المنتدى الاقتصادي العالمي | كيف تؤثر الفجوة بين التكنولوجيا وصناعة القرارات على مستقبل العالم؟


٢١ نوفمبر ٢٠١٩ - ٠٧:٠٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

يعيش صنّاع القرار وأخصائيو التكنولوجيا في عالمين منفصلين إلى حد كبير. هي مشكلة قديمة كان قد أشار إليها العالِم البريطاني "تشارليز بيرسي سنو" في مقالة له عام 1959 بعنوان "الثقافتين".

وقد أطلق عليهما العلوم والدراسات الإنسانية، وأشار إلى هذا الانقسام بوصفه عائقًا كبيرًا لحل مشاكل العالم. كان ذلك المقال حينها مؤثرًا -  لكن بعد مرور ستين عامًا على كتابته، لم يتغيّر شيء.

عندما كان "سنو" يكتب مقالته، كانت نظرية الثقافتين إلى حد كبير عبارة عن ملاحظة مجتمعية مثيرة للاهتمام، واليوم أصبحت أزمة، فقد باتت التكنولوجيا اليوم متشابكة بعمق مع السياسة. نحن نبني أنظمة اجتماعية - تكنولوجية معقدة على المستويات كافة في مجتمعنا، أصبحت البرمجيات تعيق السلوك بكفاءة لا يستطيع القانون مضاهاتها. الأمر يتغير بسرعة، وأضحت التكنولوجيا تشكّل العالم الذي نعيش فيه، وليس بإمكان عملية صنع السياسات مواكبة ذلك. لقد أصبح فهم الأمور بطريقة خاطئة أمرًا كارثيًّا على نحو متزايد. إن القدرة على البقاء في المستقبل ستعتمد على الجمع بين أخصائيي التكنولوجيا وصُنّاع القرار.

ولنأخذ مثلا الذكاء الاصطناعي؛ تمتلك هذه التقنية إمكانية تعزيز عملية صنع القرار البشرية، وفي نهاية المطاف استبدال العمليات البشرية المعروفة بعدم موضوعيتها بأخرى أكثر نزاهة واتساقًا وسرعة وقابلية للتطوير.

لكن هذه التقنية لديها القدرة أيضًا على ترسيخ التحيّز وتقنين الظلم، والتصرّف بطرق غير مفهومة وغير مرغوبة. يمكنها أيضًا أن تتعرض للقرصنة بطرق جديدة، ما يمنح المهاجمين سواء كانوا مجرمين أو بلدانًا قدرات جديدة للتعطيل وإلحاق الأذى؛ إذًا كيف يمكننا تجنب أضرار الذكاء الاصطناعي والاستفادة في الوقت ذاته من ثماره؟ أو، بصورة أكثر تحديدًا، كيف ومتي يمكن للحكومات التدخل وتنظيم عمل هذه الصناعة التي يحرّكها السوق لحد كبير؟ إن الإجابة على ذلك تتطلب فهمًا عميقًا لأدوات السياسة المتوفرة للمجتمع الحديث ولتقنيات الذكاء الاصطناعي. 
          
لكن الذكاء الاصطناعي ليس سوى واحد من المجالات التقنية العديدة التي تحتاج إلى مراقبة سياساتية. نحن بحاجة أيضًا لمعالجة نقاط الضعف المهمة في مجال الأمن السيبراني في بنيتنا التحتية. نحتاج لفهم دور المنصات الإعلامية الاجتماعية في نشر المحتويات المثيرة للانقسام السياسي، وما يمكن أن تفعله التكنولوجيا وما لا يمكن لها أن تفعله في تخفيف ضرر هذه المنصات الإعلامية.

كما نحتاج لسياسة للتعامل مع تقنيات الهندسة الحيوية المتسارعة التقدم، مثل تعديل الجينوم والبيولوجيا التركيبية، حتى لا يتسبب هذا التقدم في خلق مشاكل لجنسنا وكوكبنا. نحن بالكاد نحاول إصدار قوانين تنظيمية تتعلق بمشاكل الطعام والماء والسلامة - ناهيك عن سياسات الطاقة والتغير المناخي. ستصبح الروبوتات قريبًا تقنية استهلاكية شائعة، ونحن لسنا مستعدين لها تمامًا.

إن معالجة هذه القضايا سيتطلب من صنّاع القرار وأخصائيي التكنولوجيا أن يعملوا معًا من القاعدة إلى القمة. نحتاج لأن نخلق بيئة ينخرط فيها أخصائيو التكنولوجيا في السياسة العامة، حيث يكون هناك مسار مهني لمن بات يُطلق عليهم "أخصائيو المصلحة العامة".

وهذا المفهوم ليس جديدًا. فهناك بالفعل مهنيون منخرطون في عالمي التكنولوجيا والسياسية في الوقت ذاته، هم قادمون من العلوم الاجتماعية ومن علوم الحاسوب، ويعملون في علم البيانات أو السياسة التكنولوجية أو علوم الحاسوب التي تركز على الجماهير. وقد عمل هؤلاء في إدارتي بوش وأوباما، أو في المجال الأكاديمي والمنظمات غير الحكومية. المشكلة أن أعدادهم قليلة للغاية، وهم حالة استثنائية. نحن نحتاج لأن نجدهم وندعمهم، ونطوّر من العمليات التي تخلقهم أيًّا كان نوعها.

وهناك جانبان لخلق مسار مهني قابل للتطوير لأخصائيي التكنولوجيا المهتمين بالشأن العام، وهما العرض والطلب، وعلى المدى الطويل، سيكون العرض بالتأكيد هو المشكلة الأكبر. فليس هناك عدد كافٍ من أخصائيي التكنولوجيا الراغبين في المشاركة في السياسة العامة، وسيصبح هذا أكثر أهمية مع تغلغل التكنولوجيا أكثر في مجتمعنا.

إن حل مشكة الطلب هذه، يتطلب إجراء تغييرات في المناهج التعليمية، من الطفولة حتى الجامعة وما بعدها، ويجب أن تتضمن برامج التكنولوجيا والعلوم دورات إلزامية في الأخلاقيات والعلوم الاجتماعية والسياسات والتصاميم التي تتمحور حول الإنسان. نحتاج إلى برامج دراسية مشتركة توفر لنا مناهج أكثر تكاملًا، ونحتاج إلى طرق لإشراك أشخاص ذوي خلفيات وقدرات واسعة التنوع، فضلًا عن أنه يجب أن نعزّز فرص الأعمال التكنولوجية المهتمة بالمصلحة العامة، كما ينبغي أن تكون الخدمة العامة جزءًا من العمل الأكاديمي، ويجب أن نخلق ونطوّر وندعم الأشخاص الذين ليسوا بالكامل أخصائيين تكنولوجيين أو صنّاع قرار، ويجب أن تكون تكنولوجيا المصلحة العامة خيارًا مهنيًّا محترمًا، حتى لو كان راتبها لا يضاهي مطلقًا الراتب الذي يمكن لأخصائي التكنولوجيا الحصول عليه في شركة تكنولوجية.

لكن بينما تعدّ مسألة العرض مشكلة صعبة، فإن مسألة الطلب تُعد كذلك مشكلة أكثر إلحاحًا. ففي الوقت الراهن، ليس هناك أماكن كافية للعلماء أو أخصائيي التكنولوجيا الراغبين في دخول مجال السياسة العامة، وتعاني الأماكن الموجودة من قلة التمويل، ويشعر الأخصائيون فيها بأنهم لا يحظون بتقدير. ليس هناك مواقع كافية في الوظائف التشريعية والوكالات الحكومية والمنظمات غير الحكومية أو في الصحافة. وليس هناك وظائف تدريسية أو برامج زمالة كافية في الكليات والجامعات، ولا يوجد ما يكفي من المشاريع التكنولوجية التي تركز على السياسات. باختصار، ليس هناك ما يكفي من صنّاع القرار الذين يدركون أنهم بحاجة إلى علماء وأخصائيي تكنولوجيا - يُفضّل الذين لديهم تدريب في مجال السياسيات - كجزء من فرقهم.

ومن أجل خلق سياسة تكنولوجية فعّالة، يجب على صنّاع القرار أن يفهموا التكنولوجيا بشكل أفضل. لسبب ما، لا ينظر مسئولونا المنتخبون إلى الجهل التكنولوجي باعتباره نقيصة، وهذه مشكلة. فلم يعد مقبولًا عدم فهم كيف يعمل الإنترنت وتعلّم الآلة، أو أي تقنيات أخرى مهمة.
هذا لا يعني أن يصبح صنّاع القرار خبراء تقنيين. لقد كنا نأمل منذ زمن طويل أن ينظّم مسئولونا المنتخبون عمل المجالات فائقة التخصص التي لا يفهمونها. لقد كان من السهل إدارة الأمور لأن هؤلاء المسئولين المنتخبين كان لديهم موظفون يفهمون في هذه المجالات، وينبغي أن يدرك صنّاع القرار أنهم يحتاجون إلى أخصائيين تكنولوجيين في فرق سياساتهم، وأن يقبلوا بالاستنتاجات العلمية الراسخة بوصفها حقيقة، ولم يعد مقبولًا أيضًا أن نقلّل من أهمية الخبرة التكنولوجية لمجرد أنها تتعارض مع تحيّزاتنا السياسية.

هذا، ويُعدّ التطور الذي شهدته سياسة الصحة العامة نموذجًا يُحتذى به. إن سياسة الصحة العامة هي مجال يتضمن خبراء سياسات يعرفون الكثير عن العلم ويواكبون الأبحاث الصحية، كما يتضمن علماء أحياء وباحثين طبيين يعملون بشكل وثيق مع صنّاع القرار. إن سياسة الصحة العامة هي في الأغلب تخصص في الجامعات التي تدرّس السياسات، ونحن نعيش في عالم تحظى فيه اللقاحات بقبول واسع وفهم كبير من جانب صنّاع القرار، وهذه اللقاحات مدوّنة في السياسات. إن سياساتنا بشأن الأوبئة العالمية تسترشد بخبراء طبيين، وهذا يخدم المجتمع جيدًا، لكن الأمر لم يكن دائمًا على هذا الحال؛ فلم تكن سياسة الصحة دائمًا جزءًا من السياسة العامة، وقد مرّ الناس بالكثير من الأزمات الصحية المروّعة قبل أن يفهم صنّاع القرار كيفية الحديث والاستماع إلى الخبراء الطبيين. واليوم أصبحنا نواجه وضعًا مماثلًا فيما يخص التكنولوجيا.

هناك قضية موازية أخرى هي قانون المصلحة العامة، حيث يعمل المحامون في كافة أقسام الحكومة والعديد من المنظمات غير الحكومية، ويصنعون السياسات أو يمارسون المحاماة للمنفعة العامة، ومن المتوقع أن يكرّس كل محامٍ يعمل في شركة محاماة كبيرة بعض الوقت لقضايا متعلقة بالمنفعة العامة، وهذا يُعد جزءًا من المسيرة المهنية المصقولة لأي محامٍ، ولا تنظر أي شركة محاماة باستنكار إلى أي محامٍ يخصّص سنتين من مسيرته المهنية للدفاع عن قضايا تخص المنفعة العامة، يجب على المسيرة المهنية التكنولوجية أن تبدو هكذا.

في كتابه "سياسات المستقبل"، يكتب "جايمي يوسكيند" ما يلي: "لقد هيمن سؤال مركزي على السياسات في القرن العشرين: إلى أي مدى ينبغي أن تحدد الدولة شكل حياتنا الجماعية، وما الذي ينبغي تركه للسوق والمجتمع المدني؟ بالنسبة للجيل الحالي الذي يقترب من النضوج السياسي، سيكون النقاش مختلفًا: إلى أي مدى ينبغي أن تخضع حياتنا لسيطرة وتوجيه الأنظمة الرقمية القوية، وتحت أي شروط؟
أنا أدرّس سياسة الأمن السيبراني في كلية كيندي لشئون الحكم في جامعة هارفارد. ولأن هذا السؤال يرتبط أساسًا بعلوم الاقتصاد، ولأن مؤسستي هي نتاج القرن العشرين وهذا السؤال، لذا فإن معظم موظفي هيئة التدريس في الكلية هم من علماء الاقتصاد. ولكن لأن سؤال اليوم مختلف، فقد باتت المؤسسة التي أعمل بها توظّف أخصائيين تكنولوجيين يركّزون على السياسات مثلي.

لو كنا صادقين مع أنفسنا، فإنه ما كان ينبغي لنا فصل التكنولوجيا عن السياسة. لكن اليوم، وسط ما بدأنا نطلق عليه "الثورة الصناعية الرابعة"، بات هذا الفصل أكثر خطورة، ولا شك أننا نحتاج لأن يدرك صنّاع القرار هذا الخطر، وأن يرحّبوا بالجيل الجديد من أخصائيي التكنولوجيا من جميع الاتجاهات للمساعدة في حل المشاكل الاجتماعية - التقنية المتعلقة بالسياسات في القرن الحادي والعشرين، كما ينبغي أن نجد طرقًا لإيصال التكنولوجيا إلى أروقة السلطة، ويجب أن تفتح السلطة الباب وتسمح بدخول أخصائيي التكنولوجيا.                  


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق