الصحافة الفرنسية| مخاوف من التخلي الأمريكي عن الشرق الأوسط.. وكيف تستعد إيران وإسرائيل للحرب؟


٠٢ ديسمبر ٢٠١٩ - ٠٥:١٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - محمد شما

فرنسا تنعي جنودها

بعد الحادث الأليم الذي ألمّ بالقوات الفرنسية العاملة في مالي، نشرت جريدة "لوفيجارو" أصداء هذا الحادث في الداخل الفرنسي؛ وذكرت أن رئيس أركان الجيش الجنرال "لوكوانتر" توجه إلى مدينة "جاو" في مالي، حيث لقي ثلاثة عشر جنديًا فرنسيًّا مصرعهم في تحطم لطائرة هليكوبتر عسكرية الأسبوع الماضي، وسيتم تنظيم حفل تكريم وطني لهم في الثاني من شهر ديسمبر الحالي.

ومن المقرر أن تذهب وزيرة الجيوش السيدة فلورنس بارلي هي الأخرى إلى هناك، حيث قالت: "نحن نشعر بالمسئولية تجاه حماية الأرواح". من جانبه علق الرئيس إيمانويل ماكرون عبر حسابه على تويتر قائلاً: "كان لهؤلاء الأبطال الثلاثة عشر هدف واحد فقط وهو: حمايتنا".

وكان ماكرون يخطّط لرسم ملامح استراتيجيته في مالي خلال الأسابيع المقبلة، غير أن هذه المأساة قد تؤدي إلى إثارة النقاش حول دور الجيش الفرنسي الذي يعمل في الساحل منذ ستة أعوام. ويعمل عدد كبير من جنود عمليتي سيرفال ثم بارخان - منذ عام 2014 - على إحلال الأمن في المنطقة التي تشهد تهديدًا بسبب المأزق السياسي الذي تعاني منه. وعلى الرغم من العمل العسكري الجاد لهؤلاء الرجال البالغ عددهم أربعة آلاف وخمسمائة فرد، يتدهور الأمن في مالي وبوركينا فاسو، وتتصاعد التوترات الاجتماعية والعرقية. يقول أحد المراقبين الميدانيين: "لا يهدف الجيش بهذه العمليات إلى التعويض عن إخفاقات دولة مالي، ودون هدف واضح، فمن المحتمل أن تظل القوات منغمسة في عملية لا نهاية لها بكل ما تتكبده من قتلى وتكاليف مترتبة عليها".

وبهذه العملية، سجّل الجيش للتو أكبر خسائره. وبذلك يرتفع عدد الجنود الذين قتلوا في الساحل إلى 41 منذ عام 2013. وعلى صعيد تيار اليسار، طالب حزب فرنسا شامخة بفتح مناقشة جادة وعقلانية للنظر في سبل الخروج من هذه الحرب، بينما أثارت التيارات السياسية الأخرى احترام لحظة الوحدة الوطنية القائمة.

من جانبها، أكدت "فلورنس بارلي"، وزيرة الجيوش الفرنسية، أن "الوقت ليس مواتيًا للتشكيك في جدوى العملية من عدمه". وفي الجمعية الوطنية، التي شهدت دقيقة صمت حدادًا على القتلى، دافع رئيس الوزراء إدوارد فيليب عن التواجد العسكري الفرنسي في منطقة الساحل، وقال: "من دون تواجود عسكري، ودون القدرة على مواجهة العدو، ودون القدرة على زعزعة استقرار مساراته ومخابئ أسلحته وقدرته على إعادة التجمع لا يمكننا ضمان تحقيق الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية في تلك المنطقة"؛ لذا فإن فرضية الانسحاب غير واردة، وتأمل فرنسا بدلًا من ذلك أن تتقاسم الأعباء مع الجيوش المحلية والشركاء الأوروبيين.

وحتى تحقيق هذا الأمر، يبقى الجيش الفرنسي هو الوحيد المهيمن على الساحة ويجب الثناء على عمله لفاعليته ضد الجماعات الإرهابية، لكن ثمة مخاوف داخل المؤسسة العسكرية من رد فعل من الرأي العام، وهو ما قد يتسبب بإضعاف موقف المهمة الفرنسية.

لماذا لا يزال الجيش الفرنسي يعمل في مالي؟

وفي السياق ذاته، أوضح موقع صحيفة "لوجورنال دي يمانش" السبب وراء استمرار العمليات العسكرية في مالي؛ فبعد نحو سبع سنوات من وصوله إلى مالي، تكبّد الجيش الفرنسي لتوّه أكبر خسائره هناك، وفيما يلي توضيح للسبب في أن فرنسا لا تزال تعمل في المنطقة.

تدخُّل بشكل طارئ في عام 2013

في شهر يناير 2013، أطلقت فرنسا عملية سيرفال بمشاركة ألف وسبعمائة جندي وطائرات حربية ومروحيات؛ بهدف منع تطور الجماعات الإرهابية التي تسيطر على شمال مالي ودعم الجيوش المحلية، لا سيما الجيش المالي في مواجهة احتمالية الهجوم على مدينة باماكو. وبالفعل نجحت العملية في غضون ثلاثة أشهر، وانسحبت الجماعات المسلحة. وفي أغسطس 2013، تم استبدال عملية سيرفال بعملية بارخان، التي تغطي كامل منطقة الساحل، وهي منطقة شاسعة تعادل مساحة أوروبا، وجرى نشر أكثر من أربعة آلاف رجل هناك.

الجمود في السنوات الأخيرة

وعلى الرغم من هذا التواجد، استمر العنف الجهادي في شمال مالي، وانتشر حتى وسط البلاد وكذلك في الدولتين المجاورتين بوركينا فاسو والنيجر. ولم تكن الجهود التدريبية التي بذلها كل من الاتحاد الأوروبي وبعثة الأمم المتحدة في مالي وعملية برخان لعدة سنوات كافية لتعزيز الجيوش المحلية، ولم تنجح إلا في إنشاء مجموعة الخمس الكبرى في الساحل والتي تضم: موريتانيا ومالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد. ولم تكن هذه القوات المسلحة قادرة على السيطرة على أعمال العنف، حيث تعرضت لخسائر فادحة أيضًا. وفي الوقت نفسه، لا يزال الوضع الاقتصادي في هذه البلدان هشًا للغاية. وعبر الاستفادة من الوضع واتساع المنطقة، تكاثرت العديد من الجماعات المسلحة، بما في ذلك جماعة دعم الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة وتنظيم داعش في الصحراء الكبرى. وإلى جانب عنف هذه الجماعات الإرهابية، عانت المنطقة أيضًا من العنف الطائفي.

فرنسا أمام معركة طويلة الأمد

وأمام هذا الوضع لم تستسلم فرنسا؛ حيث أقرت وزيرة الجيوش الفرنسية، خلال زيارة لها إلى الساحل، بصعوبة العملية، وقالت: "من الواضح أن الوضع الأمني صعب، لكن المعركة ضد الإرهاب هي معركة طويلة الأمد. ونحن متسلحون بالمثابرة والإرادة والأفكار الجديدة".

من جانبه، أضاف رئيس الوزراء الفرنسي إدوار فيليب قائلًا: "هذه معركة طويلة للغاية، والشق العسكري بمفرده لن يحقق النصر النهائي، لكنه يبقى ضروريًّا؛ فبدونه، ودون القدرة على مواجهة العدو، وزعزعة استقراره.. لا يمكننا ضمان تحقيق الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية"، ويتفق معظم الخبراء على أن الوجود العسكري الفرنسي في المنطقة سيستمر لسنوات.

فرنسا قلقة من التخلي الأمريكي عن الشرق الأوسط

من جانبها، أشارت جريدة "لاكروا" إلى التخوف الفرنسي والأوروبي من انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، حيث عبرت وزيرة الجيوش الفرنسية فلورنس بارلي مؤخرًا عن قلقها من التخلي التدريجي والمتعمد لواشنطن عن المنطقة؛ وهو ما نفاه مسئول عسكري أمريكي كبير.

فمنذ شهر مايو الماضي، ازدادت التوترات في الخليج بسبب الهجمات على ناقلات النفط قبالة السواحل الإماراتية والهجمات على المنشآت النفطية في السعودية، والتي نفت إيران مسئوليتها عنها، غير أنها اعترفت بإسقاط طائرة أمريكية بدون طيار تحلّق، وفقًا لروايتها، فوق مجالها الجوي، وتجنبت واشنطن اتخاذ أي إجراء انتقامي، حيث أعلن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" في اليوم التالي لتدمير الطائرة إلغاء الضربات الجوية ضد طهران في اللحظة الأخيرة.

وقالت بارلي في المؤتمر السنوي الخامس عشر لأمن المنامة الذي عُقد في العاصمة البحرينية: "لقد شهدنا تخليًّا تدريجيًّا ومتعمدًا من قبل الولايات المتحدة". كما تساءلت الوزيرة الفرنسية: "عندما غاب الرد عن الهجوم على ناقلات النفط، جرى إسقاط الطائرة من دون طيار. وعندما غاب الرد عن إسقاط هذه الطائرة، تم قصف أرامكو.. أين سينتهي المطاف؟ أين هي الأطراف التي تضمن الاستقرار؟!".

من جانبه، أعرب الجنرال "كينيث ماكنزي" قائد القيادة المركزية الأمريكية عن رفضه لهذا الوصف للاستراتيجية الأمريكية، وقال: "أنا لا أتفق مع نظرية التخلي أو الهروب هذه"، ويرى أن المنطقة "لا تمثّل على الأرجح الأولوية العالمية الأكبر لبلاده" لكنها "تظل مهمة للغاية". وأضاف المسئول الأمريكي: "لدينا حاملة طائرات في الموقع وقمنا بتعزيز المملكة العربية السعودية وأرسلنا قوات أخرى". وبدورها اعترفت بارلي بأن انسحاب واشنطن كان "تدريجيًّا"، مشيرة إلى وصول حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن إلى الخليج.

حليف موثوق للغاية

ووفقًا للبنتاجون، فإن حاملة الطائرات الأمريكية عبرت مضيق هرمز الأسبوع الماضي لإظهار "التزام" الولايات المتحدة بشأن حرية الملاحة البحرية في الخليج العربي، في عبور هو الأول في هذه المنطقة الاستراتيجية بين إيران والإمارات العربية المتحدة، منذ تدمير الطائرة الأمريكية من دون طيار في 20 يونيو في طهران.

ولا يزال لدى الولايات المتحدة نحو 60 ألف جندي في المنطقة، بما في ذلك جنودها في البحرين، موطن الأسطول الخامس، وتعد قاعدة العديد الأمريكية في قطر هي الأكبر في الشرق الأوسط. وفي إشارة إلى الانتخابات الرئاسية الأمريكية العام المقبل، قالت بارلي: " أعتقد أن التوجه إلى التخلي عن المنطقة واضح تمامًا بصرف النظر عمن سيفوز في الانتخابات المقبلة". من جانبه، قال وزير الدولة السعودي للشئون الخارجية عادل الجبير: إن الولايات المتحدة لا تزال "حليفًا موثوقًا به للغاية".

كما أشارت بارلي في حديثها إلى إطلاق واشنطن في وقت سابق من الشهر الماضي تحالفًا بحريًّا مقره البحرين يهدف لحماية الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي. وتدافع فرنسا بدورها عن مهمة أوروبية تكون قادرة على البدء في حماية الملاحة في القريب العاجل.

وقالت الوزيرة، في إشارة منها إلى العقوبات الاقتصادية المتزايدة التي تفرضها واشنطن على طهران: "نريد التأكيد على أن سياستنا تختلف عن السياسة الأمريكية المتمثلة في ممارسة الضغط الأقصى". وفيما يخص الاحتمال الكبير لاستخدام أسلحة كيميائية جديدة في سوريا، لا سيما في محافظة إدلب، قالت بارلي: "أنا مقتنعة أنه إذا جرى استخدام هذه الأسلحة مرة أخرى، فإن فرنسا ستكون على موعد مع الرد من جديد".

تركيا وقطر تُشكّلان جبهة مشتركة لمواجهة الدول العربية

من جهتها، سلّطت جريدة "ليزايكو" الضوء على ترؤس الرئيس التركي ر"جب طيب أردوغان" أعمال اللجنة الاستراتيجية الثنائية الخامسة بدولة قطر، حيث تربط الدولتان علاقات كراهية بدول الخليج العربي والشرق الأوسط؛ المملكة العربية السعودية ومصر في المقام الأول.

منذ عام 2017، تخضع قطر لحصار كامل، بري وبحري وجوي، لتحالف ثمانية دول عربية بقيادة الرياض، وبفضل الإمدادات التي قدمتها الطائرات والسفن التركية والإيرانية، تجنبت الدوحة هذا الخناق. وبعدما هرعت أنقرة إلى مساعدة الإمارة القطرية، خدمتها هذه الأخيرة أيضًا عندما تعرضت العُملة التركية للضغط في عام 2018 بسبب السياسة الاقتصادية غير التقليدية التي انتهجها أردوجان، وضخت 15 مليار دولار في الاقتصاد التركي. كما يجمع البلدان أيضًا اتفاقية دفاع منذ عام 2014، وزار أردوجان القاعدة العسكرية التي يبلغ قوامها خمسة آلاف فرد، والتي تحتفظ بلاده بها في قطر منذ ذلك الحين، فيما تطالب الرياض بإغلاقها.

الغاز الطبيعي في كل مكان

ومن المنتظر أن يوقّع الرئيس التركي أيضًا اتفاقيات تعاون مع الصديق القطري الذي يمتلك موردًا واحدًا، وهو الغاز الطبيعي، لكنه يُعد رابع أكبر منتج له في العالم، ولا تزيد مساحة أرضه عن مساحة قسمين في فرنسا، ويبلغ عدد مواطنيه 200 ألف مواطن فقط، بينما يبلغ عدد السكان به مليوني ونصف نسمة. وهذا يتيح لقطر تسجيل أعلى معدل للناتج المحلي الإجمالي للفرد في العالم.

لعبة جيوسياسية معقدة

ويعود السبب وراء حالة الإقصاء التي تعاني منها أنقرة والدوحة في العالم العربي إلى طموحهما في احتلال القيادة الأيديولوجية للعالم الإسلامي؛ فكلاهما يدعم تنظيم جماعة الإخوان المسلمين التي تعتمد أساليب منهجية للعمل في الغرب، كما تلعب تركيا دورًا يتعارض مع الدور الذي تلعبه الرياض في الحرب الأهلية السورية.

وعندما قام الجيش التركي بغزو الجزء الشمالي من سوريا، والذي يحتله الأكراد، أدانت جميع الدول العربية باستثناء قطر هذه العملية، كما تُعد الدوحة وأنقرة، بالإضافة إلى طهران، الدعمين الدوليين الوحيدين لحماس في الأراضي الفلسطينية. ومن ناحية أخرى، وبالرغم من تقارب قطر من إيران في مواجهة الحصار السعودي، تظل تركيا منافسة لطهران في الحرب الأهلية السورية. ولمزيد من الالتباس، حصلت أنقرة على منظومة الدفاع الصاروخي الروسية إس 400، والتي تَعتبرها الولايات المتحدة غير متوافقة مع العضوية في الناتو؛ وبالتالي تهدّد واشنطن أنقرة بالعقوبات بمجرد تفعيل هذه المنظومة، ورغم ذلك، شرعت أنقرة في اختبار المنظومة هذا الأسبوع.

ورغم كل ما سبق، يبدو أن ثمة تهدئة تلوح في الأفق، حيث يستدل المحللون على ذلك بوصول منتخبات كرة القدم السعودية والإماراتية والبحرينية إلى الدوحة لإقامة كأس الخليج. وترى سينزيا بيانكو، الباحثة المتخصصة في الشئون الخليجية لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الدولية، أنه "يجب قراءة زيارة أردوجان في سياق محاولة التهدئة بين قطر والمملكة العربية السعودية"، حيث يريد الرئيس التركي التأكد من أنه لن يتم على حساب علاقات بلاده مع الدوحة.


كيف تستعد إيران وإسرائيل للحرب؟

وأشار موقع "كوزير" الفرنسي إلى إرهاصات الحرب بين إيران وإسرائيل، فبينما تدفع الأولى عدوّها للوقوع في الخطأ، لا تعاني إسرائيل من نقص الإمكانات، وقد وقعت آخر الأحداث في 20 نوفمبر، حين أطلقت طهران أربعة صواريخ من قبل ميليشيات تابعة للحرس الثوري من قاعدة بالقرب من دمشق تجاه شمال إسرائيل.

وكان هذا هو الرد رقم 1000 على الهجمات الإسرائيلية التي تستهدف المشروع الإيراني الكبير لزيادة قدرات حزب الله اللبناني، حيث تعتزم طهران تحويل صواريخ حزب الله التي تضم قذائف غير دقيقة، لا سيما بعيدة المدى منها، إلى صواريخ أرض - أرض موجهة، وبالتالي تكون أكثر دقة. وبالنسبة لإسرائيل فإن هذه الثورة النوعية تعد خطًّا أحمر، غير أن هذه الخطوة الاستراتيجية تُعد حاسمة لتهديد أمن إسرائيل - وبالتالي واشنطن- دون أن تُعرّض نفسها للخطر.

إمكانات إسرائيل تبقى متفوقة

يعي الطرف الروسي جيدًا (المتسيد غير الأوحد لمجريات اللعبة في المنطقة) المصالح الإسرائيلية، فهو لن ينظر بشكل سيئ لضعف الوجود الإيراني في سوريا. ومع ذلك، فإن الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية تعيقه على المدى القصير؛ حيث تكشف عن دونية القوات السورية التي قامت موسكو بتجيهزها وتدريبها، وهو ما قد يظهر للبعض على أنه ضعف للسيطرة على الأوضاع من قبل بوتين. ولهذا السبب، كشف الروس عن مسارات المقاتلات الإسرائيلية، لا سيما في المجالات الجوية للأردن والعراق، وبهذه الطريقة جعلوا جميع الجهات الفاعلة تدرك أن ما بإمكانهم رؤيته بإمكانهم منعه.

وفي هذه اللعبة الصغيرة، تتمتع إسرائيل هي الأخرى ببعض القوة؛ فإذا كانت مصالحها الحيوية مهددة (وهو ما يجعلها عنيدة ويعطيها الدافع) تظل مواردها التكنولوجية والبشرية متفوقة إلى حد كبير، مقارنة بالميليشيات الإيرانية التي تبقى في أحسن الأحوال متواضعة من حيث عدم قدرتها على الطيران في الأجواء وضعف قدراتها المخابراتية. لكن للجمهورية الإسلامية ميزة مهمة وهي إمكانية الفشل دون أن تدفع ثمنًا حقيقيًّا، مع استمداد الربح السياسي والاستراتيجي من أقل نجاح تحققه ضد الدولة اليهودية! وبخلاف إسرائيل - المطالبة بعدم ارتكاب الأخطاء - يدرك الإيرانيون ذلك ويحاولون بصبر العثور على الخطأ الإسرائيلي.

دفع إسرائيل لارتكاب الأخطاء

وفي هذا الصراع بين الصبر والأداء، يمكن ملاحظة أقل تغيير: فبدلًا من المعاناة من آثار الهجمات وإعادة بناء ما دمرته إسرائيل، آثرت القوات الإيرانية في سوريا (وربما حكومة طهران) القيام بأعمال انتقامية. فلكل عمل تقوم به إسرائيل، يكون هناك رد فعل إيراني. وباتباع هذه القاعدة، تنفّذ إيران الهجمات على إسرائيل وتستمد الشرعية لها، وهذا يعكس بعض التوترات في الداخل الإيراني.

لقد أدت التوترات في العراق، ومؤخرًا في إيران، والضغوط الاقتصادية التي مارسها دونالد ترامب، إلى اعتقاد بعض الممثلين الإيرانيين في الحاجة إلى مزيد من المخاطرة لخلق الفرص عن طريق دفع إسرائيل إلى ارتكاب الأخطاء، فعندما لا يكلف الفشل الكثير، يمكن مواصلة العمل على دفع الخصم نحو ارتكاب الأخطاء.

وفي هذا السياق، يجب أن نفسّر جملة لـ"نـفتالي بينيت"، وزير الدفاع الإسرائيلي الجديد، في واحدة تصريحاته التي لم يلاحظها أحد حين قال: "لقد تغيرت قواعد اللعبة، وكل من يطلق النار على إسرائيل لن ينام ليلًا.. ورسالتنا إلى القادة الإيرانيين بسيطة وهي: أن مسئوليتهم الشخصية قد بدأت من الآن، وفرصة إفلاتهم من العقاب انتهت".

طهران تحت الضغط

إذًا، نحن بين منطقين قويين: فمن ناحية، الرغبة في تحسين أسلحة حزب الله والحفاظ عليها انتظارًا لفرصة عظيمة، وتهدئة بعض الحماس. ومن ناحية أخرى، فإن الخوف من رؤية هذا الخيار الاستراتيجي مرتبطًا باستقرار الحكم في لبنان يدعو الآخرين إلى الرغبة في استخدامه في مناسبة أقل جدية ... بدلًا من رؤيته يتلاشى دون الاستفادة منه على الإطلاق! وإذا أخذنا في الاعتبار الضغط الكبير الذي تسببه التوترات المحلية الناجمة عن العقوبات الأمريكية، وصعوبات حلفائهم في بغداد، فيمكن القطع بوجود توجه حقيقي نحو التصعيد في طهران. وكل شيء بات يعتمد على توازن القوى داخل النخبة الإيرانية.

ويستمد المتشددون من الحرس الثوري، المنتشون بفضل نجاحهم في اليمن والحرب الأهلية السورية، شجاعتهم من الاستجابة المترددة من جانب الولايات المتحدة، لا سيما بعد الهجوم على موقع أرامكو السعودية في سبتمبر الماضي. إنهم يرغبون في الاستمرار في استراتيجيتهم المتمثلة في التقويض والحرب من خلال الوسطاء. أما خصومهم، الذين ليسوا معتدلين بالضرورة، فيخشون من استيلاء الحرس الثوري على السلطة؛ حيث إن الحرس الثوري لا يستطيع التخلي عن مشروعه السوري اللبناني دون دفع ثمن باهظ في قمة السلطة. وفي الوقت نفسه، يشعرون بالحاجة إلى تسريع الأمور لأن الوقت بدأ ينفد؛ لكن إسرائيل ستواصل منعهم ولو بالقوة. وتعد الزيارات الأخيرة التي قام بها مسئولو الدفاع الأمريكيون إلى إسرائيل بمثابة مؤشرات على أن ثمة اعتقاد في واشنطن أيضًا بأن المنطق العميق لاستراتيجيات المعارضة والمخاطر الحيوية للجهات الفاعلة الرئيسية يجب أن يؤدي - عاجلاً أو آجلاً - إلى حرب مباشرة بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات رؤية ترجمات

التعليقات

  1. ثورى1 ٠٢ ديسمبر ٢٠١٩ - ٠٧:٠١ م

    تزول تلك المخاوف بان تقود فرنسا ومعها المانيا واوروبا باعادة بناء وتقوية الناتو بعيدا عن الولايات المتحده ان لزم الامر مش فاضى لاعطاء دروس هنا لماكرون لانه مايسمع الكلام انت ماتسمع الكلام ماكرون هاه

  2. استراتيجى1 ٠٣ ديسمبر ٢٠١٩ - ٠٣:٥٣ ص

    انما ان تقوم اوروبا باصدار مهازل القاره العجوز المفككه بخيانة زعاماتها وتكون هناك تصريحات من الاتحاد الأوروبي تلمح الى انها تدرس تقديم المساعدة لإيران لتجاوز العقوبات---هنا فلا حاجه لاوروبا ولاللناتو ولالاميركا فليغادرو جميعا الشرق الاوسط فورا وسوف يتم حل جميع الامور الشائكه بالمنطقه --ويذهبو الى تل ابيب قبل ان تلقيها ايران بالبحر

اضف تعليق