مودرن دبلوماسي | ما هو الوضع الحالي للقوات الأمريكية فى سوريا والعراق؟


٠٣ أبريل ٢٠١٩

ترجمة - بسام عباس



على الرغم من بعض الشكوك السياسية والاستراتيجية الأولى، استمرت الولايات المتحدة في الحفاظ على وجودها العسكري في سوريا وتعزيزه، لا سيما في الجزء الشرقي من البلاد، وكذلك في مناطق غرب العراق.

هناك الآن ما يزيد على 400 جندي أمريكي متمركزين في سوريا، مع ما يقرب من 200 جندي في الشمال، في مناطق حلب والفرات الشرقية. وقد وصلت القوات الأمريكية إلى سوريا مباشرة من "كردستان العراقية"، عبر معبر "الوليد" الحدودي.

ووفقًا لآخر المعلومات، تضم القوات 70 وسيلة نقل، إضافة إلى مركبات نقل النفط، وكذلك الدعم التسليحي واللوجستي، حيث يبلغ العدد الإجمالي إلى ما يزيد على 250 مركبة، وتتجه القافلة أساسًا نحو قاعدة "عين العرب"، شمال شرقي حلب، كما أنها تتجه أيضًا إلى جبله، شمالي الرقة.

وفي الواقع، يعدّ هذا استمرارًا لسياسة بقاء القوات الأمريكية، وأحيانًا، انتشارها في المنطقة، سياسة الولايات المتحدة التي تنفذها منذ يناير الماضي، وقد جرى نشر 200 جندي آخرين إلى قاعدة التنف الأردنية.

في البداية جرى إنشاء هذه القاعدة لمواجهة تنظيم داعش، ولكنها الآن تعمل تقريبًا على جانب خط الاتصال الأكثر ملاءمة والمحتمل بين العراق وإيران، وهو الخط الذي أصبح نقطة انهيار "الهلال الشيعي" الذي من المفترض أن يصل بين طهران وحزب الله في لبنان، وذلك بفضل الوجود الحالي للقوات الأمريكية.

بيد أنه إذا أخذنا في الاعتبار عدد الجنود الأمريكيين الموجودين بالفعل على الحدود الإسرائيلية السورية – وليس ما أكده الرئيس "دونالد ترامب"– فيبلغ عددهم في سوريا نحو ألف جندي، بينما تتحدث مصادر استخباراتية أمريكية أخرى عن أكثر من 1500 جندي من المتوقع أن يبقوا في شمالي شرق سوريا.

أما القواعد التي تستخدمها الولايات المتحدة فهي ست قواعد، وهي موجودة في العراق، حيث تتم مواجهة عناصر داعش بعد هزيمتهم النهائية في سوريا، ومع ذلك، وهذا هو الهدف الثاني، فقوات المارينز متواجدة في قاعدة قرب مدينة الرمادي، عاصمة محافظة الأنبار، التي تبعد نحو 1110 كيلومتر عن بغداد، فيما وصلت تعزيزات إلى قاعدة (كي 1) الأمريكية بالقرب من كركوك، وبعد أن كانت نقطة تجميع للقوات العاملة في سوريا ومخزنًا للأسلحة والبنية التحتية، تعمل حاليًا قاعدة (كي 1) للسيطرة على الجزء الشمالي من الحدود السورية – العراقية، إلى جانب قطاع كردستان في العراق.

والقاعدة الثالثة في العراق هي قاعدة "عين الأسد" الجوية، التي زارها الرئيس ترامب في عيد الميلاد الأخير. ونتيجة لذلك فإن خصم استراتيجية بسيطة بات الآن ممكنًا: حيث ستتمكن القوات الأمريكية في العراق من التحكم الكامل في البر والجو في العراق. ولذلك، فالقواعد الستة قادرة على ضمان التواصل بين القيادة العراقية على الحدود مع سوريا وبقية الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

كما أن هناك أيضًا قاعدة التنف الآنفة الذكر، والآن تعمل بكامل طاقتها، والتي تقع على بعد 24 كيلومترًا فقط بعيدًا عن المثلث الحدودي العراقي السوري الأردني، وقد جرى تعزيزها بقوات المارينز الأمريكية والشبكات الإلكترونية، بالإضافة إلى تعزيز مواقع القوات الأمريكية بالمدفعية الثقيلة.

وأيضًا ما زالت قاعدة الرقة – "عاصمة" الخلافة القديمة في سوريا – نشطة، كذلك الحال فهناك قاعدة أخرى لا تزال تعمل وهي قاعدة رملين، شمال شرق الحسكة، التي كانت دائمًا مركزًا سياسيًّا للأكراد.

وبفضل هذا التوزيع الجديد فإن سيطرة القوات الأمريكية على الأرض هي بمثابة التحقق من تحركات واستخبارات واتصالات جزء كبير من الأراضي العراقية بين الحسكة والتنف التي تتوسط الحدود بين سوريا والعراق.

وهنا يبقى التساؤل: ما مغزى الاستراتيجية الكامنة وراء هذا التوزيع الجديد للقوات الأمريكية في منطقة الحدود السورية العراقية؟ والإجابة بسيطة؛ فهذا يمثل ضغطًا أمريكيًّا على مرتفعات الجولان؛ وهو ما يعني دعمًا عسكريًّا وسياسيًّا واضحًا للاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان.

وكما هو معروف جيدًا، احتلت إسرائيل مرتفعات الجولان أثناء "حرب الأيام الستة" عام 1967. ومع ذلك، ففي عام 1981 أقر الكنيسيت الإسرائيلي "قانون مرتفعات الجولان"، الذي مدّد الإدارة المدنية والقضائية الإسرائيلية على جميع أنحاء الإقليم. ومع نهاية "حرب الأيام الستة"، احتلت إسرائيل ثلاثة أقاليم: قطاع غزة الفلسطيني، وشبه جزيرة سيناء المصرية، ومرتفعات الجولان من سوريا.

مرة أخرى في هذه المرحلة، اعتمد مجلس الأمن القرار 242 – المعروف أيضًا باسم "الأرض مقابل السلام"– الذي اقترح، من حيث المبدأ، سلامًا مستقرًا وذا طابع رسمي بين إسرائيل والدول العربية المجاورة، مقابل عودة جزئية أو كلية للأراضي المحتلة السابقة لسيادة دولها.

وقبل عام 1967، عاش أكثر من 150 ألف سوري في مرتفعات الجولان، بينما يعيش فيها حاليًا 25 ألف من العرب الدروز، ومعظمهم من المواطنين السوريين، فضلا عمَّا يزيد على 20 ألفًا من المستوطنين اليهود، ولكن جميع من يعيشون هناك يحصلون على الجنسية الإسرائيلية.
وفي عام 1981 أعلنت إسرائيل ضم القدس الشرقية ومرتفعات الجولان في وقت واحد، ولكن بعد ذلك بقليل، أدان قرار "مجلس الأمن" رقم 497 الدولة اليهودية لضمها مرتفعات الجولان فقط.

وقد كانت هناك مفاوضات سرية حتى (عام 2010)، بين إسرائيل وسوريا حول مسألة السيادة على مرتفعات الجولان. وعلى الصعيد الاستراتيجي، فالمنطقة بالغة الأهمية لكل من إسرائيل وسوريا، كما أنه في مرتفعات الجولان، أيضًا، هناك حوض نهر الأردن وبحيرة طبريا ونهر اليرموك، وبعض شبكات المياه الجوفية التي تصل إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، ناهيك عن النفط. ويزعم أن مؤخرًا جرى اكتشاف احتياطيات النفط – تقدّر قيمتها بملايين البراميل – تحت أراضي هضبة الجولان.

وبالتأكيد، ففي حين كان لإعلان الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" دعمه للمخططات الإسرائيلية في مرتفعات الجولان عقلانية استراتيجية فيما يتعلق بمصالح الولايات المتحدة في المنطقة، من ناحية، ومن ناحية أخرى، يمكن أيضًا تفسير ذلك بأنه دعم قوي لحملة بنيامين نتنياهو الانتخابية، حيث لا يزال نتنياهو هو المرشح المفضل لدى الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن سياسة الرئيس ترامب بشأن مرتفعات الجولان جديدة إلى حد ما متناقضة.

فالولايات المتحدة، لا سيما في الشرق الأوسط، تعتقد دائمًا أن المفاوضات حول الأراضي تكون نتيجة للمحادثات المباشرة بين الأطراف المعنية، وعلاوة على ذلك، لا يعترف القانون الدولي الحالي بالسيادة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة خلال حرب 1967، كما تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل عرضت في عام 2010 نوعًا من اتفاق "الأرض مقابل السلام" على سوريا، ومع ذلك انتهت المفاوضات في مارس 2011، ومن الواضح أن ذلك بسبب بداية الحرب الأهلية السورية.

وفي تلك الفترة كانت هضبة الجولان تحت سيطرة إسرائيل دون أية مراقبة من سوريا، التي انخرطت في الحرب ضد جبهة النصرة، والتي توصف بالقاعدة في سوريا وتنظيم داعش وبعض الجماعات الجهادية الأخرى.

ما فائدة التعامل مع الأسد؟
إلى اليوم، لم تقدّم سوريا أي دعم لسكان الجولان ولا أمنها، في حين أن إسرائيل وحدها هي التي توفر حاليًا المياه والخدمات الأساسية، مع حرصها أيضًا على الاقتصاد، ومن الواضح كذلك دعم الأمن الداخلي في المنطقة. وفي بداية حكم "باراك أوباما"، طالب "بنيامين نتانياهو" أيضًا الولايات المتحدة بـ "الضوء الأخضر" لضم الجولان.

ومن ثم، في وقت يريد الرئيس "دونالد ترامب" التحكم فيما يتعلق بمرتفعات الجولان من قلب سوريا والعراق، فإن هدف إسرائيل والولايات المتحدة هو تعطيل الخط الأرضي بين إيران  والعراق  من أن يصل إلى سوريا ولبنان، وقبل كل هذا، الوصول إلى البحر المتوسط، الذي هو أيضًا الهدف الرئيس لمشاركة إيران في الحرب السورية. وكان هذا موضوع المفاوضات التي عُقدت في 18 مارس الماضي، في اجتماع سري بين القيادات العراقية والسورية والإيرانية.

وإضافة إلى ذلك، بالنسبة للرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، فحتى إذا كانت العمليات في "سوريا والعراق" يؤيدها بوتين أيضًا – كما يبدو حاليًا – فإنها تهدف إلى تحقيق هدف واضح، وهو وقف أي عملية تهدف إلى توحيد سوريا ولبنان. هذا فضلاً عن أن فكرة "سوق مشتركة" بين إيران والعراق وسوريا ولبنان منتشرة الآن على نطاق واسع بين الطبقات الحاكمة في المنطقة؛ إنها وسيلة استراتيجية واضحة.

ومع ذلك، من المؤكد أنّ موضوع المفاوضات بين وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" والرئيس اللبناني العماد "ميشال عون"، الذي يريد بومبيو أن يعرف شيئًا واحدًا فقط هو ما إذا كان لبنان سيقبل أن يكون جزءًا من محور إيران– سوريا– العراق– حزب الله. وفي هذه الحالة ستفرض الولايات المتحدة عقوبات قاسية على النظام المصرفي اللبناني، الذي سبق وأن مر بأزمة حادة.

أما الخطوات الأخرى التي ستتخذها "الرئاسة الأمريكية" في الشرق الأوسط – بعد الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان– ستكون ما يلي: تشديد العقوبات المفروضة على إيران، وإمكانية الاستيلاء على قاعدة عسكرية في شمال لبنان، وأخيرًا، الوجود العسكري القوي في مرتفعات الجولان والمناطق الأخرى، حتى وإن كان ذلك داخل المنطقة الإسرائيلية.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق