فورين بوليسي | التحفيز للقتل.. لماذا تعمد مُنفذ هجوم مسجد نيوزيلندا بث جريمته على الهواء ؟


١٧ مارس ٢٠١٩ - ٠٤:٢٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد



في الأيام والساعات التي سبقت الهجوم المميت على مسجدين في نيوزيلندا يوم الجمعة, ترك منفّذ الهجوم مجموعة من الأدلة الرقمية التي أظهرت غرضًا واضحًا: لقد خطط لهجومه الإرهابي وهو يضع الإنترنت في ذهنه. كان القاتل يصنع فيلم جريمة حقيقية  يصلح لعصر وسائل التواصل الاجتماعي, فيلمًا سيحظى بانتشار عالمي فوري عن طريق بثّه مباشرة على صفحته على موقع فيسبوك.

حتى موقع إطلاق النار, نيوزيلندا البعيدة, تم اختياره على ما يبدو لإرسال رسالة ستلقى أصداء على الفور في العالم الرقمي المظلم: لم يعد هناك مكان آمن على وجه الأرض من المتطرفين البيض وعقيدتهم, الذين توصلوا إلى حياة جديدة على الإنترنت.  

تخدم طريقة العمل هذه الآن كغذاء لوسائل الإعلام العالمية الشرهة التي تبث أفكار القاتل حول العالم, وتقرّبها أكثر من التيار الرئيسي. وهذا أيضًا يبدو وأنه كان خطة القاتل, الذي يبدو وأنه اشترك في بعض الثقافات الفرعية الأكثر سُمية على الإنترنت.  

كل هذا يفرض أسئلة صعبة حول كيف ينبغي أن تتجاوب وسائل الإعلام مع بث المجزرة على الإنترنت.

يجادل روبرت إيفانز, الصحفي والباحث الذي كتب بشكل موسع عن الجماعات المتطرفة على الإنترنت, أن "وسائل الإعلام ماهرة جدًا في التعامل مع الجماعات مثل القاعدة"، التي تمتلك قيادة واضحة وهيكلًا تنظيميًّا. بيد أن الجماعات الإلكترونية بلا قائد مثل تلك التي يبدو أن القاتل اشترك فيها تشكل تحديًا أصعب بكثير.  

كان يقع في مركز الاستراتيجية الإعلامية للقاتل فيديو خسيس: بث مباشر لمدة 17 دقيقة من كاميرا مثبتة على خوذته شبه العسكرية.وهو يقود سيارته السوبارو إلى هدفه, ومشى إلى المسجد ثم بدأ إطلاق النار.

لقد علم متابعوه بأمر البث مسبقًا لأنه كان قد أعلن عن إطلاق النار – وحقيقة أنه سيبثه مباشرة – على منتدى 8chan, وهو موقع لمشاركة الصور والذي يفتخر بأنه يستضيف المحتوى الذي تَعتبره المواقع المماثلة مسيئًا جدًا. نشر القاتل, إلى جانب رابط صفحته على الفيسبوك, روابط لبيانه المكوّن من 74 صفحة المنتشر على عدة مواقع بحيث يتمكن مستخدمو 8chan الآخرون من الحصول على نسخة منه قبل حذفه. (نشأ 8chan من موقع 4chan المشابه بعد أن اعتقد بعض مستخدميه أنه أصبح عدائيًّا جدًّا تجاه المحتوى المسييء والمشحون بالكراهية الشديدة.)

في الساعات التي أعقبت إطلاق النار, بثت وسائل الإعلام العالمية هذه المادة على نطاق واسع. نشرت صحيفة ذا صن البريطانية مقتطفات من فيديو إطلاق النار على صفحتها الرئيسية, ونشرت صحيفة دايلي ميل رابطًا لتحميل البيان، فيما عرضت القناة الإخبارية الأمريكية MSNBC البيان على الهواء واقتبست منه.

وبعد الهجوم بساعات, كان الفيديو متاحًا على يوتيوب قبل أن يحذفه الموقع. وكان متاحًا أيضًا على فيسبوك, حيث بُث لأول مرة, لفترة قبل أن يحذفه الموقع. وفي حين أن الفيديو أصبح غير متاح إلى حد كبير الآن, إلا أن أي مستخدم إنترنت يستطيع أن يجده.

إن هجوم يوم الجمعة لم يكن أول حادثة قتل وحشية تُبث مباشرة على فيسبوك – استخدم مقاتل في تنظيم الدولة الإسلامية نفس الأمر للاعتراف على الفور بقتله لنقيب شرطة فرنسي وشريكه في 2016.

لكن بيان القاتل, والفيديو, ووسيلة توزيع الاثنين كانوا جديرين بالملاحظة؛ بسبب الطريقة التي كانوا مشبعين بها بمصطلحات وأعراف ثقافة الإنترنت. وأشاروا إلى أن القاتل, الذي قيل إنه معجب بالقاتل النرويجي "أندرس بهرنغ بريفيك", الذي قتل 77 شخصًا في 2011, أراد بشكل رئيس أن يحقق نوعًا مماثلًا من الخلود العنصري.

في مستهل الفيديو, يشجع القاتل المشاهدين على الاشتراك في قناة PewDiePie على يوتيوب, الذي تغزل في معاداة السامية وأطلق تصريحات مهينة عن المرأة. بأقل من 90 مليون مشترك بقليل, يُعد الشخصية الأكثر شعبية في العالم على يوتيوب.

لقد دفعت الإشارة إلى PewDiePie مؤسس القناة, فيليكس شالبرج, إلى إصدار بيان يشجب فيه الهجوم – وأكد أن جحافل متابعيه سيتعرضون لما حدث في نيوزيلندا.  

وإلى جانب ذكر بعض القتلة الجماعيين البيض القدامى، أشار البيان بكثرة إلى الميمات والصور والنصوص التي تشكّل اللغة المشتركة لمستخدمي الإنترنت، ويمثّل البيان في جوهره خطابا يدعو إلى قتل غير الأوروبيين.

في بعض الأحيان, يستفز الكاتب عمدًا القراء غير المطلعين على ثقافة الإنترنت عن طريق إطلاق تصريحات غريبة قد يأخذها الغرباء على محمل الجد. في فقرة لافتة للنظر يتناول الكاتب فيها ما إذا كان قد تعلم العنف من ألعاب الفيديو, يكتب أنه علم بشأن "القومية العرقية" من لعبة Spyro the Dragon 3 وأن لعبة Fortnite دربته على "أن يكون قاتلًا وأن يرقص على جثث أعدائه"، في إشارة للرقصات الاحتفالية التي تُعد أحد عناصر تلك اللعبة.

إن المستند مشبع بالمزحات المستخدمة في تلك المنتديات ويوضح أن كاتبه عضو مخضرم في تلك الأوساط، وقد استخدم الكاتب أحد ميمات الإنترنت المعروفة لتكون الصورة الرمزية له, وهو "Australian Shitposters". وتشير كلمة "shitpost" إلى المساهمات منخفضة القيمة على المنتديات.  

في الترويج للهجوم على موقع 8chan, كتب منفذ الهجوم: "حسنًا يا رفاق, حان الوقت للتوقف عن الـshitposting وعمل منشور ينم عن جهد حقيقي".

لقد جلب هجوم يوم الجمعة الشكل الأكثر خبثًا من عنصرية 8chan إلى حرم مسجد في كرايستشرش, تمامًا مثلما جلبت احتجاجات شارلوتسفيل المميتة عام 2017 للقوميين البيض الأمريكيين عناصر من اليمين المتطرف الأمريكي إلى شوارع فيرجينيا بعيدًا عن زاويتهم المظلمة على الإنترنت.

ولا شك أن كيفية تغطية مثل تلك الظواهر الإلكترونية تمثّل تحديًا كبيرًا للمؤسسات الإعلامية التقليدية، ففي تقرير يعود لعام 2018, فحص الباحثون في مركز Data & Society, وهو منظمة أبحاث غير ربحية, كيف أن تغطية المجتمعات الإلكترونية وأيديولوجيتهم العنصرية جلبتهم إلى التيار الرئيسي.

كما استنتج الباحثون من خلال الظهور وممارسة مهامهم المكلفين بها كيف لعب الصحفيون الذي يغطون الفئة المهمشة من اليمين المتطرف دورًا مباشرًا لمصلحة العلاقات العامة لهذه الجماعات. وفي هذه العملية, سكبت التغطية الوقود على النار المشتعلة بالفعل".

وفي سياق آخر، عندما يترك أعضاء اليمين المتطرف المهمشون الإنترنت ويشتركون في العنف الجماعي, من المستحيل ألا تغطي المنافذ الإعلامية هذا الموضوع، فمقتل 49 شخصًا يُعد خبرًا مهمًا بلغة الإعلام، وفي المقابل يكمن التحدي في إذاعة ذلك الخبر دون تعريض عدد ضخم من غير المطلعين على الأمر للمجتمعات الإلكترونية العنصرية العنيفة التي ألهمت الهجوم




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق