وور أون ذا روك | الأمن الأوروبي في أزمة.. ماذا سيحدث إذا انسحبت أمريكا من حلف الناتو؟


٠٧ ديسمبر ٢٠١٩ - ١١:٣٢ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس

مع حلول فبراير 2021، وبعد بضعة أشهر من إعادة انتخابه رئيسًا للولايات المتحدة، سيعلن دونالد ترامب أن الناتو بات عتيقًا، كما سيعلن انسحاب بلاده منه، وسيسحب جميع القوات الأمريكية (الأفراد والمعدات العسكرية)، بما في ذلك الأصول الدفاعية النووية والصاروخية من أوروبا في أقرب وقت ممكن.

كان هذا السيناريو هو الكابوس العالق في أذهان العديد من مسئولي وخبراء السياسات الأمنية، منذ أن نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" في يناير 2019 أن ترامب تحدث عدة مرات طوال عام 2018 عن رغبته في الانسحاب من الحلف.

لقد أصدر الكونجرس وأقر قانون دعم الناتو، الذي يحظر استخدام التمويل لإخراج الولايات المتحدة من منظمة حلف شمال الأطلنطي. ومع ذلك، لا يمكن استبعاد احتمال هذه الخطوة بالكامل.

كانت تأملات ترامب بشأن انسحاب الناتو بمثابة دعوة للاستيقاظ للبعض في أوروبا، حيث يحتاج الأوروبيون بشكل عاجل إلى تحمُّل مسئوليات أكبر تجاه أمنهم.

هذا الإدراك هو أحد الأسباب التي تجعل التعاون الوثيق في مجال الدفاع ودرجة أكبر من الحكم الذاتي الاستراتيجي على رأس جدول أعمال الاتحاد الأوروبي.

لكن: هل الأوروبيون قادرون على الدفاع عن أنفسهم؟  وكيف سيفكرون في دفاعهم دون الولايات المتحدة؟

وفي هذا الصيف، سعت لعبة سياسية أعدتها مؤسسة "كوربر شتيفتونج" الألمانية والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية للإجابة على هذه الأسئلة في برلين. تناولت خمس فرق قُطرية (تضم خبراء من فرنسا وألمانيا وبولندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة) سيناريو خياليًّا تضمّن انسحابًا أمريكيًّا من الناتو، تليه أزمات في دولة عضو في الناتو في غرب البلقان وعبر أوروبا الشرقية.

فكيف سيكون رد فعل الأوروبيين على مثل هذا السيناريو؟ ما الخطوط الحمراء والمصالح والأولويات للجهات الفاعلة المعنية؟ كيف يمكن للأوروبيين تنظيم دفاعهم إذا ما انسحبت الولايات المتحدة من الناتو، وما الدور الذي يمكن أن تلعبه الولايات المتحدة في الأمن الأوروبي بعد الانسحاب؟

كانت نتائج اللعبة واقعية، مع عدم وجود اتجاه صعودي واضح لأي من الفرق المشاركة. في حين أن تمرين المحاكاة لمرة واحدة، قدّم نظرة ثاقبة في مصالح وتفضيلات الدول الأعضاء الأوروبية. في بداية لعبة السياسة، تبنّت معظم الفرق الأوروبية نهج "الانتظار والترقب" الذي يركّز على إقناع الولايات المتحدة بالعودة إلى حلف الناتو، وتقديم تنازلات لم تكن متوقعة من قبل (من التجارة إلى الطاقة).

ويبدو أن الرسالة المؤسفة الناتجة عن هذه اللعبة للعلاقات عبر الأطلسي هي أن التهديد بالتخلي عن الناتو قد يؤدي بالفعل إلى بعض النتائج.

لم يبدأ الأوروبيون في اتخاذ خطوات استباقية إلا بمجرد تدهور الوضع الأمني في السيناريو بشكل كبير، وعندما أصبح من الواضح أن قرار الانسحاب الأمريكي –  على الأقل في هذه المحاكاة  –  كان لا رجعة فيه. ففي مواجهة أزمة حدثت لدولة عضو في حلف الناتو في غرب البلقان (كما في سيناريو حدوث انقلاب موالٍ لروسيا مع وجود سفن حربية روسية تمنع الوصول إلى البحر المتوسط)، توقّعت معظم الفرق أن أعضاء الناتو الباقين سوف يسعون للموافقة على استدعاء مبدأ الدفاع الجماعي بموجب المادة 5 في سيناريو المنطقة الرمادية.

وبدلاً من ذلك، فإن الاحتجاج بالمادة 4 (التي تتضمن مشاورات فقط في حالة تهديد أمن أو استقلال دولة عضو في الناتو) المقترنة بعقوبات على روسيا، كان الرد القوي داخل الائتلافات المخصصة هو الوسيلة المفضلة للعمل. ولكن من دون ضمانات أمنية أمريكية، يبدو أن مصداقية المادة 5 والتزام الدفاع المتبادل مشكوك فيهما.

ثم تزداد الأمور سوءًا؛ في حالة حدوث تصعيد في الشرق (حادث يشبه أزمة الصواريخ الكوبية، والذي يتضمن نسخة طويلة المدى من صاروخ كروز أرض أرض من طراز SSC-8 يزيد مداه عن 4500 كم غرب روسيا)، تم تحديد النقص الأوروبي خاصة في مجال الدفاع الجوي والصاروخي باعتباره خطرًا وجوديًّا على الدول الأوروبية التي ليس لديها قدرات نووية بعد أن سحبت الولايات المتحدة جميع الأصول الدفاعية النووية والصاروخية في هذ السيناريو. وبالنظر إلى أن سد هذه الفجوات يتطلب استثمارات طويلة الأجل؛ فمن المرجح أن تظل أوروبا لسنوات قادمة عرضة لمثل هذا السيناريو.

وبالنسبة لألمانيا، والتي سيمثّل انسحاب الولايات المتحدة من الناتو تهديدًا أمنيًّا وجوديًّا لها، فقد اقترح الفريق الألماني استكشاف إمكانيات معاهدة آخن الفرنسية الألمانية لعام 2019، ومطالبة فرنسا والمملكة المتحدة بتوسيع مظلاتهما النووية إلى دول أوروبية أخرى. ورغم أن تطوير قدرة أسلحة نووية ألمانية يعدّ خيارًا غير مرجح بسبب المعارضة الداخلية، إلا أن توسيع المظلة النووية البريطانية والفرنسية سيكون بتكلفة كبيرة. إن مناقشة تقاسم الأعباء ستعود إلى أوروبا، وسيظل الردع النووي بمثابة السؤال المحير في الأمن الأوروبي، وإذا فشل توسيع المظلة النووية البريطانية والفرنسية، تتوقع بعض الفرق انتشار الأسلحة النووية في أوروبا.

وعندما يتعلق الأمر بالأطر المؤسسية، فمن المنظور الفرنسي، سيكون الناتو ميتًا من دون الولايات المتحدة، حيث فضّل الفريق الفرنسي إنشاء هيكل دفاع جماعي جديد يركز على الاتحاد الأوروبي على المدى الطويل، مع وجود جهات فاعلة أخرى تابعة على أساس ثنائي، وقوبل هذا الموقف بالشك، لا سيما من الجانب البريطاني والبولندي، فيما أصرت ألمانيا وبولندا والمملكة المتحدة على ضرورة الحفاظ على هيكل قيادة الناتو بعد انسحاب الولايات المتحدة وتوفير إمكانات للولايات المتحدة "للاشتراك" في أي هيكل أمني في المستقبل.

المملكة المتحدة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكسيت)، على النحو المتصور في السيناريو، ستَعتبر نفسها جهة فاعلة رائدة في الأمن الأوروبي، مستعدة وقادرة على تشكيل بنية الأمن المستقبلية في أوروبا، ونظرًا لقدراتها الدفاعية الكبيرة، رأى فريق المملكة المتحدة أن بلده في موقف تفاوضي قوي وكان يشكك في القيادة الفرنسية والألمانية فيما يتعلق بقضايا الدفاع، وكانت الخطوط الحمراء البريطانية كما يلي: لا للجيش الأمريكي، لا للتحالف مع الاتحاد الأوروبي أو، كما قالوا، تريد المملكة المتحدة تصوغ سياسة الأمن الأوروبي، وليس فقط التوقيع على خط متقطع.

وبصفته ممثلًا لأعضاء دول شرق أوروبا الأشد ضعفًا في الناتو، لم يثق الفريق البولندي في قدرة أوروبا على تنظيم دفاع جماعي، وكان يميل إلى إبرام صفقات ثنائية مع الولايات المتحدة. وكما قال الفريق البولندي: إن الجهة الشرقية يجب أن تكون آخر مكان تنسحب منه الولايات المتحدة، فيما كانت النتيجة المحتملة هي "ثنائية" الأمن والدفاع مع الولايات المتحدة، بما في ذلك الضمانات الأمنية الثنائية. ومن المثير للاهتمام أن جميع الفرق رفضت المبادرات الروسية لحل النزاع في مقابل تقديم تنازلات بشأن الأمن، مثل صياغة معاهدة أمنية أوروبية تستند إلى مقترحات ميدفيديف لعام 2008، وهذا يدل على أن روسيا لم تكن تعتبر مزود أمن موثوق به في أوروبا، على الرغم من الشكوك بأن ألمانيا قد تميل إلى الدخول في حوار مع روسيا حول هذا الشأن.

وبالنسبة لفريق الولايات المتحدة، لم يعد دعم الأمن الأوروبي خيارًا، حيث شعر الفريق أنه يتعين على الأوروبيين وضع كل شيء على طاولة الضمانات الأمنية، من التجارة إلى التوافق السياسي فيما يتعلق بإيران والصين. وقال الفريق الأمريكي إن الدول التي تهتم ستجد وسيلة لإبقاء الولايات المتحدة منخرطة، وأن أوروبا يجب أن تأخذ زمام المبادرة في إدارة أزمات القارة. وفي هذا السيناريو، يبدو أن علاقة المعاملات هي الوضع الطبيعي الجديد في العلاقات الأمريكية الأوروبية، ومع ذلك فقد خاب أمل الأوروبيين لأنهم كانوا يأملون في استمرار وجود مصلحة أمريكية استراتيجية في أوروبا وشراكة قائمة على القيم. في المقابل، ركز الفريق الأمريكي في اللعبة بشكل أساسي على صفقة عادلة تتناول كلًّا من قضايا الدفاع والتجارة.

وبالتفكير في التداعيات الأوسع نطاقًا للعبة السياسة، يصبح من الواضح أنه من دون ضمانات أمنية أمريكية، سرعان ما جرى تحدي مبادئ الوحدة الأوروبية والتضامن المتبادل، وأن أوروبا كانت ستصبح عرضة لخطر الانقسام إلى معسكرات مختلفة. في حين أن الأوروبيين كانوا على استعداد من حيث المبدأ لتنظيم دفاعهم، فإن النقص في القدرات العسكرية حال دون اتخاذ إجراء ذي معنى وأدى إلى ظهور سريع للانقسامات، ويمكن أن يحدث هذا أيضًا في ظل ظروف أقل من انسحاب الولايات المتحدة، مثل خفض وضع قواتها الأوروبية أو استعدادها للمشاركة، وأي درجة من الالتزام الأمريكي المنخفض من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم الانقسامات الأوروبية.

ما الذي يجب على الأوروبيين فعله للتصعيد ومنع تلك النتيجة؟ فيما يلي بعض التوصيات التي ظهرت خلال لعبة السياسة هذه:
1-    إشراك الجمهور في نقاش مستمر حول الأمن والدفاع في أوروبا. ولن يترجم هذا التواصل الاستراتيجي بالضرورة إلى دعم لخيارات السياسة المحددة التي تقدمها الحكومات، ولكنه سيكون بمثابة حصن ضد المعلومات الخاطئة، وكذلك المناقشات الشعبية وتعزيز المرونة المجتمعية.

2-    التفكير فيما لا يمكن التفكير فيه. هناك عنصران مهمان للغاية بالنسبة لقدرة الأوروبيين على الدفاع عن أنفسهم، وهما هيكل قيادة الناتو والردع النووي الموسع الذي توفره الولايات المتحدة، وإذا ما تم سحبها أو تفكيكها، فسيتعين على الأوروبيين تقديم بدائل على الفور.

3-    الاستثمار في القدرات العسكرية الأوروبية وآليات نشرها، وهذا ضروري للتحوط ضد فك الارتباط الأمريكي مع توفير حصة أكبر من القدرة الجماعية لحلف الناتو، وذلك من شأنه أن يجعل من غير المحتمل أن تقرر واشنطن الخروج بينما تجعل أوروبا أكثر اكتفاءً ذاتيًّا في حالة الانسحاب الأمريكي.

4-    تعزيز الجهود لطمأنة الدول الأعضاء في أوروبا الشرقية، وينبغي التعبير عن التضامن الأوروبي من حيث الالتزامات القابلة للقياس لأمن تلك الدول. وبالفعل، تشكل تصورات التهديد المتباينة مصدر ضعف، سواء بالنسبة لحلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي.

5-    الاعتراف بأن بناء القدرات العسكرية الأوروبية وخلق موقف مقنع للردع والدفاع سيستغرق أكثر من عشر سنوات، وسيتطلب استثمارات مالية مستدامة، كما أنه لا توجد اختصارات للمصداقية.

6-    أخيرًا، إذا واجهت أوروبا موقفًا عندما تنسحب الولايات المتحدة بالفعل من الناتو، فيجب أن توفر الهياكل الأمنية الأوروبية المعدلة والمعززة آليات للولايات المتحدة للمساهمة في الأمن الأوروبي على أساس "التوصيل والتشغيل".

وعلى المدى القصير، سيساعد هذا في الحفاظ على انخراط الولايات المتحدة، والحفاظ على تركيز الأوروبيين على قابلية التشغيل العسكري مع الولايات المتحدة، وتيسير الحد الأقصى من التماسك السياسي عبر المحيط الأطلنطي. أما على المدى الطويل، فقد يقلل من العقبات أمام إعادة الانخراط، وسيكون بمثابة تذكير مهم بإمكانية عكس مردود أي شيء حتى الانسحاب نفسه.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا