أيضًا تملأ مدنها بالضباب الدخاني المُسبب للصداع، كما أنه سينشّط تجارة التهريب، ويغذّي مستويات متفشية من الفساد، حيث وجد الإيرانيون طرقًا لشحن البترول الرخيص للخارج من أجل بيعه بأسعار مرتفعة.

كما كان دعم المياه كارثة أخرى! إن الحملة الفاشلة لتحقيق الاكتفاء الذاتي في الزراعة – في محاصيل مثل القمح – باستخدام المياه المدعمة في أراض غير مناسبة تعني أن الدولة تدمر مسارات المياه الرئيسية، وأن قطاعات كبيرة من الأراضي الإيرانية مُعرّضة لخطر الجفاف الدائم.

وبينما تلاحقهم الآن سنوات عدم الكفاءة الاقتصادية، يتعثر قادة إيران لكيلا يظهروا كمسئولين عن الضرر. وفي السياق قال روحاني إنه عارَضَ بنجاح زيادة مقترحة أعلى في أسعار البنزين، فيما أبعد خامنئي عن نفسه اللوم على هذا الإجراء، قائلًا إنه ليس "خبيرًا" في مثل تلك الأمور.

لكن كل ذلك لا يعني في النهاية أنهم لن يواجهوا العواقب.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات ترجمات رؤية

اضف تعليق