وور أون ذا روكس | تعرف على أشكال التنافس الدولي في القطب الشمالي


٠٤ مارس ٢٠١٩ - ٠٤:٥٠ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس



في ديسمبر الماضي، صرح "ريتشارد سبنسر" وزير البحرية الأمريكية بأن الخوف من أن تتعرض سفينة ركاب كبيرة في أضرار كارثية في القطب الشمالي يؤرقه طوال الليل، حيث قال: "هل يمكن أن تتخيل أن سفينة رحلات بحرية كرنفالية تعرضت لمشكلة، ويقوم الروس بالبحث وينجحون في عملية الاستخراج؟" ومضى إلى القول بالتأكيد على وجود أقوى للبحرية الأمريكية في القطب الشمالي، وذلك من خلال فتح ميناء استراتيجي في ألاسكا وعمليات حرية الملاحة (FONOPs) في المنطقة.

لم تكن البحرية الأمريكية وحدها التي تتخوف من احتمال وقوع حادث من نوع تيتانيك. فالدول الساحلية التي تطل على القطب الشمالي– وهي كندا والدنمارك والنرويج وروسيا – يؤرقها ذلك أيضًا، فكلما تزايد إبحار السفن السياحية إلى الشمال لتلبية زيادة الإقبال على زيارة القطب الشمالي، يزداد الخطر. فيما كانت استجابة النرويج لهذا التحدي مثالاً يحتذى: فقد أعدت مثل هذه الحالات الطارئة إلى جانب روسيا، بدلاً من اعتبار عمال الإنقاذ الروس تهديدًا محتملاً للسياح الذين تعرضوا للكارثة. ومع ذلك فهذا ليس مؤشرًا على أن النرويج قد "تراخت" إزاء التواجد الروسي في القطب الشمالي، وفي الوقت نفسه، ضاعفت عدد مشاة البحرية الأمريكية التي دعتهم بالتناوب إلى أراضيها، كما أنها استضافت مؤخرًا أكبر مناورة قام بها حلف الناتو منذ نهاية الحرب الباردة.

تتحدى المنطقة القطبية الشمالية وجهات النظر المبسطة للأصدقاء والخصوم الجيوسياسيين. فمن جهة لا توافق الولايات المتحدة وحلفاؤها، مثل كندا، بالضرورة على القضايا الرئيسية في المنطقة، بينما في مناطق أخرى، قد يجد منافسو الولايات المتحدة الاستراتيجيون– روسيا والصين– أرضية مشتركة مع الموقف الأمريكي.

وتتطلب الخطوط الضبابية بين الحلفاء والخصوم أن تقوم الولايات المتحدة بتحسين أدوات السياسة الدفاعية في القطب الشمالي للتأكد من أن أفعالها لا تعرقل العلاقات مع حلفائها، وتدعم موقف الخصوم من دون قصد.

يظهر الخليط الروسي من المنافسة والتعاون مع النرويج بعض أوجه التشابه مع علاقاتها مع الولايات المتحدة في القطب الشمالي. فالوثائق الاستراتيجية الأمريكية الأخيرة تصوّر روسيا كمنافس للولايات المتحدة وخصمها اللدود، مثل الصين، "تتحدى القوة الأمريكية". ولكن في القطب الشمالي فروسيا هي أحد الجيران التي يجب أن تناقش معها القضايا البسيطة وتحلها قبل أن تصبح أكثر تعقيدًا.

فعلى سبيل المثال، مضيق بيرينج، حيث تبنت المنظمة البحرية الدولية، في مايو الماضي، اقتراحًا أمريكيًّا وروسيًّا مشتركًا لإنشاء ممرات شحن لإتاحة مساحة أكبر للسفن كي تستطيع المناورة بأمان وتحديد المناطق الخطرة التي يجب تجنبها. وهذا يمثل تحسنًا ملحوظًا للسلامة البحرية في المضيق الضيق والمزدحم بشكل متزايد.

وعلى نحو مماثل، وعلى الرغم من التوترات بشأن قضايا أخرى، نجحت الولايات المتحدة وروسيا خلال العقد الماضي في دفع دول قطبية شمالية ودول أخرى غير قطبية للتوقيع على وثائق قانونية جديدة للمساعدة في تنظيم الأنشطة في القطب الشمالي أو تعزيزها. وفي عام 2014، اعتمدت المنظمة البحرية الدولية القانون القطبي بتوصية من مجلس القطب الشمالي، الذي يضم في عضويته كلٌ من الولايات المتحدة وروسيا. ويفرض القانون مجموعة من إجراءات السلامة للسفن التي تمر في المنطقة، من الاحتفاظ بمعدات البقاء على متن السفينة لضمان تدريب أفراد الطواقم على ظروف القطب الشمالي. فيما أجرى منتدى خفر السواحل في القطب الشمالي، الذي أنشئ في عام 2015، تدريبًا حيًا في عام 2017 ويستعد للتدريب التالي الذي سيعقد في فنلندا في شهر أبريل المقبل. كذلك فقد تم اعتماد اتفاق لتعزيز التعاون العلمي الدولي  في القطب الشمالي في عام 2017 أثناء رئاسة الولايات المتحدة لمجلس القطب الشمالي. ربما كان من السهل التغاضي عن هذه الإنجازات وسط تزايد التوترات مع روسيا، لكنها تمثل تقدمًا لمن يعيشون في المنطقة أو يمرون بها. ولكن المزيد من التنسيق مع روسيا حول مهمات السلامة والإشراف في منطقة القطب الشمالي قد يعني مزيدًا من الأمان لسكان المناطق الساحلية، وللشحن الآمن، بالإضافة إلى مخاطر أقل، فضلاً عن الفوائد الجماعية الأخرى.

بالطبع، على الولايات المتحدة ألا تتجاهل الإجراءات الروسية الأقل إيجابية. فموسكو تقوم ببناء وتحديث البنية التحتية العسكرية في منطقة القطب الشمالي، وكما لاحظ "سبنسر" في الآونة الأخيرة، لم تكن جميع هذه القواعد والمرافق الجديدة بغرض البحث والإنقاذ. حيث تقوم روسيا بنشر قدرات يمكنها الدفاع عن منطقة تعتبرها استراتيجية للغاية، ولكن يمكن أيضًا، من الناحية النظرية، أن تستخدم لأغراض أخرى، على سبيل المثال، حبس النرويج (عضو الناتو) وراء "فقاعة" لمنع الوصول وحرمان المناطق.

وخلال الحرب الباردة، تعرضت منطقة القطب الشمالي لرقابة دقيقة لأنها كانت أقصر مسار للقاذفات بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا الشمالية. ولا يزال هناك ما يبرر هذه الرقابة اليوم، فخلال الأشهر الستة الماضية، سجلت القيادة الأمريكية الشمالية للدفاع الجوي الفضائي (NORAD) ثلاث حالات لاقتراب قاذفات روسية من الولايات المتحدة وتحتاج إلى العودة.

وكندا هي الشريك الرئيس للولايات المتحدة عندما يتعلق الأمر بمراقبة التهديدات التي تحيق بالقطب الشمالي، وقد تعاونت الولايات المتحدة وكندا عبر قيادة (NORAD) منذ إنشائها في عام 1957. وكانت مهمتها الأصلية هي التحذير الجوي والفضائي، وفي عام 2006، أضيفت مهمة ثالثة، ألا وهي التحذير البحري. وجرى تعزيز هذا التعاون بشكل أكبر في عام 2012 بتوقيع "إطار ثلاثي القيادة للتعاون في القطب الشمالي"، والذي يعزّز المزيد من التعاون العسكري في القطب الشمالي بين الولايات المتحدة وكندا. وينخرط البلدان في العديد من المناورات المشتركة، مثل  مناورة (أيس إكس) البرمائية، ومناورة (NORAD) السنوية "الدرع اليقظ"، والتي تركز على الدفاع عن الوطن. وفي حين قدمت كندا الولايات المتحدة على أنها " شريكتها الأولى في المنطقة القطبية الشمالية"، كانت خريطة طريق القطب الشمالي للبحرية الأمريكية 2014 تسلط الضوء على "الشراكة الفريدة والدائمة" بين الولايات المتحدة وكندا.

ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة وكندا لديهما أيضًا بعض الخلافات في القطب الشمالي. وأحد هذه الخلافات هي تفسيراتهم المختلفة لوضع الممر الشمالي الغربي، الذي يربط بحر بوفورت بخليج بافن شمالي كندا. وتزعم الولايات المتحدة أن هذا هو مضيق دولي ينبغي على تعبره السفن بحرية، في حين تصفه كندا بأنه من "الممرات المائية الداخلية". ومنذ عام 2010، فرضت قوانين منطقة خدمات حركة مرور سفن شمالي كندا ضرورة تسجيل السفن لدى خفر السواحل الكندي من أجل السماح بعبور الممر.

ومن الطريف أن هذا الخلاف يعكس صورة مشابهة لموسكو. حيث تحدّد روسيا طريق بحر الشمال، الذي يمتد على طول الشاطئ الشمالي من بحر بارنتس إلى بحر تشوكشي، ضمن مياهها الداخلية. تصنف الولايات المتحدة هذا الادّعاء على أنه "ادعاء بحري مفرط". وجرى إنشاء البرنامج الأمريكي لحرية الملاحة في عام 1979 لمواجهة هذه الفئة من المطالبات. حيث تدّعي كلٌّ من كندا وروسيا بمطالبات في المادة 234 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والتي تعطي الدول الساحلية المزيد من السلطة لتنظيم الملاحة في المناطق المغطاة بالجليد من أجل منع التلوث البحري، لكن الولايات المتحدة لا توافق على كيفية تطبيق كندا وروسيا لهذه المادة على الممر الشمالي الغربي وطريق بحر الشمال، على التوالي.

وفي حين اتفقت الولايات المتحدة وكندا عمومًا على الاختلاف حول الممر الشمالي الغربي، لم تُذكر إشارة سبنسر إلى (FONOPs) في ديسمبر جيدًا في كندا، وخاصةً حثه على "أننا بحاجة إلى أن نفعلها في الشمال الغربي – في الممر الشمالي". وعلاوة على ذلك، فإن دفع هذه العمليات في القطب الشمالي يكشف تناقضًا جوهريًا: ففي حين تريد الولايات المتحدة مواجهة "الادعاء البحري المفرط" في روسيا، فإنها تتغاضى عن لنفس السلوك من كندا. ومما لا شك فيه أن هناك العديد من المخاطر الأخرى المحيطة بأي (FONOPs) محتملة في القطب الشمالي أبعد من تقويض المبررات القانونية الأمريكية لهذه العمليات. ومع ذلك، ينبغي أن يفكر صانعو السياسة الأمريكيون في كيفية تأثير الوصول إلى هذه الأداة في القطب الشمالي على قدرتهم على تعزيز مبدأ حرية الملاحة في المناطق الأخرى.

في الواقع، هناك بلد واحد يحتمل أن يحب قيام الولايات المتحدة بعمليات الـ (FONOPs) في طريق البحر الشمالي، وهذا البلد هي الصين. فمثل روسيا وكندا، تتحدى الرؤية الصينية للقطب الشمالي التصنيفات البسيطة لحلفاء الولايات المتحدة وخصومها. فوثيقة الصين الأولى حول سياسة القطب الشمالي، والتي صدرت منذ عام، تؤكد التزام البلاد بالمعايير القائمة التي تنظم شئون القطب الشمالي. وتعترف الصين بالحقوق السيادية لدول القطب الشمالي في المنطقة، والتي كانت شرط انضمامها إلى مجلس القطب الشمالي كمراقب. ومع ذلك، ففي حين تظل داخل حدود اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، فإن الصين أيضًا تشجع الرؤية القائلة بأن منطقة القطب الشمالي للبشرية جمعاء، بحجة أن ما يحدث في المنطقة له آثار عالمية ولا يمكن تركه لدول القطب الشمالي فقط. وأهدافها، كما هو مذكور في سياسة القطب الشمالي، في النهاية "حماية المصالح المشتركة في القطب الشمالي لجميع الدول والمجتمع الدولي".

هذه الرؤية ليست مختلفة في الواقع عن موقف الولايات المتحدة المتمثل في وثائقها الاستراتيجية الرئيسية. فاستراتيجية الأمن القومي، التي صدرت في ديسمبر 2017، ذكرت القطب الشمالي باقتضاب شديد، وذلك بتضمينه في الأرض والبحر والفضاء الخارجي والمجال الرقمي، والتي وصفت جميعها "بالمجالات المشتركة" التي ينبغي أن تبقى "مفتوحة ومجانية"، وهو تعريف ضيق للقطب الشمالي إذا وجد بالفعل. ولم تستخدم استراتيجية الدفاع الوطني كلمة "المنطقة القطبية الشمالية"، ولكن ذكرت: "ضمان بقاء المجالات المشتركة مفتوحة وحرة" باعتبارها "هدفًا دفاعيًا أمريكيًا". هذه الرؤية الخاصة بالقطب الشمالي كنطاق مشترك تضع الولايات المتحدة والصين في نفس الخانة، في حين أن كندا تشارك روسيا الرؤية المعاكسة تلك الرؤية التي تعطي الأولوية لدول القطب الشمالي في إدارة المنطقة، وتسعى للحد من التدخل الخارجي.

وفي حين تأتي الصين في الطرف المتلقي لعمليات الملاحة البحرية الأمريكية (FONOPs) في بحر الصين الجنوبي، فهي قد تستفيد إذا بدأ تنفيذ هذه العمليات في القطب الشمالي. ففي عالم افتراضي حيث كان طريق بحر الشمال هو مضيق دولي، ستكون الصين المستفيد الأول من هذا التغيير، وليس الولايات المتحدة. حيث تمثل السفن المتجهة إلى – أو تأتي من – ميناء صيني نسبة كبيرة من حركة المرور على هذا الطريق. وحاليًا، تدفع السفن الصينية رسوم الخدمات لروسيا من خلال مرورها بهذا الطريق، مع تكاليف إضافية لكسر الجليد والمرافقة التي لا تقدم بتكلفة رخيصة، ما يقدّر بنحو 140 ألف دولار لرحلة سفينة شحن صينية واحدة في عام 2017، وفقًا لتقرير مركز ستيمسون الأخير. والصين، التي لديها بالفعل كسارة جليد، وفي طريقها لبناء الثانية، يمكنها – بل وتفضل – القيام برحلاتها من دون هذه التكاليف الإضافية. وفي هذه الأثناء، فإن كسارة الجليد الضخمة الوحيدة التي تعمل في الولايات المتحدة، هي "بولار ستار"، في حالة سيئة للغاية، حيث صرح خفر السواحل الأمريكي في السابق بأنه لن يكون هناك عمليات ملاحة حرة محتملة في طريق بحر الشمال خوفًا من احتمال انهياره خلال العملية.

ويجب ألا تفترض الولايات المتحدة أن ما تفعله لإبقاء الصين تحت المراقبة في بحر الصين الجنوبي ستقوم به أيضًا ضد روسيا في القطب الشمالي. وليس فقط المنافسون المتعددون هم الذين ينادون بمناهج مختلفة، فإن منطقة القطب الشمالي هي المنطقة التي لا توجد بها خطوط بسيطة تفصل بين المنافسين والأصدقاء. فكندا هي شريك أمريكا في (NORAD) وحليف في الناتو، لكن مواقفها القانونية والسياسية حول الحكم والسيادة في القطب الشمالي أقرب إلى روسيا من الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، تتعاون الصين لدرجة معينة مع روسيا في القطب الشمالي– وخاصة في قضايا الطاقة– ولكنها تحتفظ بموقف حذر. إن رؤيتها لحرية الملاحة في القطب الشمالي تتماشى مع منظور الولايات المتحدة أكثر من الرؤية الروسية.

إن وجهات النظر المختلفة عن (FONOPs) تقدّم مثالاً واحدًا فقط عن كيفية تطبيق استراتيجيات ذات مقاس واحد يناسب الجميع في القطب الشمالي، ربما تضر بمصالح الولايات المتحدة، وكيف أن النظرة التبسيطية لأصدقاء الولايات المتحدة وأعدائها تؤدي إلى الأخطاء الفادحة والفرص الضائعة. فإذا فشلت الولايات المتحدة في التفكير بجدية في العواقب من الدرجة الثانية والثالثة لتصرفاتها في القطب الشمالي، فإنها تخاطر بالإضرار بأصدقائها ومساعدة خصومها، وإلحاق الأذى بنفسها في منطقة من المرجح أن تدور فيها منافسة حادة بطرق فريدة بين القوى العظمى.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق