مجلس العلاقات الخارجية | الشرق الأوسط ما بعد أمريكا


٢٦ ديسمبر ٢٠١٩ - ٠٦:٠٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد

كان هذا في 5 أغسطس 1990، بعد أيام من غزو صدام حسين للكويت، والرئيس الأمريكي جورج بوش الأب كان واضحًا عندما تحدث من الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض: "هذا لن يستمر، هذا العدوان على الكويت".

وعلى مدار الأشهر الستة التالية, أثبت بوش أنه ملتزم بكلمته، حيث أرسلت الولايات المتحدة نصف مليون جندي إلى الشرق الأوسط وقادت تحالفًا دوليًّا حرر الكويت.

بعد ذلك بثلاثة عقود، تبنى رئيس أمريكي مختلف سياسة أمريكية مختلفة تمامًا. في أعقاب التخلي عن الشركاء الأكراد في سوريا والذين حاربوا ببسالة في هزيمة إرهابيّي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وقفت الولايات المتحدة موقف المتفرج بينما هاجمت الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية منشآت نفط سعودية, وعطلت نصف قدرتها الإنتاجية بصورة مؤقتة.

مرحبًا بكم في الشرق الأوسط ما بعد أمريكا. لكي نكون منصفين, العبارة تحمل نوعًا من المبالغة, حيث إن الولايات المتحدة لم تنسحب من المنطقة. في الواقع, لقد أرسلت مؤخرًا قوات للردع والمساعدة في الدفاع عن السعودية, إذا لزم الأمر, من الهجمات الإيرانية المستقبلية، وربما الرد مباشرة عليها. لكن لا يوجد مهرب من الحقيقة بأن الولايات المتحدة خفضت من تواجدها ودورها في منطقة هيمنت عليها لقرابة النصف قرن.

تعود جذور هذا الاتجاه إلى الرئيس جورج دبليو بوش, الذي كان قراره بشن حرب سيئة التخطيط ضد العراق نقطة تحول في السياسة الخارجية الأمريكية. إن التكاليف المرتفعة والنتائج السيئة لتلك الحرب قلبت الرأي العام الأمريكي ضد التدخل العسكري في المنطقة, ما أثر على الرئيس أوباما عندما اختار عدم متابعة تحذيراته لحكومة سوريا بأن استخدام الأسلحة الكيميائية سيمثل تجاوزًا لـ"خط أحمر" ويثير عواقب وخيمة. قرر أوباما أيضًا عدم المشاركة في التدخل الذي قاده الناتو في ليبيا والذي أطاح بنظام معمر القذافي، لكنه خلّف وراءه بلدًا منقسمًا ودولة فاشلة.

يشارك الرئيس دونالد ترامب هذا العزوف عن التدخل العسكري في المنطقة. وبالإضافة لهذا, الإنتاج المحلي المتزايد للنفط والغاز قلل من الأهمية المباشرة للشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة. وعلاوة على هذا, منافسة القوى العظمى المتجددة زادت من الحاجة لكي تحوّل الولايات المتحدة مواردها وانتباهها إلى أوروبا من أجل مواجهة روسيا, وإلى آسيا من أجل موازنة الصين.

لقد أبعدت إدارة ترامب نفسها عن الشرق الأوسط بطرق لا تُعد ولا تحصى والتي تتجاوز إظهار الإحجام عن استخدام القوة العسكرية أو وضع جنود في مناطق الصراع، والدبلوماسية غائبة إلى حد كبير. لقد اختار ترامب تجاهل انتهاكات حقوق الإنسان في بعض دول المنطقة, ولم تبذل إدارته أي جهد حقيقي لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.

إن أكبر مصدر للغموض في المنطقة يشمل إيران. لقد انسحبت إدارة ترامب بصورة أحادية من الاتفاقية النووية لعام 2015, على الرغم من التزام إيران بها، ثم قدمت الإدارة حينها سياسة "الضغط الأقصى" التي تتكون بشكل أساسي من عقوبات اقتصادية صارمة, والتي لها تأثير واضح على اقتصاد إيران، وبحسب بعض التقديرات جعلت ناتجها المحلي الإجمالي ينكمش بنسبة 10% تقريبًا هذا العام.

لكن إذا كان تأثير العقوبات ظاهرًا، فإن غرضها ليس كذلك. إن الواضح هو أن إيران سترد على الحرب الاقتصادية الأمريكية بحرب خاصة بها، فبالإضافة إلى منشآت النفط السعودية, هاجمت إيران ناقلات نفط تتحرك عبر المنطقة, وتهرب تدريجيًّا من القيود المحددة في الاتفاق النووي لعام 2015. ومع اشتداد الضغط الاقتصادي على النظام, ينبغي أن تتوقع الولايات المتحدة وحلفاؤها المزيد من الردود الإيرانية.


هذا يضع إدارة ترامب أمام مأزق. إن تفضيلها غير المعلن لكن الواضح هو تغيير النظام في طهران, لكن بعد 40 عامًا من الثورة الإيرانية, يبقى النظام صامدًا, برغم الاحتجاجات الشعبية. والرد عسكريًّا على الأفعال الإيرانية قد يؤدي إلى نوع الصراع الذي لا يريده ترامب في الفترة السابقة للانتخابات الرئاسية الأمريكية 2020.

لكن السماح لإيران بتحرير نفسها من قيود الاتفاق النووي يزيد الاحتمالات بأن إسرائيل ستهاجم إيران، وهو ما سيجر الولايات المتحدة إلى الحرب. وحتى إذا لم يحدث ذلك, فإن التراخي الأمريكي ربما يؤدي إلى حصول جيران إيران على أسلحة نووية لكي يوازنوا القدرات الإيرانية واحتمالية انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة. إن تطورًا مثل هذا في منطقة تُعد الأكثر اضطرابًا في العالم سيكون لا شك كابوسًا.

إن أفضل طريقة ستكون أن تصرّح الولايات المتحدة بالتغييرات السياسية التي تريدها من إيران بخصوص برامجها النووية والصاروخية, وكذلك أيضًا سلوكها في أنحاء المنطقة, وما تستعد لتقديمه في المقابل. ينبغي الإعلان عن هذه السياسة علنًا, وبالتالي يُجبر النظام على التوضيح لمواطنيه المحبطين لماذا يرفض تخفيف العقوبات الضروري لكي يواصل أنشطته المزعزعة للاستقرار في المنطقة وبرامجه النووية والصاروخية. وفي وجه الضغط الاقتصادي والسياسي الشديد, ربما يوافق النظام على التفاوض, مثلما فعل عندما وافق على إنهاء حربه التي استمرت لعقد مع عدوه اللدود حينها العراق. وحتى الآن, مع هذا, لا تبدو مثل هذه المبادرة الأمريكية وشيكة. 

باختصار، تتعلم إدارة ترامب أن الانسحاب من الشرق الأوسط ليس سهلًا أو خاليًا من المخاطر والتكاليف. لا يزال للولايات المتحدة مصلحة في محاربة الإرهاب, ومقاومة الانتشار النووي, ودعم التدفق الحر للنفط, وتعزيز أمن إسرائيل وشركاء أمريكا في العالم العربي. إن ما نحتاجه واضح: استعداد أمريكي أكبر لاستخدام قوة عسكرية محدودة, إذا لزم الأمر, ورغبة في مصاحبة العقوبات بالدبلوماسية. لكن الأقل وضوحًا هو ما إذا كان يمكن توقع مزيج السياسة هذا في أي وقت قريب.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية الشرق الأوسط الشرق الأوسط

التعليقات

  1. استراتيجى1 ٢٦ ديسمبر ٢٠١٩ - ١٠:٣٨ ص

    هل هذا الكلام والتحليل فى محله فعلا ياترى و الان بهذا التوقيت والرئيس ترامب نفسه يواجه معضلة عزله وتداعيات هذا العزل ان لم يتم عزله كذلك

اضف تعليق