ذا ويك| الهند تدخل عصرًا جديدًا من الظلام


٠٣ ديسمبر ٢٠١٩

ترجمة - آية سيد

عندما كانت الهند بائسة اقتصاديًّا، كانت حينها بقعة سياسية وروحية مضيئة ضمنت الحريات الأساسية لشعبها ووفرت ملاذًا للغربيين الساعين وراء الحكمة الروحية والسلام. لكن تحت حكم رئيس الوزراء "ناريندرا مودي"، تراجعت الهند للوراء على جميع الأصعدة: يشهد اقتصادها سقوطًا حرًا (انخفض معدل النمو لأدنى مستوى له منذ ست سنوات، وارتفعت البطالة لأعلى مستوى لها منذ 45 عامًا)، وأصبح نظامها السياسي استبداديًّا، وباتت ديانتها المهيمنة، الهندوسية تشهد تعصبًا متزايدًا.

لكن الأمر الأكثر إحباطًا هو أن هذا البلد فَقَدَ رغبته في محاربة الانحدار نحو الظلام، ويتجلّى ذلك بشدّة في ردّ الفعل الضعيف على حدثَين وقعا في الأسابيع القليلة الماضية؛ الحدث الأول يتعلق بنفي أحد الصحفيين، والحدث الثاني هو حُكم أصدرته المحكمة العليا في قضية مسجد "بابري" المستمرة منذ 27 عامًا والمتعلقة بأراضٍ يزعم كل من المسلمين والهندوس ملكيتهم لها.

في تصرف استبدادي فظ، جرّدت حكومة مودي الصحفي "أتيش تاسير" من جنسيته كمواطن من وراء البحار، وهي تشبه البطاقة الخضراء، وهو ما يعني عمليًّا نفيه من البلاد التي ترعرع فيها. الموقف الرسمي يفيد بأن الصحفي "تاسير"، الذي وُلد في إنجلترا لأم هندية وأب باكستاني، مارس الاحتيال بسبب عدم كشفه عن أصول والده في طلبه للحصول على الجنسية الهندية. إن هذا الاتهام سخيف للغاية نظرًا لأن "تاسير" مولود في أسرة عريقة تاريخها معروف للجميع منذ عقود.

في الواقع، فإن والد "أتيش"، سلمان تاسير، الذي لم يلتق بابنه حتى بلوغه سن الحادية والعشرين، كان حاكم إقليم البنجاب في باكستان، كما أن اغتيال "سلمان تاسير" عام 2011 على أيدي متعصبين مسلمين بسبب مواقفه الإصلاحية التقدميّة ومعارضته الشرسة لقوانين التجديف في باكستان، تصدّرت عناوين الأخبار الدولية، وفي غضون ذلك، فإن والدة "أتيش"، تافلين سينغ، التي لم تتزوج والده وجلبت "أتيش" معها إلى الهند عندما كان طفلاً، هي صحفية هندية مشهورة ربما ساعدت "مودي" أكثر من أي شخص آخر للوصول لمنصب رئاسة الوزراء، هي سيخية و"ليبرالية". لكنها اختلفت مع مجتمعها وأقرانها من أجل دعم "مودي" منذ البداية. كتبت "تافلين" عمودًا صحفيًّا تلو الآخر تدعم فيه موقف مودي القائل إن حزب المؤتمر الحاكم كان وراثيًّا وفاسدًا ومتورطًا في المحسوبية ويستحق أن يُطاح به من السلطة. وذكرت "تافلين" أن مودي، الذي تحدث كثيرًا عن التنمية الاقتصادية، يستحق فرصة، بالرغم من إشرافه على مذبحة تعرّض لها المسلمون في ولاية "غوجارات" حينما كان في منصب رئيس حكومتها.

 
حسنًا؛ ما الذي فعله الصحفي "أتيش تاسير" الذي يقضي وقته بين نيويورك ونيودلهي لكي يستحق النفي من الهند؟ لقد اختلف مع والدته وكتب مقالةً نُشرت على صدر مجلة "تايم" عشية إعادة انتخاب مودي في مايو الماضي، بعنوان "المُقسِّم الأعلى" انتقد فيها مودي بسبب تأجيجه للنزعة الهندوسية الانتقامية، وغضّه الطرف عن العنف الهندوسي المتزايد ضد الهنود المسلمين.

أما والدته المتألمة فباتت الآن تدين حكومة مودي ولا تَعتبرها فقط خاطئة ولكن شريرة أيضًا، غير أن مودي استهدف ابنها تحديدًا للتذكير بأن منتقديه لن يكونوا محصنين من غضبه.

إن نفي الصحفي "تاسير" دفع (260) شخصية بارزة خارج الهند لتوقيع عريضة تطالب حكومة مودي بالتراجع عن قرارها. لكن داخل الهند، كان الردّ ضعيفًا نسبيًّا، حيث كانت هناك بعض المقالات الناقدة للقرار، معظمها في صحف مناهضة للحكومة، لكن هذه المقالات ليست قريبة حتى من مشاعر التقزز والانزعاج التي يجب التعبير عنها لإدانة هذا القرار؛ ونظرًا لعمليات الاغتيال التي طالت صحفيين وأشخاص مناهضين للتعصب الهندوسي، باتت وسائل الإعلام الهندية فيما يبدو معتادة أو خائفة من معارضة مودي بشراسة، وهذا ما يريده الأخير بالضبط.
  
لكن لو كان رد الهند الضعيف على قضية الصحفي "تاسير" مُقلقًا، فإن الحكم المهم الذي أصدرته المحكمة العليا هذا الشهر بخصوص قضية مسجد "بابري" مثير للاستياء بحق! وقد بدأت هذه القضية في عام 1992 عندما قاد زعماء حزب مودي "بهارتيا جانتا" مسيرة من متطوعين هندوس نحو مسجد "بابري"، الذي يعود تاريخه للقرن السادس عشر، حيث أثار زعماء الحزب المتظاهرين وحرّضوهم على هدم المسجد بأيديهم العارية، فيما استقل "مودي"، الذي كان حينها سياسيًّا مبتدئًا، إحدى المركبات المتجهة نحو المسجد. وتزعم رواية حزب "باهراتيا جاناتا" أن المسجد بُني بطريقة غير شرعية في المكان الذي وُلد فيه الإله "رام"، وهو أحد أقدس الآلهة الهندوسية، على أيدي حاكم مسلم تعمّد هدم المعبد الهندوسي.

إن الحل الوحيد المناسب لهذه القضية كان إرجاع أراضي المسجد إلى مجلس "المسلمين السُنّة" الذي كان يمتلك المسجد قبل تدميره، بيد أن ذلك لم يحدث، وعوضًا عن هذا، فإن قرار المحكمة الذي اتُّخذ بالإجماع والمكوّن مما يزيد على ألف صفحة، ألغى حكمًا أصدرته محكمه أدنى أوصى بتقسيم الأراضي بين الهندوس والمسلمين؛ لأن غير ذلك سيكون مضرًا بـ "السلم والهدوء العام". وسلّمت المحكمة العليا الموقع بأكمله لحكومة مودي للإشراف على بناء معبد هندوسي. بعبارة أخرى، سمحت المحكمة للاعتبارات السياسية وليس القانونية أو حكم القانون للتأثير على قرارها.


كان ينبغي أن يثير ذلك القرار غضبًا عامًا، لكن الغريب أنه حتى الليبراليين العلمانيين المعارضين للقومية الهندوسية بدوا وكأنهم غير منزعجين من الحُكم لأن المحكمة أقرّت على الأقل أنَّ هدم المسجد في البداية كان عملًا من أعمال "التخريب السياسي" الذي يستحق التعويض، ولجأت المحكمة للمادة 142، وهي عبارة عن قانون يمنح المحكمة صلاحيات واسعة لتطبيق "العدالة" وإصدار أمر بتسليم قطعة أرض توازي ضعفي قطعة الأرض الأصلية لمجلس المسلمين السُنّة من أجل بناء مسجد في مكان آخر.

وتعاملت المحكمة مع القضية بوصفها نزاعًا على المِلكية، رافضة فكرة أن الهندوس يستحقون الموقع لمجرد أنه يكتسي أهمية دينية لهم؛ لكن ما هدّأ من روع الليبراليين حقًّا هو تأكيد المحكمة على أن قضية مسجد "بابري" لن تشكّل سابقة لأي عمليات استيلاء على مساجد في المستقبل، وذلك بالنظر إلى أن الهندوس يزعمون ملكيتهم حرفيًّا لآلاف من المباني الإسلامية، من بينها "تاج محل". كيف هذا؟ أشارت المحكمة إلى أن قانون دُور العبادة لعام 1991 يتطلب من البلاد المحافظة على الوضع الذي كان قائمًا في الوقت الذي حصلت فيه الهند على استقلالها من بريطانيا عام 1947. مع ذلك، فإن هذا القانون استثنى مسجد "بابري" من نطاق اختصاصه لأن المسجد كان محل دعوى قضائية مُقامة منذ زمن طويل، ومن الحماقة الظن أن مودي، الذي يسيطر حزبه على غالبية كبيرة في البرلمان، سيواجه صعوبة في إلغاء قانون عام 1991 لتمهيد الطريق للاستيلاء المنظّم على دور العبادة الإسلامية.

بعبارة أخرى، فإن القوانين القائمة لا تمثل مطلقًا عائقًا أمام طموحات القوميين الهندوس المتطرفين في ظل حكم مودي. ولنتذكّر أنه خلال الأشهر الستة التي أعقبت إعادة انتخابه، ألغى مودي الحكم الذاتي المنصوص عليه في الدستور لولاية كشمير ذات الغالبية المسلمة، وما يزال قادة الولاية تحت الإقامة الجبرية، كما اتخذ مودي أيضًا قرارًا غير مسبوق بتجريد ملايين المسلمين في ولاية "أسام" من جنسيتهم، وأكّد وزير داخليته "أميت شاه" في هذا الشهر أن حكومته تُخطّط لتطبيق هذا القرار على المستوى الوطني قبل انتخابات عام 2024.

إن الرد الوطني - أو غياب هذا الرد من الأساس - على قضية الصحفي "تاسير" وقرار المحكمة العليا بخصوص المسجد، يُظهر أن الرادع الوحيد للطموحات الهندوسية القائمة على حُكم الأكثرية في الهند في عهد مودي، ليس قانونيًّا أو سياسيًّا، لكن هذا الرادع يتوقف على إرادة مودي وخططه. وإن لم يستطع "تاسير" الاحتفاظ بجنسيته وبحق في التعبير الحر عن رأيه، فمن الصعب تخيل أن يتمكّن مسلمو الهند (البالغ عددهم 140 مليون نسمة) من الاحتفاظ بحقوقهم وجنسيتهم.

لقد مرّت فترة وجيزة في عِقد التسعينيات بدا فيها أن الهند ستحرّر اقتصادها ليتماشى مع نظامها السياسي الليبرالي، غير أن العكس يحدث الآن، إذْ أُصيب الليبراليون بوهن شديد جعلهم غير قادرين على وقف هذا التدهور، وصار الاستبدادُ يحقّق انتصارات في جميع الجبهات بالهند.                    


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات رؤية ترجمات

اضف تعليق