آسيا تايمز | كيف ستتأثر دول آسيا بانتخاب مفوضية أوروبية أكثر صرامة؟


١٣ ديسمبر ٢٠١٩

ترجمة - شهاب ممدوح

تتعهّد القيادة المُنصّبة حديثًا في الاتحاد الأوروبي بممارسة دور أكثر قوة وحزمًا في الشئون العالمية، بعد أعوام من لعب دور هامشي. وملمحًا إلى حدوث تحوّل في سياسة الاتحاد الأوروبي؛ قال وزير خارجية الاتحاد الأوروبي (بحكم الأمر الواقع): إن الهدف الرئيسي لصُنّاع السياسة الخارجية في الاتحاد سيكون "تعلّم استخدام لغة القوة".

هذه أخبار مختلطة لجنوب شرق آسيا والمنطقة بشكل أعم، لا سيما للبلدان المُعتمدة على مميزات الاتحاد الأوروبي التجارية التي تساعد صناعات الصادرات المهمة وأحيانًا الناشئة في تلك البلدان.

فمن جهة، فإن تولّي الاتحاد الأوروبي دورًا أكثر ثقة وحزمًا يمكن أن يساعد الدول الإقليمية في التحوّط ضد الاضطرار لاختيار طرف من أطراف القوى العظمى، مع تصعيد الولايات المتحدة والصين لصراعاتهما التجارية والاستراتيجية.
يتحدث القادة الأوروبيون أيضًا بلغة مماثلة للغة معظم نظرائهم في جنوب شرق آسيا من ناحية احترام النهج المتعدد الأطراف ووجود نظام دولي يستند إلى القواعد.

في الوقت ذاته، فإن تعهّد المفوضية الأوروبية الجديدة باتخاذ موقف أقوى فيما يتعلق بحقوق الإنسان والقضايا البيئية، من المرجح أن يُقلق الكثير من دول جنوب شرق آسيا.

سيتعيّن على الاتحاد الأوروبي أن يتخذ قرارًا بحلول فبراير حول ما إذا كان سيزيل كمبوديا من مبادرة "كل شيء ما عدا السلاح" التي تسمح بدخول منتجات هذه الدولة إلى الاتحاد الأوروبي من دون رسوم جمركية أو حصص؛ ما يساعد في تعزيز العديد من صناعاتها التصديرية.

يعود هذا القرار إلى التدهور السياسي في كمبوديا تحت حكم رئيس الوزراء "هون سين" الذي أطاح بالمعارضة السياسية واستبدل السياسات الديمقراطية بدولة الحزب الواحد. وسيتعيّن على بروكسل أيضا أن تُقرّر ما إذا كانت ستتخذ موقفًا أكثر حزمًا ضد أزمة لاجئي الروهينغا في ميانمار، والتي وصفها محققو الأمم المتحدة بأنها يمكن أن تُشكّل "تطهيرًا عِرقيًا"، وسيتعيّن على بروكسل أيضًا تحديد الموقف الذي ستتبناه في عموم آسيا مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والصين وتحوله إلى ما يصفه البعض بأنه حرب باردة جديدة.

ذكرت "أرسولا فون ديرلين"، الرئيسة الجديدة للمفوضية الأوروبية، الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، إنها ترغب في "بناء مفوضية أوروبية ذات طابع جيوسياسي حقيقي، واتحاد أوروبي مهتم أكثر بالشئون الخارجية، وأوروبا تدافع عن مصالحنا المشتركة في العالم".
في الأول من ديسمبر، قالت "أورسولا" إن الاتحاد الأوروبي يجب أن يكون "أكثر استراتيجية وحزمًا واتحادًا في نهجه الخارجي".

وسيتولى "جوسيب بوريل"، وزير خارجية إسباني سابق، منصب نائب رئيس المفوضية والممثل الأعلى للعلاقات الخارجية والسياسة الأمنية، وهو منصب سياسي معزز بعد نجاح سلفه في توسيع دور الاتحاد الأوروبي في الشئون العالمية.

لكن المفوضية المُنصّبة حديثًا ترغب في أن تذهب بعيدًا. وحتى قبل تسميته لمنصبه، عبّر "بوريل" عن أسفه لعجز الاتحاد الأوروبي عن التأثير في الشئون العالمية.

أشرفت "فريدريكا موغريني"، سلفه في منصبه، على إصدار الاتحاد الأوروبي في عام 2016 خطة بعنوان: "استراتيجية عالمية للسياسة الخارجية والأمنية"، والتي تنصّ على أن الشواغل المتعلقة بالقيم المشتركة، مثل حقوق الإنسان والديمقراطية، ينبغي أن تكون أساسًا لسياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية.

في مارس من هذا العام، أصدر قسم السياسة الخارجية الذي تشرف عليه "موغريني" في المفوضية "رؤية استراتيجية" بشأن علاقات الاتحاد الأوروبي مع الصين، إذ تختلف هذه الرؤية عن موقف بروكسل المتراخي عادة مع الصين، واصفة الصين بأنها "منافس اقتصادي يسعى للريادة التقنية ومنافس منهجي يروّج لنماذج بديلة للحوكمة".

ولو كانت "موغريني" ضمنت أن يفكر الاتحاد الأوروبي تفكيرًا عالميًّا وأن يعتبر نفسه طرفًا عالميًّا مهمًا، فإن مهمة خليفتها "بوريل" ستركز على تشكيل هذا الدور وتحسينه، لا سيما في آسيا.

وفي حديث له أمام البرلمان الأوروبي في أكتوبر، قال "بوريل" إن الاتحاد الأوروبي بحاجة لأن يفرض نفسه بوصفه "قوة مالية عظمى، وأن يتعلم كيف يوظف قوته الاقتصادية والعسكرية في الشئون العالمية".

فيما يعتقد كثيرون أن طموحات الاتحاد الأوروبي العالمية والآسيوية ستكون دائمًا محصورة في أداء دور "قوة السوق"، إذ يمتلك الاتحاد تأثيرًا اقتصاديًّا مهمًا يفتقر إلى قوة أمنية أو عسكرية تدعمه.

لكن هذا يتغير. في أغسطس الماضي، وقّع الاتحاد الأوروبي اتفاقًا أمنيًّا مع فيتنام، وهو الأول من نوعه مع دولة من جنوب شرق آسيا. وفي الشهر ذاته، صرّحت "موغريني" بأن "الاتحاد الأوروبي بأكمله.. قرر تعزيز تعاونه في القضايا الأمنية مع آسيا، وأن الاتحاد ينوي تحقيق هذا الهدف".

هذا يعني أن الاتحاد الأوروبي سيحتاج إلى تطوير وربما تغيير سياسته بالكامل فيما يخص بحر الصين الجنوبي، لكنه سيتجنّب بالطبع الانخراط بشكل واضح في النزاع الأمريكي - الصيني المتواصل بشأن السيطرة على هذا الممر المائي المتنازع عليه.
وبالرغم من وصف الاتحاد الأوروبي للصين بأنها "منافس منهجي"، إلا أن معظم أعضائه يدعمون مخططات الصين الاستثمارية العالمية، إذ يستفيد الكثيرون مباشرة من المبادرة الصينية المعروفة باسم "الحزام والطريق" التي تبلغ تكلفتها تريليون دولار.

وفي الواقع، فإن حفنة قليلة فقط من البلدان الأوروبية ستتخذ موقفًا يتسم بالمواجهة مشابهًا لموقف إدارة ترامب التي قررت احتواء طموحات بكين.

وقال "بوريل" مؤخرًا: "نحن غالبًا ما نقول إن الشراكات والنهج المتعدد الأطراف هما جزء أصيل من سياستنا، لكنك لا يمكنك أن تتبنى نهجًا متعدد الأطراف بمفردك، لهذا نحن بحاجة إلى شركاء. لكن العديد من شركائنا يبتعدون عن النظام القائم على القواعد، في حين يطبق شركاء آخرون قواعد بطريقة انتقائية وأنانية".

وقد أطربت هذه التصريحات قادة جنوب شرق آسيا، الذين يشعر بعضهم بالقلق من أن صراع القوى العظمى بين الولايات المتحدة والصين بات يكتسب طابعًا حمائيًّا متزايدًا، ويقوّض المؤسسات الدولية.

لهذا، ربما يجد الاتحاد الأوروبي حلفاء مخلصين في جنوب شرق آسيا مهتمين بحماية نظام التجارة الحرة والمتعدد الأطراف الحالي. إن الاتحاد الأوروبي هو ثاني أكبر شريك تجاري لجنوب شرق آسيا، بعد الصين، حيث بلغت التجارة الثنائية بين الطرفين ما يزيد على 262 مليار دولار في العام الماضي. علاوة على هذا، فإن الاتحاد الأوروبي هو مستورد صافٍ من هذه المنطقة، إذ يعتبر واحدًا من أكبر الأسواق التصديرية لمعظم دول جنوب شرق آسيا.

إن السيد "فيل هوغان"، مفوض الاتحاد الأوروبي للشئون التجارة، يمتلك خبرة في جنوب شرق آسيا. وكان يعمل في مفوضية الزراعة عندما فرض الاتحاد الأوروبي في مطلع هذا العام رسومًا جمركية على ورادات الأرز الكمبودية والميانامارية لحماية المزارعين الأوروبيين.
    
وفي دوره الجديد كرئيس لمفوضية التجارة في الاتحاد الأوروبي، سيكون "هوغان" مُكلفًا بضمان التزام شركاء الاتحاد الأوروبي التجاريين بمعايير صارمة فيما يتعلق بالعمل والبيئة، وهذه ربما تعدّ أخبارًا سيئة لإندونيسيا وماليزيا، أكبر مُنتجين لزيت النخيل في العالم.

وبدأ الاتحاد الأوروبي بالفعل في تطبيق إجراءات لوقف واردات زيت النخيل تدريجيًّا بناءً على أسس بيئية. وردًّا على القرار الأوروبي، هددت الدولتان الواقعتان في جنوب شرق آسيا بفرض رسوم جمركية على بضائع أوروبية، ورفع قضية في منظمة التجارة العالمية.
وبالرغ من أن السيد "هوغان" معروف بأنه مفاوض قوي وذو كفاءة، بيد أنه ربما سيدفع لتطبيق اتفاقيات تجارة حرة عالقة مع دول مختلفة في جنوب شرق آسيا.


وما يزال يتوجّب على الاتحاد الأوروبي أن يقرر ما إذا كان سيصادق على اتفاقية التجارة الحرة مع فيتنام، في وقت يتعرّض فيه برلمانيون أوروبيون لضغوط من جماعات ضغط للتصويت ضد الاتفاقية لأسباب خاصة بحقوق الإنسان.

ووافق الاتحاد الأوروبي بالفعل على اتفاق تجاري مع سنغافورة في مطلع هذا العام، وهناك محادثات بدأت بالفعل مع إندونيسيا وماليزيا وتايلاند والفلبين، ومع هذا توقفت بعض المحادثات ومن المرجح أن تستغرق اتفاقيات أخرى سنوات عديدة لتوقيعها.

وتأجلت المحادثات مع تايلاند في عام 2014 بعد وقوع انقلاب على الديمقراطية هناك، لكن من المرجح أن بانكوك ترغب في إعادة بدء المفاوضات، حتى لا تخاطر بأن تكون أكثر البلدان الإقليمية تضررًا من اتفاق التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وفيتنام.

وربما يجد قادة جنوب شرق آسيا الكثير من الأمور التي تروق لهم في المفوضية الأوروبية بقيادة "أورسولا فون ديرلين"، لكن تبنّي الاتحاد الأوروبي لنهج أكثر حزمًا يثير أيضًا مخاطر أكيدة.

لقد باتت كمبوديا تتعلم أنه ليس من السهل خداع الاتحاد الأوروبي مثل الولايات المتحدة، التي خففت من انتقاداتها ضد "بنوم بنه" بسبب شواغل استراتيجية مفترضة أوسع نطاقًا، وذلك في ظل تعزيز الصين لوضعها في هذا البلد، بطرق من بينها بناء قاعدة بحرية في هذا البلد.

ولأن بروكسل ليست قلقة من سياسة الصين التوسّعية في آسيا مثل واشنطن، فإنها أكثر ميلًا للاهتمام بقضايا حقوق الإنسان، حتى لو كان هذا يعني دفع حكومات إقليمية بعينها نحو أحضان بكين.

وخلافًا للولايات المتحدة، ينشغل الاتحاد الأوروبي أكثر بالمعايير البيئية وحقوق العمال عند شركائه التجاريين، وهو تركيز يعتقد محللون أنه سيزداد ضراوة في عهد المفوضية الجديدة.

بينما تهدف دول جنوب شرق آسيا ودول إقليمية أخرى للتقرّب أكثر من الاتحاد الأوروبي لحماية نفسها من الصراع الأمريكي - الصيني، ربما ستجد هذه الدول أن مطالب القيادة الجديدة للاتحاد الأوروبي أكبر بكثير من مطالب القيادة السابقة.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية آسيا الاتحاد الأوروبي

اضف تعليق