ناشيونال إنترست | هل لدى روسيا خطوط حمراء في سوريا؟


٢٨ ديسمبر ٢٠١٩

ترجمة - آية سيد

كانت الاتفاقية التركية-الروسية الأخيرة في سوتشي, والتي رفعت دور موسكو كوسيط قوة حاسم, كانت بمثابة إعلان رسمي عن التواجد الأمريكي المنحسر في شمال شرق سوريا. فبموجب هذه الاتفاقية, يمتد تواجد الجيش الروسي وجيش دمشق عبر شرق نهر الفرات, وهي السابقة الأولى منذ 2015. وعلى الرغم من أن اتفاقية سوتشي يُنظر إليها كانتصار آخر لبوتين (الذي يتطلع لإحياء أيام مجد الإمبراطورية السوفيتية) فإن ما يحدث لاحقًا ربما يكون ضارًا بخططه العظمى.

وبموجب طلب رسمي من الرئيس السوري بشار الأسد, بدأ التدخل العسكري لموسكو في الحرب الأهلية السورية في سبتمبر 2015. إن هدف تعزيز الأسد ومساعدته على استعادة الأراضي المفقودة غرب نهر الفرات, ما عدا عفرين وجرابلس والباب الخاضعين للسيطرة التركية, تَحقق بالقوة الجوية الروسية الساحقة, التي كانت تقصف عشوائيًّا وتُبيد المدن الخاضعة لسيطرة المتمردين، مثل:(الغوطة الشرقية وشرق حلب وتدمر وحمص).

وقد دمرت 34 ألف طلعة جوية أكثر من 96 ألف هدف بنهاية 2017،وفي الحملة الجوية التي استمرت لعامين, ظلت مشاركة المشاة الروسية ضئيلة وعلى المستوى الاستشاري على الأرض،ومع ذلك, غيرت اتفاقية سوتشي الأخيرة هذا.ووفقًا للمادة الخامسة من الاتفاقية, تُقام دوريات حراسة روسية-تركية وروسية-سورية مشتركة على طول الحدود التركية،ما يعني زيادة عدد الجنود الروس على الأرض،وللمرة الأولى, سوف يبدأ هؤلاء الجنود الحراسة شرق الفرات, خارج منطقة راحتهم،وهذا من شأنه أن يُقلق موسكو.

وإذا كان هناك شيء سيجعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يقلق, فهو اندلاع تمرد استقلال إسلامي, تحديدًا في منطقة القوقاز الخاضعة لهيمنة الشيشان, والتي لقّنت روسيا دروسًا قاسية في التسعينيات. وفي تبرير للضربات الجوية العشوائية, قال بوتين في 2015: "أكثر من 2000 مقاتل من روسيا والجمهوريات السوفيتية السابقة موجودون في أراضي سوريا. هناك تهديد بعودتهم إلينا. لذلك, بدلًا من انتظار عودتهم, من الأفضل أن نحاربهم على الأراضي السورية".وفي 2017, يُعتقد أن هذا الرقم كان حوالي 4 آلاف. 

إن التواجد المتزايد لسلاح المشاة الروسي في أنحاء سوريا يزيد من فرص وقوع هجمات ضد جنودها،كما أن القوات المسلحة السورية مستنفدة الآن بعد ثماني سنوات من الحرب في سوريا وليست في موقف يسمح لها بفرض سيطرة دمشق على المناطق البعيدة من البلاد.

وهكذا, من المرجح أن ترسل موسكو المزيد من القوات،وهذا يعني أن فرص تعرض الجنود الروس للهجمات سترتفع. ويحتاج الأمر لهجوم مُعلن واحد بعبوة ناسفة وعدة خسائر روسية لكي يبدأ بوتين في الانجرار إلى دوامة, تُذكّر بأفغانستان في الثمانينيات والشيشان في التسعينيات.يجب أن نضع في أذهاننا أن هذا المأزق ربما يثير تمردًا آخر في الوطن، حيث تُعدّ منطقة القوقاز المضطربة بمثابة قنبلة موقوتة يُبقيها محاسيب بوتين, مثل رمضان قدريوف, تحت السيطرة. يجب أن يكون بوتين مدركًا لهذا؛حيث إن اختياره للمشاة من أجل الحراسة المشتركة على طول الحدود التركية هي 300 من الشرطة العسكرية الروسية من منطقة الشيشان. وأخيرًا, لا أحد يعلم كيف سيعمل تعزيز ديكتاتور سوريا الشيعي عند استخدام جنود من أكثر منطقة سُنية متشددة في روسيا،وما زال علينا أن نرى تداعيات هذا في الوطن.

إن التدخل المتزايد والمتواصل في سوريا سيترتب عليه عبئًا ماليًا يستنزف الاقتصاد الروسي المتعثر بالفعل، وفي ظل خضوع حقول النفط السورية في منطقة دير الزور للسيطرة الأمريكية, لا يملك بوتين الكثير في سوريا لتعويض هذه التكلفة. إنه لا يستطيع الاعتماد كثيرًا على حليفه في إيران كذلك. 

وفي ظل اقتصادها المتداعي الذي يُحدث خسائره في الوطن, يُقدر أن طهران أنفقت بين 6-8 مليارات دولار سنويًّا لضمان بقاء الأسد. ظهر هذا في هتاف المحتجين الإيرانيين "اخرجوا من سوريا! فكروا في معاناتنا!" واضطرت موسكو لخفض أموال التعليم والرعاية الصحية وغيرها من الصناديق الاجتماعية في الداخل لدعم حربها في سوريا. وبخلاف سوريا, شاركت روسيا في تدخلات عسكرية مكلفة في جورجيا وأوكرانيا والقرم. على سبيل المثال, في القرم, استثمر الكرملين 5 مليارات دولار في مشروعات البنية التحتية, التي تشمل طرقًا, ومستشفيات ومدارس. وعلاوة على هذا, أغدق بوتين بالأموال على فنزويلا من أجل إبقاء نيكولاس مادورو في السلطة في جهد لعدم خسارة استثمار روسيا هناك, والذي يُقدّر بنحو 25 مليار دولار. 

تلك الحملات وتطلعات القوة الكبرى ليست وحدها من جلبت التكاليف المادية على الاقتصاد الروسي، حيث يُقدّر محللون في بلومبيرج أن العقوبات, خاصة تلك التي كانت بسبب غزو القرم, اقتطعت 6% من الاقتصاد الروسي على مدار السنوات الخمس الماضية. كل ذلك بدأ في التأثير بالسلب على إرث بوتين في الوطن: الاقتصاد المتدهور, والفساد, والواقع الديموجرافي المؤسف, وارتفاع سن المعاش، كل ذلك شجع الروس على النزول للشوارع. والأمر المثير للدهشة على نحو خاص هو أنه في سبتمبر, تكبد حزب بوتين "روسيا الموحدة" خسائر كبرى في انتخابات برلمان مدينة موسكو، وحدث ذلك برغم الحملة القمعية المشددة على المعارضة. وفي وقت سابق من هذا العام, وضع استطلاع أجراه مركز استطلاع الرأي العام التابع للدولة الروسية الثقة العامة في بوتين عند 33%, وهو أقل مستوى له منذ عام 2006.

إن الانسحاب الأمريكي الأخير من شمال شرق سوريا والانتشار الروسي في المنطقة عزز فكرة أن بوتين هو "المأمور الجديد في سوريا". إنه يبدو أقوى من أي وقت مضى؛ لكن مع الأسف, ربما تكون روسيا وصلت إلى حدودها في سوريا, حيث إنها أفرطت في طموحات القوة العظمى؛ وبالتالي, قرار ترامب بسحب القوات الأمريكية ربما يأذن بعصر من الحروب الروسية اللانهائية.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية روسيا

التعليقات

  1. مايسترو1 ٣٠ ديسمبر ٢٠١٩

    الخطوط الحمراء تلك يبللها بوتين ويضعها باسفله فقد تم ضرب خطوطه الحمراء تلك فى سوريا عندما جرى التحدى الكبير بين الغرب وروسيا بوتين الذى هدد بيوم قيامه عندما يتم ضرب سوريا فتم ضرب سوريا بضربات خاطفه جويه رغم انف بوتين وتمرمطت كرامة بوتين وروسيا بالطين ولادافع بوتين عن حليفه بشار الاسد ولايحزنون فعلا افرط بوتين نفسه فى طموحاته للقوه---يخج بوتين وجميع القوات من سوريا بلا قيد ولاشرط ومن له طموحات فالامم المتحده وبمجلس الامن الدولى نرى مدى قوة تلك الطموحات

اضف تعليق