عكس المتوقع.. لماذا لن تندلع حرب عالمية جديدة؟


١٩ فبراير ٢٠١٩ - ٠٤:٥٠ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس



كان هذا العام زاخرًا بالمطبوعات والمؤتمرات وتذكارات الاحتفال بالذكرى السنوية المئوية لبدء الحرب العالمية الأولى، وهي الحرب التي غيّرت العالم بشكل أكثر عمقًا من أي صراع آخر في التاريخ الحديث. 

 بدأت الحرب العالمية الأولى في البلقان، وهي منطقة فقيرة في أقصى جنوب شرق القارة الأوروبية، وعلى الرغم من أن البلقان كان الفتيل، إلا أنه لم يكن برميل البارود، وبينما لم تكن دول البلقان محصنة ضد نزاعات الشعوب الأصلية، لم تكن هناك سوى خصائص قليلة جدًا جعلت البلقان مكانًا منطقيًّا لبدء حرب عالمية. لقد كانت هذه الزاوية من العالم حيث اجتمعت الإمبراطوريات النمساوية والروسية والعثمانية معًا، ولم تكن هذه الإمبراطوريات فقط، ولكن هناك ألمانيا وبريطانيا وفرنسا التي كانت لديها مصالح مكثفة، ليس فقط مع الإمبراطوريات الثلاث، ولكن مع بعضها البعض. 

بدأت الحرب العالمية الأولى نتيجةً لتنافسات السلطة التي استهلكت القوى العظمى في بداية القرن العشرين وتوحدت، على الأقل جزئيًا، في البلقان. وعندما انتهت الحرب عام 1918، قُتل أكثر من ستة عشر مليون شخص وأصيب أكثر من عشرين مليون آخرين، وتم تغيير خريطة أوروبا وإلى الأبد، حيث جرى استبدال الإمبراطورية الروسية بالاتحاد السوفيتي، وانهارت الإمبراطورية الألمانية في ألمانيا النازية، كما انقسمت الإمبراطورية النمساوية إلى عدة دول صغيرة، وتفككت الإمبراطورية العثمانية المتدهورة والتي تحولت – في جزء منها – في النهاية إلى تركيا، أما يوغوسلافيا فقد أخذت مكان العديد من الدول المستقلة سابقًا في البلقان. والأهم من ذلك، أن التسوية السلمية لعام 1918 احتوت بذور الحرب العالمية الثانية التي حدثت بعد عشرين عامًا، وكانت الخسائر أعلى بكثير. وتشير أفضل التقديرات إلى أن ما يقارب 58 مليون شخص قُتلوا وأكثر من ذلك أُصيبوا بجروح. 

 إن أحد أكثر الأسئلة إثارة للاهتمام هو: لماذا لم تحدث حرب أخرى بحجم الحربين العالميتين الأولى والثانية في السنوات السبعين الماضية?
خلال هذه الفترة، لم يكن العالم بالتأكيد خاليًا من العداوات، وقد اقتربنا إلى حافة الحرب الكبرى أكثر من مرة – الصراع الكوري (1950-1953)، أزمة الصواريخ الكوبية (1962)، حرب فيتنام (1954- 1975) ، والحرب الباردة، والتي كانت على الرغم من التنبؤ بعكس ذلك، لم تتحول الساخنة. ولكن لماذا هذه الأزمات وغيرها لم تقحم العالم في حرب عالمية ثالثة؟ 

 السبب الرئيس هو أن بنية ووظيفة النظام الدولي مرت بـ"تحول تكتوني" على مدى السبعين عامًا الماضية بسبب مجموعة متنوعة من العوامل: 
أولاً : كانت أوروبا واليابان مختلفتين كثيرًا عما كانت عليه قبل الحرب العالمية الثانية، وهما الآن مترددتان للغاية في المشاركة في القتال؛ ففي حالة اليابان، يجب أن تكون القوات العسكرية دفاعية في طبيعتها دستوريًّا. ورغم أن أوروبا واليابان كانتا أصل الإمبريالية العدوانية، أصبحتا الآن من أكثر الدول السلمية تقريبًا في نهج سياساتهما الدولية، وانخفضت ميزانياتهما الدفاعية بشكل كبير خلال العشرين سنة الماضية. 

 ثانيًا: كان معظم العالم "قد استنزف استنزافًا شديدًا" بسبب الخسائر في الحربين العالميتين. كما لم تعد للقوى العالمية الكبرى نفس القدرات السابقة فحسب، بل أصبحت الآن أكثر إدراكًا للآثار المدمرة لعنف الصراع العالمي. ونتيجة لذلك، كان هناك تخوف أكبر بكثير في تكرار رعب تلك الحروب. 

ثالثًا: لقد غيرت العولمة طبيعة الحرب. ففي الماضي، كانت معظم الحروب تدور بين الدول. أما اليوم فهي تدور في الغالب داخل الدول، التي تحاول تقليل نطاق الحرب، ولكن تأجيج وطأتها. حيث أصبح لدى الدول الآن عدد كبير من الجهات الفاعلة غير الدولية للتنافس على المسرح العالمي، ويمكن لمعظم هذه الجهات الفاعلة أن تشكِّل ميليشيات أو جيوش أو جماعات مسلحة كبيرة على الأقل يمكنها أن تسعى وراء العنف لتحقيق أهداف محددة. وهذا لا يعني أن الدول غير ذات الصلة، بعيدة عن الأمر. لكن هذا يعني أن النظام الدولي أصبح أكثر تعقيدًا. 

وأخيرًا، فإن تطور تكنولوجيا الحرب، ولا سيما الأسلحة النووية والذرية، قلّل من احتمال اندلاع حرب كبرى. فلقد أظهر إلقاء القنبلة الذرية على ناجازاكي وهيروشيما أنه لن يكون هناك أي رابح في أي مواجهة نووية، غير أن هذا يعدّ توازنًا هشًّا لأن أي حادث أو تحرك غير مسئول قد يطلقان حربًا كارثية، وهو احتمال يقتضي بذل جهودٍ مستمرة للسيطرة على الأسلحة النووية والقضاء عليها في النهاية. 

ومع ذلك، فقد ظهر نوع مختلف من الحرب أكثر بروزًا. يطلق عليه البعض "الحرب غير المتماثلة" لأنها تختلف عن الحرب التقليدية بين الدول التي تتميز بالجيش النظامي وقواعد الاشتباك التي جرى تطويرها على مدى الـ 500 عام الماضية. بينما يطلق عليه البعض الآخر "حرب الجيل الرابع" لأنه يعد رابع نوع من الحرب منذ معاهدة سلام ويستفاليا عام 1648 . 

مهما كان ما يطلق عليه، فإن مستقبل الحرب سيتسم بعدم وضوح الخط الفاصل بين السياسة والحرب، والنزاع داخل الدولة بقدر ما هو عبر حدود الدولة، والمواجهات بين الدول والجهات الفاعلة من غير الدول، واللامركزية. وغالبًا ما كانت تمويه المواجهات على أنها تمرد، ويتجلى هذا النوع المختلف من الحروب حاليًا في العراق وسوريا وشرق أوكرانيا؛ ومع ذلك لم تكن لاتفاقيات جنيف رد فعل مناسب تجاهها، بينما يطالب القانون الدولي والدبلوماسية بإيجاد حلول أخلاقية، حيث يمكن للكنيسة، بل وينبغي لها، أن تُحدِثَ تأثيرًا كبيرًا. 



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق