فورين أفيرز | الردع عبر الاحتواء.. ما هي الاستراتيجية الأمريكية البديلة لمواجهة التهديدات الخارجية؟


٢٣ فبراير ٢٠١٩

ترجمة - بسام عباس



كان ربع القرن الذي أعقب الحرب الباردة الأكثر سلمية في التاريخ الحديث. لم تتقاتل القوى الأقوى في العالم سويًّا أو حتى تفكر في ذلك، كما أنها لم تستعد للحرب ولم تتوقعها، أو لم تُجر أية مفاوضات ومناورات سياسية حول احتمال اندلاع حرب في الخلفية. ومع استمرار الهيمنة العسكرية العالمية للولايات المتحدة، بدا أن إمكانية قيام الدول المتقدمة في قتال بعضها البعض أكثر من ذي قبل.

ثم بدأ التاريخ في تغيير المسار،  ففي السنوات العديدة الماضية، أطلقت ثلاث قوى جهودًا فعالة لتنقيح الترتيبات الأمنية في مناطقها. فمن جهة، احتلت روسيا شبه جزيرة القرم وأجزاء أخرى من أوكرانيا، وحاولت سرًّا زعزعة استقرار الديمقراطيات الأوروبية، بينما قامت الصين ببناء قلاع في جزر اصطناعية في المياه الدولية وادعت ملكيتها مساحات شاسعة في غرب المحيط الهادي، وانتقلت إلى تنظيم منطقة أوراسيا اقتصاديًّا بطرق تتوافق مع اتجاهات بكين، فيما بسطت جمهورية إيران الإسلامية نفوذها على أجزاء كبيرة من العراق ولبنان وسوريا واليمن، وسعت لامتلاك أسلحة نووية.

ويتطلب هذا العالَم الجديد سياسة خارجية أمريكية جديدة، ولحسن الحظ، فإن ماضي البلاد غير البعيد يمكن أن يمدنا ببعض التوجيه. فخلال الحرب الباردة، اختارت الولايات المتحدة احتواء الاتحاد السوفييتي؛ ما نجح في ردع عدوانه العسكري والحد من نفوذه السياسي لعقود؛ ولذا ينبغي على الولايات المتحدة تطبيق الاحتواء مرة أخرى، ولكن هذه المرة على روسيا والصين وإيران.

إن العالم المعاصر يشبه بما يكفي عالم منتصف القرن العشرين، ما يجعل هذه الاستراتيجية القديمة وثيقة الصلة، غير أنها مختلفة تمامًا بحيث تحتاج إلى تعديل وتحديث. ورغم أن النجاح غير مضمون، إلا أن سياسة الاحتواء الجديدة توفر أفضل فرصة للدفاع عن المصالح الأمريكية في القرن الحادي والعشرين.

والوقت الحاضر مثل الماضي، حيث إمكانية الصراع المسلح تفرض تأثيرًا كبيرًا على السياسات الخارجية للولايات المتحدة وجميع دول آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. لقد قسمت الحرب الباردة العالم إلى معسكرات متنافسة، حيث انقسمت المناطق وحتى الدول إلى فريقين. واليوم، تتطور الانشقاقات المماثلة، حيث تسعى كل قوة رجعية إلى تحديد مجال نفوذ خاص بها منفصلة عن النظام العالمي الأكبر المدعوم من الولايات المتحدة.

والآن مثلما كان الماضي، فالقوى الرجعية هي تلك الديكتاتوريات التي تتحدى القيم والمصالح الأمريكية، حيث تسعى إلى قلب الترتيبات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي ساعدت الولايات المتحدة على ترسيخها منذ فترة طويلة، ودعمتها منذ ذلك الحين. وإذا ما نجحت روسيا فلاديمير بوتين في إعادة فرض سيطرتها على أجزاء من الاتحاد السوفيتي السابق، أو سيطرت صين جين جين بينغ على التجارة البحرية في غرب المحيط الهادئ، أو هيمنت إيران آية الله علي خامنئي على احتياطي النفط في الخليج العربي، فسوف تتعرض الولايات المتحدة وحلفائها والنظام العالمي الذي يدعمونه لضربة قاصمة.

لكن ظروف اليوم تختلف عن ظروف الماضي من عدة طرق مهمة. فخلال معظم فترة الحرب الباردة، واجهت واشنطن منافسًا قويًّا واحدًا هو الاتحاد السوفيتي، زعيم الحركة الشيوعية الدولية. أما الآن فعليها أن تتعامل مع ثلاثة خصوم منفصلين، كل مستقل إلى حد كبير عن الآخرَيْن. فرغم أن روسيا والصين تتعاونان، إلا أنهما تتنافسان أيضًا مع بعضهما البعض، وعلى الرغم من أن كلاهما تتمتعان بعلاقات جيدة مع إيران، إلا أنهما لديهما أيضًا عدد كبير من المسلمين الذين يعانون من القمع والتضييق، مما يعطيهم سببًا للقلق بشأن نمو قوة إيران ونفوذها. كان احتواء الحرب الباردة مهمة عالمية واحدة، نُفِّذت على المستوى الإقليمي، أما الاحتواء المعاصر فسيشمل ثلاث مبادرات إقليمية منفصلة، ينبغي أن يتم تنفيذها بالتنسيق.

وعلاوة على ذلك، فقد شكّل الاتحاد السوفيتي تحديًّا أيديولوجيًّا قويًّا، لأنّه لم يكن يقتصر على تحقيق مصالح موسكو الجيوسياسية فحسب، بل لمبادئها الشيوعية. والآن لم يعد لدى روسيا ولا الصين مثل هذه الأيديولوجية الصلبة.

لقد تخلت روسيا عن الشيوعية تمامًا، وأقدمت الصين على ذلك جزئيًّا، فاحتفظت بفكرة تفوق الحزب، لكنها سحبت معظم الاقتصاد والروح النضالية المتحمسة، وعلى الرغم من أن إيران تمثل قضية وليس مجرد امتداد للأراضي، فإن الجاذبية المحتملة لأيديولوجيتها تقتصر إلى حد كبير على العالم الإسلامي، وفي المقام الأول على الأقلية الشيعية.

لا تملك أي من القوى الرجعية الحديثة قدرات الاتحاد السوفيتي العسكرية المخيفة. فروسيا عبارة عن نسخة متقلصة من قدراتها العسكرية القديمة، وإيران تفتقر إلى قوات عسكرية حديثة هائلة، بيد أن النمو الاقتصادي للصين في النهاية ربما يسمح لها بمضاهاة الولايات المتحدة في جميع الأبعاد الاستراتيجية؛ ما يشكل تهديدًا حقيقيًّا مماثلاً، ولكن حتى الآن، تركز بكين على تطوير القوات لإبعاد الولايات المتحدة من غرب المحيط الهادئ، وليس لاستعراض القوة على المستوى العالمي، وإضافة إلى ذلك، فإن الإجراءات التي اتخذتها كل قوة منها حتى الآن، مثل استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم، وتدخلها في الشرق الأوسط، وبناء الصين لمزيد من الجزر، والتخريب الذي تقوم به إيران إقليميًّا، كانت اختبارات محدودة وليست هجمات شاملة على النظام القائم.

وأخيرًا، كان الاتحاد السوفيتي منفصلاً إلى حد كبير عن الاقتصاد العالمي مرتكز على الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة، في حين أن القوى الرجعية اليوم هي جزء كبير منه. ورغم أن روسيا وإيران تمتلكان اقتصادات صغيرة نسبيًّا وتصدران الطاقة، إلا أن الصين لديها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ولديها علاقات عميقة وواسعة ومتنامية مع جميع دول العالم.

إن الترابط الاقتصادي سيعقد الاحتواء، وربما تكون الصين، على سبيل المثال، منافسة سياسية وعسكرية، ولكنها أيضًا شريك اقتصادي مهم، حيث تعتمد الولايات المتحدة على الصين لتمويل عجزها. وفي المقابل تعتمد الصين على الولايات المتحدة لشراء صادراتها؛ وبالتالي سيتطلب الاحتواء في آسيا سياسات أخرى أيضًا، لأنه على الرغم من أن الانهيار العسكري الصيني سيعزز الأمن الآسيوي، فإن الانهيار الاقتصادي الصيني سيسبب كارثة اقتصادية.

وهذه الاختلافات مجتمعة تجعل الاحتواء الحالي تحديًّا أقل إلحاحًا من سابقه أثناء الحرب الباردة. فلم يعد على الولايات المتحدة أن تتعامل مع تهديد وحيد خطير من بلد يعمل على إعادة تشكيل العالم برمته وفق تصوره، بل عليها أن تتصدى لثلاثة تحديات خطيرة ولكنها أقل من التحدي السابق، فهي تصدر عن دول لا تسعى إلى إقامة الجنة على الأرض، بل تسعى لإيجاد قوة إقليمية أوسع لها استقلال ذاتي. ولكن إذا كانت تحديات اليوم أقل ملحمية، فهي أكثر تعقيدًا. كان الاحتواء القديم بسيطًا، مع أنه لم يكن سهلاً. حيث سيتعين على الاحتواء الجديد دمج مجموعة متنوعة من السياسات، يتم تنسيقها بعناية مع بعضها البعض في التصميم والتنفيذ؛ ما سيشكل عبئًا على براعة ومرونة الولايات المتحدة وحلفائها.

معًا أقوى كما كان الوضع خلال الحرب الباردة، يتطلب الاحتواء اليوم نشر القوات العسكرية الأمريكية في الخارج. ففي أوروبا، هناك حاجة إلى قوات برية لردع العدوان الروسي، لقد أرسل نظام بوتين بالفعل قوات إلى جورجيا وأوكرانيا، والولايات المتحدة ملتزمة بحماية حلفائها في الناتو. وهذه تضم الدول البلطيقية، والدول الصغيرة على حدود روسيا، ومن خلال الدفاع عنهم، يمكن أن تواجه الولايات المتحدة بعض الصعوبات مثل تلك التي كانت تواجهها أثناء دفاعها عن برلين الغربية، بما في ذلك، في أسوأ الحالات، أن تقرر ما إذا كانت ستستخدم الأسلحة النووية في الصراع بدلاً من قبول الهزيمة العسكرية.

وفي شرق آسيا يتطلب وجود قوي للبحرية الأمريكية لمواجهة الحملة الصينية للسيطرة على غرب المحيط الهادئ، حيث تلتزم الولايات المتحدة بحماية الحلفاء مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والحفاظ على الممرات البحرية المفتوحة، وتدير ما تطلق عليه "عمليات حرية الملاحة" في المياه الدولية التي طالبت بها الصين حديثًا للتأكيد على أن بقية دول العالم لا تقبل الادعاءات والهيمنة الصينية هناك.

أما في الشرق الأوسط، فهناك حاجة إلى قوات بحرية وجوية أمريكية لحماية شحنات نفط الخليج العربي إلى أوروبا وآسيا ودعم إعادة نجاح البرنامج النووي الإيراني، إذا أصبح ذلك ضروريًّا. ومع هذا فالقوات الأمريكية على الأرض غير مطلوبة؛ حيث إن القوات المحلية هي التي يجب أن تراقب الأعمال التخريبية الإيرانية في المنطقة  .

دبلوماسيًّا، تحتاج واشنطن إلى الحفاظ على تحالفات واسعة من القوى المحلية أو تجميعها لمعارضة كل تحد رجعي. ففي أوروبا تم إنشاء حلف الناتو لتنفيذ هذه المهمة بالذات، لذا ينبغي أن يكون هذا الحلف دعامة لاستراتيجية الولايات المتحدة هناك. وفي آسيا والشرق الأوسط، لا يزال نمط "محور التجميع ومسارات التوزيع" في تحالفات الحرب الباردة الأمريكية قائمًا، حتى مع بدء القوى الإقليمية في التعاون فيما بينها.

إن العمل مع الشركاء يستغل قوة واشنطن الكبرى، التي تتمثل في قدرتها على جذب الحلفاء وخلق تحالفات قوية ضد المعارضين المعزولين. كما أن التنسيق مع الدول الأخرى يمنح السياسة الخارجية الأمريكية الشرعية التي ربما تفتقر إليها؛ ما يدل ببساطة على أن الولايات المتحدة لا تعمل من أجل مصالحها الذاتية، بل إنها تدافع عن المبادئ العريضة للنظام الدولي التي تدعمها دول أخرى كثيرة.

ويتيح اعتماد القوى الرجعية على الوصول إلى الاقتصاد العالمي للولايات المتحدة وشركائها في التحالف مصدرًا محتملًا للضغط، فقد حاولت واشنطن وحلفاؤها استغلال ذلك من خلال فرض عقوبات على روسيا بسبب غزوها لأوكرانيا، وفرض رسوم جمركية على الصين لممارساتها التجارية، وفرض عقوبات على إيران بسبب برنامجها للأسلحة النووية، لكن الاعتماد المتبادل ينسحب على كلا الطرفين. فمن جانبها، حاولت روسيا الضغط على أوكرانيا من خلال منع حصول الأخيرة على الطاقة الروسية، في حين فرضت الصين حظرًا مستهدفًا على اليابان والنرويج للإعراب عن استيائها من سياسات يابانية ونرويجية محددة، وعلاوة على ذلك، فإن الأدوات الاقتصادية في أحسن الأحوال لها سجل مختلط في تحقيق الأهداف السياسية، فكلما كان ائتلاف العقوبات أوسع نطاقًا، كان تأثيره أكبر.

جعل الأمر رسميًّا يثير احتمال وجود استراتيجية للاحتواء الثلاثي في ​​القرن الحادي والعشرين العديد من التساؤلات، وبما أن الولايات المتحدة تقوم بالفعل بالكثير مما هو مطلوب، فما هو مقدار التغيير المطلوب في السياسة الخارجية الأمريكية؟ هل من الضروري أو المجدي مواجهة كل القوى الرجعية الثلاث في وقت واحد؟ وكيف ينتهي كل هذا؟

أما بالنسبة للقوة الأولى، فإن الالتزام الصريح للولايات المتحدة بالاحتواء سيعتمد على العديد من السياسات الحالية مع إعادة صياغتها كجزء من استراتيجية وطنية متماسكة بدلاً من منتجات القصور الذاتي أو عدم الانتباه. إن الالتزام العلني بالاحتواء سيعزز مصداقية الردع الأمريكي ويقلل من فرص الهجمات الانتهازية من قبل المعارضين الذين يأملون في تحقيق مكاسب سهلة (كما حدث في كوريا عام 1950، والعراق عام 1990). وهذا بدوره سيطمئن الحلفاء الفعليين والمحتملين ويزيد من استعدادهم للانضمام إلى هذا الجهد، كما يساعد تبني الاحتواء كإطار استراتيجي في كبح دوافع واشنطن العرضية لفعل المزيد (محاولة تحويل المجتمعات الأخرى) أو أقل (التراجع عن المشاركة العالمية تمامًا).

أما فيما يتعلق بمواجهة الثلاثة في آن واحد، فإن المنطق الجيوسياسي والخبرة التاريخية تشير إلى أن تقليل عدد التهديدات هو أفضل مسار، كما فعلت الولايات المتحدة من خلال الانضمام إلى الاتحاد السوفيتي لهزيمة النازيين ومن ثم الانحياز إلى الصين مع "ماو تسي تونج" لهزيمة الاتحاد السوفيتي. كانت روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي ستكون شريكا طبيعيا للغرب، لكن موسكو كانت بعيدة كل البعد عن شراكتها الجيوسياسية المنطقية مع توسع الناتو، الأمر الذي جلب الجيوش الأجنبية إلى بوابتها بسبب اعتراضاتها.

وفي هذه المرحلة، تعتمد جميع الأنظمة الرجعية الثلاثة على الدعم المحلي تجاه العداء القومي للولايات المتحدة تحديدًا، والديمقراطيات الغربية بشكل عام، وترفض أن تكون جزءًا من تحالف تقوده الولايات المتحدة. ولحسن الحظ، تُعد روسيا أضعف بكثير من الاتحاد السوفيتي، أما الصين فهي  مقيدة بالردع وإدراكها أن الصراع العسكري سيضر اقتصادها، وإيران قوة إقليمية. لذا، تستطيع الولايات المتحدة تحمل احتواء جميع الأطراف الثلاثة في آنٍ واحد .

كان احتواء الحرب الباردة سياسة مفتوحة مع نتيجة نهائية مرجوّة. وينطبق الأمر نفسه على النسخة الجديدة: يجب أن تستمر السياسة طالما أن التهديدات المزمع احتواءها مستمرة، ومن الناحية المثالية ستنتهي بشكل مماثل. إن تغيير النظام البنائي، على سبيل المثال، لا سيما تعزيز الديمقراطية، من شأنه أن يغير توجهات السياسة الخارجية للقوى الرجعية. مثل هذا التغيير يجب أن يحدث من خلال العمليات الداخلية، ومن غير المحتمل أن يحدث في أي وقت قريب، ومع ذلك، لا يمكن لأي من الأنظمة أن يكون واثقًا من استمراريته للأبد.

لقد أظهرت الفاشيات المتكررة للاضطرابات السياسية على مر السنين أن كلاً منها يواجه معارضة داخلية مهمة، ويحافظ على نفسه في السلطة من خلال القسر والإكراه، ويخشى من شعبه بدلاً من أن يثق به، مثل هذه الحالات يمكن أن تتحول بسرعة، ويمكن أن تؤدي سياسة الاحتواء التي يتم تنفيذها بشكل جيد إلى زيادة فرص الاختراق عن طريق إنشاء سياق خارجي يشجعها، ورغم أنه من المؤكد أنه يؤتي كل ذلك ثماره، إلا أنه من المستحيل التنبؤ به.

احترس من الراكبين المجانيين من المفارقات أن أكبر العقبات التي تعترض سياسة الاحتواء الجديدة لا تأتي من القوى التي يتم احتواؤها، ولكن من الدول التي تقوم بهذا الاحتواء، حيث تحتاج الولايات المتحدة إلى إعادة تعلم كيفية إدارة تحالفات دائمة من الحلفاء وإقناع مواطنيها بأن ممارسة القيادة العالمية لا تزال تستحق الجهد المطلوب.

من الصعب إدارة الائتلافات في أفضل الظروف، وكان من الصعب كذلك الإبقاء على التحالف الغربي متماسكًا خلال الحرب الباردة، على الرغم من أنه واجه تهديدًا قويًا واحدًا؛ لذا فإن بناء تحالفات مماثلة والحفاظ عليها اليوم، يواجهه تهديدات أصغر متنوعة، ستكون أكثر صعوبة، ففي أوروبا، وعلى الرغم من أن جميع الدول متخوفة من روسيا، إلا أن بعضها يبدو أكثر من غيره. كما أن أقرب هذه الدول إلى الحدود الروسية تدعم بشدة وجودًا عسكريًا غربيًا معززًا.

وفي غضون ذلك، تسببت سنوات من الأزمة بشأن العملة الأوروبية المشتركة في خسائر سياسية وتزايد التوترات داخل أوروبا، وجعلت جميع أشكال التعاون أكثر صعوبة، كما أن استمرار دراما البريكسيت لن يؤدي إلا إلى تفاقم المشاكل.

وفي آسيا، اتخذت الفلبين وكوريا الجنوبية في بعض الأحيان وجهة نظر معتدلة إزاء القوة الصينية أكثر من دول المنطقة الأخرى، ومن بين الدول التي تتفق على الحاجة إلى كبح الطموح الصينية (وهذه الدول تضم أستراليا والهند وإندونيسيا واليابان)، فإن وضع سياسات مشتركة أمر صعب لأنها مجموعة غير متجانسة وغير محددة المعالم.

أما في الشرق الأوسط، فهناك حلفاء أمريكيون مهمون، مثل قطر التي تستضيف قاعدة جوية أمريكية، والمملكة العربية السعودية، وهما على خلاف حاد، وحكومة تركيا، وهي عضو في حلف الناتو، تدعم جماعة الإخوان المسلمين، التي تعتبرها مصر والسعودية عدوًا لدودًا، ومن عجيب المفارقات هنا أن العضو الوحيد غير المتشكك في الائتلاف المناهض لإيران هو إسرائيل، وهي دولة ظلت طيلة عقود من الزمن متهمة بأنها سبب جميع المشاكل في الشرق الأوسط، لكن يُعترف بها الآن على أنها قوة موازنة يمكن الاعتماد عليها أمام القوة الفارسية.

كما تعتري جميع الائتلافات مشاكل الركاب المجانيين، وعادة ما يدفع الأعضاء المهيمنون أكثر من نصيبهم العادل من التكاليف المترتبة على ذلك؛ لذا مع الاحتواء الجديد، سيكون الاختلال أكثر وضوحًا في أوروبا، حيث يستمر تقليد السماح لواشنطن في تحمل الكثير من عبء الدفاع الجماعي لفترة طويلة جدًا، وهذه نشأت عندما كان حلفاء الولايات المتحدة ضعفاء وفقراء ولكنهم استمروا حتى بعد أن أصبحوا أقوياء وأغنياء.

فخلال الحرب الباردة، حاول كل رئيس أمريكي، دون نجاح كبير، دفع الدول الأوروبية لدفع المزيد من أجل حلف الناتو، لكن لم تدعم أي دولة القضية بقوة؛ لأن الأولوية كانت للحفاظ على جبهة مشتركة ضد التهديد السوفيتي. وقد يكون هناك احتمال أقل لهذا النوع من الحرية اليوم، كما توضح تصريحات الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب".

زادت الدول الآسيوية المتخوفة من الصين من إنفاقها على الدفاع، ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة مقدّر لها أن تأخذ زمام المبادرة في معارضة الصين؛ لأن التهديد الأكثر إلحاحًا الذي تفرضه جمهورية الصين الشعبية هو تهديد بحري، وهو أمر يتطلب قوات بحرية كبيرة تستطيع المنافسة، من النوع الذي لا يمارسه أحد سوى الولايات المتحدة.

وفي الشرق الأوسط، تمتلك إسرائيل قوات مسلحة قادرة، كما اشترت السعودية الكثير من المعدات العسكرية الأمريكية، في حين تمتلك تركيا جيشًا هائلًا، لكن لا يمكن الاعتماد على الحكومة التركية الحالية لاستخدامها في احتواء إيران.

هل تقود أمريكا؟
ربما تكون الحلقة الأضعف في السلسلة أقوى دولة في حد ذاتها، هناك أسباب تدعو إلى توقع دعم الرأي العام الأمريكي لدور قيادي في احتواء روسيا والصين وإيران، ولدى الولايات المتحدة تاريخ طويل في هذه السياسة الخارجية، كما أن هذا النهج له منطق جغرافي سياسي وراءه، ووعد بحماية المصالح الأمريكية في مناطق مهمة من العالم بثمن مقبول، ولكن هناك أيضًا أسباب للشك، فتهديدات اليوم تبدو أقل إلحاحًا، والتعامل معها سيكون أكثر تعقيدًا، كما أن موقف البلد تجاه التشابكات الأجنبية قد توترت على نحو مفترض خلال العِقدين الماضيين.

تم جر الولايات المتحدة إلى الحربين العالميتين بسبب الهجمات الخارجية، وأعطى الأمريكيون دعمهم لسياسة خارجية ذات امتداد عالمي خلال الحرب الباردة؛ لأنهم اقتنعوا بأنها سوف تتسبب في حرب عالمية أخرى. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، استمرت الكثير من ترتيبات الحرب الباردة بسبب القصور الذاتي وحصلت على الدعم لأنها لا تكلف كثيرًا أو دون مخاطرة تذكر كما كانت تبدو. والآن بعد أن زادت نفقات ومخاطر مثل هذه السياسة، ربما يعيد الكثير من الأمريكيين النظر في دعمهم هذا.

وقد تعمقت الشكوك بسبب تخبط البلاد الأخير في الخارج، حيث تراجعت التدخلات في أفغانستان والعراق وليبيا بشكل سيئ، كما لم يعد لدى الجمهور القدرة على تقبل المزيد. هذه النظرة لديها الكثير لتوصي به، ولكنها لا تحتاج إلى تهديد احتمالات احتواء جديد، لأن تلك الدورة تختلف تمام الاختلاف عن الحملات الفاشلة في العقود الأخيرة، تلك الجهود المبذولة لتحويل السياسات الداخلية واقتصادات الدول الضعيفة، ولكن الاحتواء ينطوي على عكس ذلك، والتحقق من السلوك الخارجي للدول القوية، وإذا استطاع القادة الوطنيون تقدير الاختلاف وشرحه، فقد يكون بوسعهم كسب دعم الجمهور.

وأخيرًا، فإن تصاعد الشعبوية يجعل أي مشروع من هذا النوع أكثر صعوبة، فجوهر الشعبوية هو العداء للنخب، كما أن تصميم السياسة الخارجية وإدارتها من أنشطة النخبة، وتفضل مؤسسة السياسة الخارجية وجود دور أمريكي قوي في العالم، وهو قد يكون سببًا كافيًا للمتمردين المناهضين للمؤسسية، بمن فيهم الشعبوي الذي يقيم الآن في البيت الأبيض لمعارضتها.

لذا، فإن الاتجاه المستقبلي للسياسة الخارجية الأمريكية غير واضح، وربما تتخلى واشنطن عن تحالفات مهمة لاحتواء القوى الرجعية الثلاث، وفي هذه الحالة ستزداد قوة تلك القوى، وقد يشجعها التنازل الأمريكي وربما تزاد عدوانية وتحاول التنمر على جيرانها، فيما يعتمد هؤلاء الجيران حاليًا على الترسانة النووية الأمريكية لحمايتهم، وإذا ما شكوا في مصداقية الضمانات الأمنية الأمريكية، فقد يلحقون بإسرائيل ويختارون تطوير أو امتلاك ترساناتهم الخاصة لحماية أنفسهم. وهكذا، فإن انسحاب الولايات المتحدة من شأنه أن يجعل العالم أكثر خطورة وانتشار السلاح النووي أكثر احتمالاً.

وبفضل حجم الولايات المتحدة وجغرافيتها وسلطتها، استطاع الأمريكيون على مدى أجيال عديدة أن يعطوا اهتمامًا أقل للسياسة الخارجية الأمريكية أكثر من اهتمام مواطني الدول الأخرى، الذين تتأثر حياتهم ومستقبلهم بهذه السياسة فورًا ومباشرة، وإذا ما ابتعدت البلاد بشكل حاسم عن دورها العالمي والسماح بالتحديات الرجعية للتقدم دون رادع، فإن انفصال الأمريكيين السعيد عن العالم خارج حدودهم قد يختفي، وبحلول الوقت الذي يدركون فيه ما يحتاجون إلى حمايته، سيكون الأوان قد فات للقيام بذلك دون صعوبات كبيرة أو تكاليف باهظة.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق