موسكو تايمز | خطة بوتين الجديدة للبقاء في السلطة إلى الأبد


١٨ يناير ٢٠٢٠ - ١٢:٤٨ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس

في خطاب حالة الأمة يوم الأربعاء، اقترح الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" إجراء إصلاح دستوري شامل يتيح له عدة خيارات للبقاء في السلطة بعد عام 2024، عندما تنتهي ولايته. وأدى هذا الإعلان إلى استقالة حكومة رئيس الوزراء "ديمتري ميدفيديف"؛ ما يدل على أن إعادة تشكيل نظام الحكم في روسيا تجري على قدمٍ وساق، وأن ميدفيديف لن يخلف بوتين في الرئاسة، كما فعل في عام 2008.

بعد أن أمضى الساعة الأولى من الخطاب الذي استمر 80 دقيقة حول التركيبة السكانية والاقتصاد، انتقل بوتين فجأة إلى الدستور. وكانت معظم مقترحاته تسير في اتجاه جعل روسيا – التي يكرس دستورها الحالي سلطات رئاسية شبه دكتاتورية – برئاسة ذات صلاحيات أقل، وخيارات محدودة أمام الرؤساء المحتملين.

أولاً: اقترح بوتين أن يُسمح فقط للأشخاص الذين أقاموا في روسيا لأكثر من 25 عامًا متواصلة، والذين لا يحملون جواز سفر أجنبيًّا أو تصريح إقامة دائمة في دولة أجنبية بالترشح للرئاسة. بينما تقول النسخة الحالية من الدستور إن الجنسية الثانية لا تقيد بأي حال من الأحوال حقوق الروس.

مقترحات بوتين تستبعد عددًا كبيرًا من الروس الأثرياء والمتعلمين؛ فوفقًا للإحصاءات الرسمية المعيبة، يحمل 543 ألف روسي الجنسية الثانية أو تصريح إقامة أجنبية، كما ستؤدي الإصلاحات إلى فصل مجتمع المهاجرين الهائل في البلاد، والذي تقدره شعبة السكان بالأمم المتحدة بنحو 10.5 مليون، أي ما يعادل نحو 7٪ من سكان روسيا.

هذا جزء مما يعتبره بوتين حزمة لتعزيز السيادة، فوفقًا للزعيم الروسي، يجب منع الموظفين العموميين ذوي المناصب الأدنى، مثل رئيس الوزراء ورؤساء الوزارات والمحافظين والقضاة من الحصول على تصاريح جنسية مزدوجة وإقامة خارجية، كما يريد أن تأخذ القوانين الروسية الأولوية على الاتفاقيات والمعاهدات وأحكام المحاكم الدولية.

 فيما يقر الدستور الحالي بأن الأولوية للالتزامات الدولية، والتي تؤدي إلى مزيد من الأحكام السلبية من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (قرارات العام الماضي كلّفت روسيا نحو 11.4 مليون دولار كتعويضات، ولكن يكمن وراء هذا المبلغ الضئيل نسبيًّا سلسلة من الإحراجات السياسية) وبعض الكوارث المكلفة في مختلف المحاكم الاقتصادية، مثل خسارة شركة الغاز الطبيعي جازبروم (Gazprom) المملوكة للدولة بمبلغ 2.6 مليار دولار لصالح شركة نافتوجاز (Naftogaz)، صاحبة نظام نقل الغاز الأوكراني؛ ولذلك يرغب بوتين في أن يجعل من المستحيل على أي جهة خارجية – خاصة المحاكم الدولية والمهاجرين الروس والحكومات الأجنبية والمؤسسات التعليمية الغربية – أن يكون لها أي تأثير على الأعمال الداخلية في روسيا.

وحاليًا بالنسبة لاختيار رئيس الوزراء، فالأمر متروك للرئيس (ودور مجلس النواب أن "يوافق" فقط على القرار)، وكذلك الأمر بالنسبة لاختيار أعضاء مجلس الوزراء. بينما اقترح بوتين أن يكون الأمر كله في يد مجلس النواب؛ وكذلك الشيء نفسه بالنسبة لوزراء الحكومة، الذين سيختارهم رئيس الوزراء وليس الرئيس، وسيكون الأخير ملزمًا بقبول قرارات البرلمان.

ويمضي بوتين قدمًا في مزيد من الاقتراحات، حيث اقترح إعطاء مجلس الشيوخ في البرلمان – الذي يتألف، على عكس مجلس النواب المنتخب مباشرة، من ممثلين إقليميين – الحق في اختيار وزراء الأمن والدفاع والسياسة الخارجية، والتي تقتصر حاليًا على الرئيس وحده.

كما أشار إلى موافقته على تغيير سيلغي الثغرة التي سمحت له بالعودة إلى الكرملين في عام 2012، وهي الصيغة الدستورية التي تمنع الرئيس من الخدمة لأكثر من فترتين متتاليتين. فوفقًا لبوتين، لا مانع من حذف كلمة "متتالية"، والتي ستؤدي إلى منعه من دخول انتخابات الرئاسة عام 2030، عندما يبلغ سن 78.

كما أنها ستحد أيضًا من قدرة ميدفيديف على شغل منصب رئيس لأكثر من ولاية واحدة، بالإضافة إلى السنوات الأربع التي قضاها بالفعل. لكن استقالة ميدفيديف كرئيس للوزراء والعرض الذي قدمه بوتين له –  بأن يكون الرجل الثاني في مجلس الأمن الروسي، وهو هيئة استشارية مهمة، غير أنها ليست بأهمية رئاسة الوزراء – تعني أنه من غير المرجح أن يكون خليفة بوتين.

ومن خلال هذه القيود المقترحة على السلطات الرئاسية، يفتح بوتين لنفسه ثلاثة مسارات بعد عام 2024، وهي أقل وضوحًا من الإطالة المباشرة لسلطاته، كما حدث في بيلاروسيا والعديد من دول السوفيتية السابقة في آسيا الوسطى:

الأول: هو أن يصبح رئيسًا للوزراء يتمتع بسلطات معززة والبقاء إلى ما لا نهاية.

والثاني: هو محاولة إدارة البلاد من مقعد رئيس البرلمان.

والثالث: هو الحكم من وراء الكواليس كزعيم للحزب المهيمن في البرلمان، وهي الطريقة التي يدير بها "ياروسلاف كاتشينسكي"، زعيم حزب القانون والعدالة الحاكم في بولندا.

وتتطلب كل هذه الخيارات سيطرة مستمرة على النظام السياسي في روسيا، وهو ما يكفي لكي يظل البرلمان كيانًا واحدًا فاعلًا. وكما أوضح المحلل السياسي "كيريل روجوف" في منشور له على (Facebook): "في نظام غير تنافسي دون حرية الوصول إلى الانتخابات للأحزاب والمرشحين، ومع إجراء انتخابات مزيفة وغير عادلة، فإن نقل السلطات إلى البرلمان يعني، على الأرجح، نقل هذه صلاحيات لقيادة الحزب الذي يهيمن على البرلمان". وتابع: "مثل هذا التكوين، الذي يشبه النمط الصيني، سيسمح لبوتين بالسيطرة الفعلية إلى أجل غير مسمى، مع طرح مجموعة كاملة من الخلفاء المحتملين الذين سيتنافسون فيما بينهم".

لكن حتى معرفة بوتين وسيطرته على النظام السياسي الروسي لا توفر ضمانًا قويًّا للاحتفاظ بالسلطة مدى الحياة، أو– وربما هو الأهم بالنسبة لبوتين– ضمانة أمنية شخصية مدى الحياة؛ حيث لا يتناسب تعزيز اللاعبين الآخرين في نظام معقّد مع أسلوب قيادته؛ وهو ما لم يفعله خلال العِقدين الأخيرين.

وهذا ما جعل اقتراحًا آخر طرحه بوتين في خطاب يوم الأربعاء يثير الاهتمام؛ حيث يرغب بفي أن يضمن في الدستور دورًا واضحًا لمجلس الدولة، وهو هيئة تتمتع حاليًا بقدرة استشارية فقط. فقد أنشأ بوتين المجلس بعد فترة وجيزة من توليه السلطة عام 2000، ويشمل الحكام الإقليميين والمتحدثين في مجلسي البرلمان وقادة الأحزاب البرلمانية. واليوم، أصبح بوتين هو رئيس المجلس.

لكن هذا لن يكون بالضرورة بعد الإصلاح المقترح؛ فقد يختار بوتين رئاسة المجلس بعد التخلي عن الرئاسة، وهو الأمر الذي سيجعل دوره بعد عام 2024 يشبه إلى حد كبير دور أول رئيس لكازاخستان "نور سلطان نزارباييف"، الذي تخلى عن منصبه القديم في العام الماضي ليكون رئيسًا لمجلس الأمن صاحب أعلى الصلاحيات في البلاد.

صاغ بوتين مقترحاته بعيدة المدى للإصلاح الدستوري بشكل غامض في بعض جوانبها الرئيسية، لدرجة أن الكثير من الأسئلة لا تزال دون إجابة. فقد اقترح بوتين تبني الإصلاح بالتصويت الشعبي، لكن من غير الواضح كيف يمكن تنظيم مثل هذا التصويت (ربما يكون استفتاء الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" الدستوري لعام 2017 نموذجًا).

ويبدو أن تحديد أولوية القوانين الروسية على المعاهدات الدولية يتطلب اعتماد دستور جديد تمامًا؛ لأنه يعيد النظر في أحد المبادئ الأساسية للوثيقة الحالية، كما أن سلطات مجلس الدولة وتكوينه غير واضحة، وكذلك مدى توسيع صلاحيات البرلمان؛ فعلى سبيل المثال، هل سيتمكن أيضًا من إقالة الوزراء وليس تعيينهم فقط؟

ومع ذلك، هناك سبب لدى بوتين لطرح جميع الأفكار الآن؛ حيث شعرت المؤسسة الروسية بالقلق حيال نوايا بوتين. والآن، يجب أن يكون واضحًا للجميع أنه على وشك البحث عن دور مختلف عن الرئاسة، وهو منصب أعلى من المعركة.

وليس من مصلحة بوتين الإعلان عن أي منها، ولكن من المهم بالنسبة له أن يشير إلى أنه مسئول عن تحديد الشكل النهائي للأمور، وأنه ينوي الالتفاف بعد عام 2024 على بعض الصلاحيات، وإلا فقد ترك لخَلَفه الخروج بأي تغييرات دستورية ربما تكون ضرورية.

وبالنسبة للمعارضة الروسية، فقد قرأت الإشارات أيضًا؛ حيث غرد " أليكسي نافالني" الخصم السياسي الأبرز لبوتين، على موقع تويتر: "النتيجة الرئيسية لخطاب بوتين هي: كم هو غبي أو مخدوع كل من قال إن بوتين سيخرج من السلطة عام 2024".

وفي الواقع، وبغض النظر عن الشكل الرسمي للنظام السياسي الذي يعتزم بوتين إنشاؤه في نهاية فترة رئاسته، فإن دستور روسيا الحقيقي موجود في رأس بوتين، وهو المكان الذي ستخرج منه التفاصيل المفقودة أيضًا.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية فلاديمير بوتين

التعليقات

  1. مراقب1 ١٨ يناير ٢٠٢٠ - ١٢:٥٤ م

    ولاداعى حتى للاطلاع على الموضوع الاصلى لان خطة بوتين فاشله بل ومدمره عليه وعلى روسيا

اضف تعليق