معهد الشرق الأوسط | خمس ثورات وأربع حروب أهلية وثلاثة انتخابات.. الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في 2019


٢٥ ديسمبر ٢٠١٩ - ٠٧:٢٥ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد

2019 هو العام الثامن منذ بداية الثورات العربية في 2011. وربما نذكر أيضًا أنه قد مر 16 عامًا على غزو العراق، و18 عامًا على هجمات 11 سبتمبر وتصعيد الحرب على الإرهاب. هذا الاستعراض الموجز لعام 2019 سيلقي الضوء على ثلاثة مستويات: الداخلي، والإقليمي، والدولي.

على المستوى الداخلي، نستطيع الإشارة إلى خمس ثورات، وأربع حروب أهلية مستمرة، وثلاثة انتخابات رئيسية.

خمس ثورات

الثورات الخمس حدثت في الجزائر، والسودان، ولبنان، والعراق، وإيران. والمحركات في الحالات الخمس متشابهة بصورة مذهلة: جيل شاب يثور ضد الطبقة الحاكمة الفاسدة والقمعية التي فشلت في تحقيق التنمية الاقتصادية، وخلق فرص عمل، والخدمات الحكومية.

بهذه الطريقة تلك الثورات مشابهة لتلك التي أثرت سابقًا على تونس، وليبيا، ومصر، وسوريا، واليمن، والبحرين.

من ضمن الخمس ثورات الحالية، السودان فقط شرعت في انتقال سليم، وإن كان غير مستقر. وفي الجزائر، يحاول النظام الحاكم إعادة تأكيد نفسه من خلال انتخابات رئاسية. أما في إيران، وحّدت الثورة فصائل الحكومة أو النظام المتعددة خلف سياسة القمع الشديد دون أية تنازلات سياسية – وهي قواعد لعب طورتها وحسنتها في سوريا.

وفي العراق ولبنان، الحركية بها أوجه تشابه مهمة؛ حيث شهدت الدولتان انتخابات برلمانية وتشكيل حكومة في 2018، وفي البلدين، تخلى الشعب عن الاثنين مبكرًا. وفي العراق ولبنان، شكّل الجيل الجديد هوية جديدة لنفسه تقوم على الوحدة الوطنية، رافضًا الطائفية، ومعززًا القيم المدنية الأساسية، في معارضة للطبقة الحاكمة الفاسدة والطائفية.

وفي كلا البلدين فرضت الثورة نفسها كلاعب جديد على المشهد السياسي، مؤثرة على تشكيل الحكومة التالية وسياساتها، ومركزة على تنظيم انتخابات برلمانية جديدة، وربما مبكرة.

وسوف تواجه الحكومات الجديدة في العراق ولبنان تحدي الرد على الضغط الداخلي والدولي من أجل كبح الفساد وتطبيق حوكمة وإصلاحات طال انتظارهما، والتي ستمكّن البلدين من تجنب المزيد من التراجع الاجتماعي - الاقتصادي والعودة إلى مسار النمو المستدام.

وفي البلدين أيضًا، يواجه الجيل الثوري وعد وتحدي تحويل اللحظة الثورية التاريخية إلى حركة سياسية مستدامة يمكنها المشاركة في الحكومة والفوز في الانتخابات البرلمانية.

أربع حروب أهلية

لم تشهد أي من الحروب الأهلية في المنطقة نهاية في 2019. لكن التقدم الأكبر تحقّق في اليمن؛ حيث جرى التوصل لاتفاقية بين حكومة هادي والمجلس الانتقالي الجنوبي، وحيث أدت المحادثات بين السعوديين والحوثيين إلى خفض كبير في تصعيد الهجمات من الجانبين. وهناك أمل بأن اليمن ربما يتحرك باتجاه وقف إطلاق نار طويل المدى على الأقل، والذي سيؤثر بالإيجاب على الأزمة الإنسانية، حتى يمكن العثور على حل سياسي كامل.

وشهدت الحرب في ليبيا التصعيد الأكبر نسبيًّا، لا سيما بعد أن أرسلت روسيا مئات القوات الخاصة إلى هناك دعمًا للواء خليفة حفتر. ويتحرك اللواء باتجاه طرابلس، وتركيا وحدها هي من ذكرت إمكانية إرسال قوات لدعم الحكومة المعترف بها دوليًّا هناك، وربما تشهد الحرب الأهلية في ليبيا تصعيدًا هائلًا في الأسابيع المقبلة بعواقب إنسانية حادة.

لكن إذا كانت حسابات فلاديمير بوتين صحيحة، ربما تُمكّن روسيا حفتر من تحقيق النصر في أجزاء رئيسية من ليبيا، ما يمنح موسكو تواجدًا كبيرًا في شمال أفريقيا مثل تواجدها في الشام عبر سوريا.

إن المحاولات الروسية لتحقيق تقدم سياسي في إنهاء الصراع في سوريا من خلال مفاوضات مزمعة حول دستور مستقبلي ظلت استعراضًا جانبيًا.
لقد حدثت التطورات الكبرى في شمال شرق سوريا، حيث تخلى الرئيس ترامب عن حلفاء أمريكا الأكراد ومنح الضوء الأخضر لتوغل تركي، ووجه التوغل التركي ضربة قوية لقوات سوريا الديمقراطية، وأقام منطقة عازلة تركية، ومكّن النظام السوري من إعادة الانتشار في المناطق الكردية في الشمال الشرقي، وصعّد النظام، بدعم روسي، الهجمات على محافظة إدلب الشمالية الغربية، مُسببًا معاناة إنسانية حادة، لكنه لم يحاول القيام بخطوة شاملة لاستعادة المحافظة.

في أفغانستان، كانت الحركية الرئيسية هي المفاوضات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وطالبان. في مراحل متعددة خلال النصف الثاني من العام بدت المحادثات على أعتاب النجاح، فقط لتتراجع مرة أخرى. وعلى أي حال، حتى إذا نجحت المحادثات، فإن الاتفاق الناتج سيقدّم فقط ستارًا للانسحاب الأمريكي، لكنه لن يفعل شيئًا لإنهاء الحرب الأهلية في أفغانستان.

ثلاثة انتخابات رئيسية

كانت هذه الانتخابات في تركيا، وتونس، وإسرائيل. خسر الرئيس رجب طيب أردوغان مرتين انتخابات البلدية في مدينتين كبيرتين، وكانت الخسائر الانتخابية علامة تحذير سياسي لأردوغان، وربما تشير إلى بداية خسوف هيمنته التي استمرت لعقدين على القيادة التركية – على الرغم من أن هذا قد يستغرق بضعة أعوام.

بدت الانتخابات أيضًا وأنها تشير إلى نهاية هيمنة بنيامين نتنياهو التي استمرت 25 عامًا على السياسة الإسرائيلية؛ على الرغم من أنه في تلك الأثناء قد يتخذ خطوات كبرى، بالتواطؤ مع الرئيس ترامب، والتي ربما تشمل ضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية. الانتخابات الرئيسية الثالثة كانت في تونس، حيث واصلت تلك الدولة انتقالها الديمقراطي الرائع بانتخاب أستاذ قانون دستوري ليصبح رئيسًا، وهذا بالرغم من المصاعب الاقتصادية الحادة المستمرة والتهديدات الجهادية المتكررة داخل الدولة.

الحركيات الإقليمية.. تركيا وإيران وإسرائيل ومجلس التعاون الخليجي

إن التوغل التركي في شمال شرق سوريا – وموافقة الرئيس الأمريكي الظاهرية على تلك الخطوة – غيّر الوضع القائم في ذلك الجزء من سوريا. لقد وجه ضربة صاعقة للأحلام الكردية بامتلاك منطقة كردية كبيرة ومستقلة في شمال شرق سوريا (روج آفا).

كما وجّه ضربة صاعقة أيضًا للمصداقية الأمريكية في المنطقة، حيث ألقى الرئيس ترامب الأكراد تحت عجلات الحافلة التركية. وأخيرًا، مكّن نظام الأسد – وحلفاؤه إيران وروسيا – حيث اتجه الأكراد إلى النظام بحثًا عن تسوية، واستطاع النظام إرسال قوات إلى المنطقة التي طُرد منها قبلها بسنوات. 

كان التصعيد الإيراني المباشر وبالوكالة في منطقة الخليج وحولها حركية رئيسية في الفترة بين مايو وسبتمبر من هذا العام. لقد تصاعد باستمرار، حيث بدأ بهجمات صغيرة على السفن في الخليج، وتصاعد إلى هجوم بطائرات مسيرة وصواريخ كروز على أرامكو، والذي عطل نصف قدرتها الإنتاجية بصورة مؤقتة.

وألمحت إيران بوضوح في شهر أبريل إلى أنها ستبحث عن سبل تصعيد ردًا على حملة الضغط الاقتصادي الأقصى الأمريكية؛ وتصعيدها يهدف إلى الضغط على الرئيس الأمريكي لكي يقدّم لإيران التخفيف الاقتصادي الذي تحتاجه.

ونتيجة للتهديدات والهجمات على السعودية والإمارات، عدّلت الدولتان موقفهما تجاه إيران، وهو على الأرجح ما أزالهما حتى الآن من قائمة الأهداف المحتملة لإيران. وفي ديسمبر، تحول التصعيد إلى هجمات في العراق - باستخدام ميليشيا عراقية مقربة من إيران - على القوات الأمريكية المتواجدة هناك. وحتى الآن اختار الرئيس ترامب عدم الرد عسكريًّا، غير أنه حافظ على حملة الضغط الاقتصادي الأقصى وشددها.

وخلال الصيف وبداية الخريف بدا منفتحًا على المحادثات وربما اتفاق محدود مع إيران، ليتجنب التصعيد الذي قد يؤثر على حملة إعادة انتخابه؛ لكن بعد النجاح الظاهري لحملة الضغط الأقصى في إشعال شرارة الثورة في إيران، وكذلك أيضًا في العراق ولبنان، تضاءلت الرغبة في تخفيف الضغط على إيران.

ظل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي نقطة اشتعال، حيث اندلع مرتين بين إسرائيل وجماعات مسلحة في غزة، في مايو ونوفمبر. ويستمر حصار غزة للعام الـ12 الآن، حيث يُحاصر مليونا شخص في ظروف مروعة؛ فيما دُفنت عملية السلام المحتضرة بالفعل على عُمق أكبر، على خلفية الاعتراف الأمريكي بضم إسرائيل لهضبة الجولان السورية، وإعلان أن المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية في الضفة الغربية لن تعتبرها الولايات المتحدة غير شرعية بعد الآن، ما فتح الباب أمام الضم الإسرائيلي المحتمل لمعظم الضفة الغربية بدعم أمريكي. و"صفقة القرن" الأمريكية الغامضة ظلت مجرد شائعة.

على الجانب الإيجابي، شهد عام 2019 محاولة للتصالح داخل مجلس التعاون الخليجي وتعديل عام للسياسة الخارجية من الرياض وأبو ظبي.

ويمكن رؤية اعتدال السياسة هذا في عدة ساحات: سحب الإمارات للقوات من اليمن، وتقدم الرياض في المحادثات مع الحوثيين والتوسط في اتفاق بين حكومة هادي والمجلس الانتقالي الجنوبي، وكذلك أيضًا الجهود الواضحة لخفض التصعيد ومحاولة التصالح مع قطر. إن أسباب هذا الاعتدال متعددة، وتشمل الإدراكات بأن:

 أ) السياسات الصدامية للثلاث سنوات السابقة لم تثمر عن شيء.
ب) الرئيس ترامب لا يدعمهم في معظم المواقف.
 ج) التصعيد الكبير مع إيران سيكلف منطقة الخليج – وبلديهما واقتصاداتهما بالتحديد – ثمنًا باهظًا.


المستوى الدولي.. روسيا والصين والإدارة الأمريكية

واصلت روسيا تحقيق تقدم في الشرق الأوسط؛ فقد حصلت على مكاسب أكبر في سوريا في ظل تخلي ترامب عن الأكراد وتوسع النظام في الشمال الشرقي. ونقل بوتين أيضًا قوات إلى ليبيا، داعمًا اللواء حفتر في هجومه الحاسم على طرابلس، وقد ينتهي الحال ببوتين مشكلًا جبهة رابحة في ليبيا والتي توفر موطئ قدم رئيسي لروسيا في شمال أفريقيا وجنوب المتوسط. كانت روسيا تقدم مبادرات أيضًا إلى لبنان، على أمل كسب نفوذ هناك، والبلد الذي ينبغي مراقبته هو العراق: تصعّد إيران ضغطها بالوكالة على واشنطن هناك. ونظرًا لتفضيلات ترامب، من الممكن جدًا أن تخرج الولايات المتحدة من العراق، وربما تشجع إيران شريكتها روسيا لتقديم القوة الجوية والمساعدات الحيوية الأخرى. يعيد بوتين بناء موقف قوي لروسيا في الشام وشمال أفريقيا.

وواصلت الصين لعب اللعبة الطويلة، مشددة على علاقات الطاقة والتجارة، ومقدمة قروض واستثمارات للبنية التحتية المادية طويلة الأجل في المنطقة. وفي حين أن الولايات المتحدة وروسيا تستحوذان على العناوين الرئيسية للجيوسياسة الإقليمية، فإن الصين تنسج الشرق الأوسط بثبات في العملاق الأوراسي المتمركز في الصين.

لقد كان عامًا عاصفًا آخر للسياسة الأمريكية. يواصل ترامب مخالفة معظم مستشاريه، وغيّر مستشاري الأمن القومي في منتصف العام على ما يبدو لتجنب التصعيد العسكري مع إيران. وفي سوريا، فاجأ ترامب مستشاريه وتحداهم بالتخلي عن الحلفاء الأكراد ومنح الضوء الأخضر لتوغل تركي في شمال شرق سوريا. أما في ليبيا، فقد انحاز علنًا للواء حفتر على الرغم من أن موقف إدارته الرسمي يدعم حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، والتي يحاول حفتر إسقاطها.

وبالنسبة إلى إيران، أبقى على حملة الضغط الأقصى لكنه قاوم النصيحة بالرد عسكريًّا على الهجمات الإيرانية على طائرة مسيرة أمريكية، وعلى حلفاء أمريكا في الخليج. لقد بدا منفتحًا على عقد اتفاق في سبتمبر، ربما رغم اعتراضات مستشاريه المتشددين، لكنه ابتعد عن ذلك الاستعداد حيث إن حملة الضغط الأقصى تبدو وأنها تؤتي بثمارها. وفي حلقات التصعيد بين إيران وحلفاء أمريكا الخليجيين، أوضح ترامب أيضًا لأولئك الشركاء الخليجيين أن أمنهم كان مسئوليتهم، وأن الولايات المتحدة لن تثأر نيابة عنهم؛ لكنه كان مستعدًا ومتحمسًا لتوفير المزيد من التواجد العسكري الأمريكي من أجل الدفاع والردع المنسق، وتوفير أو بيع المزيد من المعدات العسكرية. لقد كان جرس إنذار وقح للشركاء الخليجيين الذين ظنوا أنهم يمتلكون في ترامب حليفًا قويًّا ومولعًا بالقتال.

في أفغانستان، استمر الرئيس في البحث عن طريقة للخروج من تلك الحرب المستمرة لـ18 عامًا، وشجع المحادثات بين الولايات المتحدة وطالبان.
بدت تلك المحادثات قريبة من أن تؤتي بثمار بضع مرات هذا العام، لكنها لم تنته. وفي القضية الفلسطينية -الإسرائيلية، كما ذُكر بالأعلى، دفنت الإدارة الأمريكية عملية السلام، وما زال علينا أن ننتظر لنرى ما إذا كانت النهاية الوشيكة لقيادة نتنياهو في إسرائيل وصعود بيني جانتز سيقدّم أي مسار جديد للمضي قدمًا في حل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.

وبشكل عام، كان عامًا عاصفًا آخر في الشرق الأوسط دون حل للمحركات الرئيسية لاضطرابه المتواصل.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية الشرق الأوسط