نيويورك تايمز| ما لا يفهمه الأمريكيون حول قوة الصين


٢١ يناير ٢٠٢٠ - ٠٨:٣٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس


كان القادة الصينيون منذ عهد "دنج شياو بينج" إلى الآن يفكرون بطريقة الخطط العِقدية (كل عشر سنوات) في كثير من الأحيان. ويشتمل العِقد على خطتين خمسيَّتين، واللتين اشتهرت بهما الصين، وهي فترة طويلة بما يكفي لإحداث تغييرات حقيقية في مسار البلد.

قضيت بعض الوقت في الصين مرتين خلال العقد الذي انتهى للتو، كانت المرة الأولى في عام 2010 ومرة أخرى في الآونة الأخيرة. وقد خرجت بنتيجة رئيسية ألا وهي: لقد استمتعت الصين بعشر سنوات جيدة للغاية.

نعم، لا يزال لديها مشاكل كبيرة، بما في ذلك الاحتجاجات في هونج كونج. ولكن وفقًا للمعايير الأكثر أهمية لقادتها؛ فقد حققت الصين مكاسب كبيرة خلال عام 2010. حيث أصبح اقتصادها أكثر تنوعًا، ومجتمعها العلمي أكثر تقدمًا، ودولة المراقبة فيه أكثر قوة، وبات موقعها في آسيا أقوى. باختصار، حققت الصين الكثير في إغلاق الفجوة التي بينها وبين القوة العالمية التي تلاحقها – الولايات المتحدة – أكثر مما كان يبدو محتملًا قبل عشر سنوات.

يدرك كثير من الأمريكيين، بطبيعة الحال، أن الصين آخذة في الصعود، ويشعرون بالقلق حيال ذلك. ومع ذلك، فقد عدتُ أيضًا من رحلتي معتقدًا أن هذا القلق الأمريكي يميل إلى أن يكون في غير محله: فالصين ليست مهيأة لتحل محل الولايات المتحدة - أو حتى أن تصبح ندًا لها– كقوة رائدة في العالم. إن تحديات الصين حقيقية، ليس فقط الاحتجاجات في هونج كونج، بل وأيضًا المعارضة في شينجيانج والتبت، وتدهور الشركات التي تديرها الدولة، والانخفاض الوشيك في عدد السكان في سن العمل.

السبب الأول الذي جعل الصين تحقق مثل هذا التقدم الصارخ من الناحية الجيوسياسية هو أن منافستها قد مرت للتو بعشر سنين سيئة بكل المقاييس. ففي حين قفزت الصين خطوات إلى الأمام أكثر من الخلف، فإن الولايات المتحدة كانت تتحرك ببطء في الاتجاه المعاكس.

وقد توقف معدل الدخل والثروة ومتوسط العمر المتوقع في الولايات المتحدة بالنسبة لمعظم السكان؛ ما ساهم في مزاج وطني غاضب وتفاقم الانقسامات السياسية. والنتيجة هي حكومة شبه وظيفية تعمل على تآكل العديد من مزايا البلاد أمام الصين. وبينما تستغل الولايات المتحدة استثمارات مثل التعليم والعلوم والبنية التحتية التي ساعدت في جعلها القوة العظمى في العالم؛ فهي تخسر القوة الناعمة التي كانت جزءًا أساسيًّا من التفوق الأمريكي.

وهنا يلعب الرئيس ترامب دورًا مهمًّا أكثر من سابقيه؛ فقد أبدى استعداده للتعامل مع الصين باعتبارها التهديد الاستراتيجي الذي تمثله، ومع ذلك، فهو يواجهها بحماس شديد لتعزيزها. وبدلًا من بناء تحالف لمواجهة تزايد نفوذها – بما في ذلك الدول الآسيوية – يتجه ترامب إلى تنفير الحلفاء. وبدلًا من الاحتفال بالديمقراطية كبديل للسلطوية الصينية، فإنه يشوه حكم القانون في الداخل ويتحالف مع المستبدين في الخارج. وكما يقول "كيو جين"، الاقتصادي الصيني في كلية لندن للاقتصاد: إن ترامب بمثابة "هدية استراتيجية" للصين.

كانت إدارة ترامب على حق في اتخاذ موقف أكثر صرامة. لكن بعد فرض عقوبات من جانب واحد، قَبِلَ ترامب الهدنة التي لم تفعل الكثير لمعالجة المشاكل الأساسية، مثل إعانات الشركات الصينية.

ولا يبدو أن النسخة الحالية من الولايات المتحدة تعرف تمامًا ما هويتها – والتي هي: الزعيم الديمقراطي العالمي أو الحامي الذاتي – وهذا الارتباك يفيد الصين. وبعد أن طلبت إدارة ترامب هذا العام من 61 دولة منع شركة هواوي، شركة الاتصالات الصينية، كان الرد محرجًا: ثلاثة منهم فقط قاموا بذلك. فقد قال الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" أنه قد آن الأوان لأن تضع أوروبا نفسها كقوة عالمية ثالثة بين الولايات المتحدة والصين، بدلًا من أن تكون حليفًا أمريكيًّا فقط.

وهناك نقاش مستمر بين خبراء الصين حول ما إذا كانت البلاد ضعيفة أم قوية. والجواب هو أنها قوية وضعيفة، لكن اتجاهها واضح، فهي تواصل طريقها لأن تصبح أقوى.

ويراودني شعور النضج الاقتصادي عندما أقارن بين زيارتيَّ. فعلى الرغم من تباطؤ النمو، من نحو 10% سنويًا في بداية العقد إلى أقل من 7% الآن، كان جزء من هذا التباطؤ أمرًا لا مفر منه، حيث أصبحت البلاد أقل فقراً. أما الأخبار المشجعة للصين فهي، كما يقول "نيل شين"،
الشريك المؤسس لشركة رأس المال الاستثماري "سيكويا كابيتال تشاينا": "لقد تحسنت نوعية النمو كثيرًا".

عندما تحدثت مع القادة الصينيين والمسئولين التنفيذيين في قطاع الأعمال عام 2010، أمضوا الكثير من الوقت في الشكوى من مشكلتين: الافتقار إلى الشركات المبتكرة وانخفاض مستوى إنفاق المستهلك. ولكني لم أسمع تلك الشكوى في هذه الزيارة.

واليوم، تعدّ الصين موطنًا لأفضل تطبيق وسائط اجتماعية في العالم، تيك توك (TikTok)، وهو أكثر شعبية من الفيسبوك (Facebook) بين المراهقين الأمريكيين، وفقًا لاستطلاعٍ حديث. ومن المحتمل أن يتبعه مبدعون آخرون، لأن الاقتصاد الرقمي في الصين يتمتع الآن ببعض المزايا التي لا يتمتع بها نظيره الأمريكي.

وبدلًا من أن تكون مجزأة بين العشرات من التطبيقات– واحد لستاربكس، والآخر لأمازون وشركات الطيران وهلم جرَّا – تنحصر الكثير من التجارة الصينية في إحدى شبكتين رقميتين: "وي شات باي" و"ألي باي" (WeChat Pay – Alipay). حيث يفتح المستخدمون تطبيقًا واحدًا يمكنهم الدفع من خلاله مقابل أي شيء تقريبًا، في المتاجر أو عبر الإنترنت، فالبساطة تشجع على المزيد من ابتكارات البيع بالتجزئة، ويحاول كل من فيسبوك وجوجل تقليد هذا النموذج، حيث يبدو وكأنه سيشكل مستقبل التجارة.

إنه أيضًا جزء من تقدم أكبر في الاقتصاد الاستهلاكي الصيني. فالإنفاق الاستهلاكي الآن يمثل حوالي 39% من إجمالي الناتج المحلي الصيني، بزيادة قدرها 4 % عن عام 2010 الذي كان من 35%.  وربما تكون لكلمة "الاستهلاكية" دلالات سلبية في الولايات المتحدة، حيث يمثل هذا الإنفاق حوالي 68% من الناتج المحلي الإجمالي، لكنه يعني شيئًا مختلفًا تمامًا في الدول الفقيرة مؤخرًا. إنه يدل على التحول عن الاقتصاد الذي تهيمن عليه زراعة الاكتفاء الذاتي والمداخن متجهًا نحو وسائل الراحة في الحياة الحديثة.

كانت إحدى محطاتي الرئيسية في مدينة "نانجينج"، ثاني أكبر مدن الصين، والمعروفة لدى الأجانب بأنها شهدت مذبحة مدنية على أيدي القوات اليابانية في الثلاثينيات. وهذا التاريخ يجعل المدينة رمزًا للإهانات التي عانت منها الصين طوال القرن العشرين، وتستمر هذه الإهانات في تشكيل ثقافة الشعبية؛ حيث تقدم نسبة كبيرة من البرامج التلفزيونية المعاصرة الجيش الياباني على أنه رمز الشر.

ولكن بهدوء أكثر، تجسد "نانجينج" نمو ثقافة المستهلك من الطبقة الوسطى. فقد افتتح نظام مترو الأنفاق في المدينة منذ 14 عامًا فقط، وينقل حاليًّا مليار راكب سنويًّا. إنها نظيفة وصاخبة، وتكلفت كل رحلة قمت بها إما 2 أو 3 يوان (حوالي 28 سنتًا أو 42 سنتًا). أما على الصعيد الوطني، فقد افتتحت ما يقرب من 30 مدينة أخرى مترو أنفاق بعد نانجينج؛ ما جعل الصين تحتل المرتبة الأولى في عدد ركاب المترو في العالم.

نانجينج هي أيضًا واحدة من محطات القطار فائق السرعة الذي افتُتح بين شنجهاي وبكين في عام 2011. حيث تصل المسافة بينهما تقريبًا مثل المسافة بين نيويورك وسينسيناتي، ويستغرق القطار السريع أقل من أربع ساعات.

وتجعل هذه البنية التحتية جميع أنواع النشاط الاقتصادي أسهل، سواء الذهاب إلى العمل، أو قضاء العطلات أو مجرد الذهاب للتسوق. وقضيت ليلة السبت الأخيرة في مركز ديجي بلازا المكون من سبعة طوابق في نانجينج، حيث كانت المطاعم مكتظة، وكذلك الممرات في "أونيتشلو"، حتى الساعة 9 مساءً.

وإلى جانب الاقتصاد، حققت الصين أيضًا تقدمًا ملحوظًا في مجالات أخرى على مدار السنوات العشر الماضية. لقد أصبحت على وشك أن تصبح الممول الرائد في العالم للبحث والتطوير العلمي، وذلك بفضل الزيادات الكبيرة في الصين، وتراجعها في الولايات المتحدة. ومع أن جودة العلوم الأمريكية لا تزال هي الأعلى، غير أن الفجوة أصبحت أضيق.

أصبح الجيش الصيني أقوى. فالصين تعد الآن أكبر شريك تجاري، ليس فقط لليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وفيتنام وإندونيسيا، ولكن لأستراليا والبرازيل وجنوب إفريقيا أيضًا. وقد أخبرني "ماثيو سلوتر"، عميد كلية توك للأعمال في دارتموث، بعد فترة وجيزة من حضوره مؤتمرًا علميًّا في بكين، أن الشركات الناشئة أصبحت ديناميكية بما يكفي لجذب عدد متزايد من الخريجين الصينيين من الجامعات الأمريكية للعودة إلى ديارهم.

وعلى نحو متزايد، تجلب هذه التجارة التأثير الثقافي والسياسي. انظر فقط إلى المحاولات الصعبة للاتحاد الوطني لكرة السلة لاسترضاء الصين بعد أن تجرأ أحد المسئولين التنفيذيين لهيوستن روكتس على نشر رسالة على تويتر (تم حذفها بسرعة) للتعبير عن دعم المحتجين في هونج كونج. فقد أدرك مسئولو الاتحاد، كما يفعل العديد من المسئولين التنفيذيين في الشركات، أن بكين تتمتع بحق النقض (الفيتو) على خطط الاتحاد للتقدم.

وبدورهم، بدأ قادة الصين في التخلص من التواضع الذي ميز الكثير من سياستهم الخارجية منذ "دنج". ففي مؤتمر حديث حضرته في ضواحي بكين، مع "بيل جيتس" و"هنري كيسنجر" و"هنري بولسون" والعديد من المسئولين والمديرين التنفيذيين الأمريكيين، كان التكبر والتباهي واضحًا بين المسئولين الصينيين. ورغم أن بعض الأمريكيين وجهوا انتقادات حادة للسياسة الاقتصادية للصين، فقد تجاهل المسئولون الصينيون تلك الشكاوى والانتقادات بصورة لافتة.

وقال "وانج تشيشان"، نائب رئيس الصين، أمام مؤتمر المنتدى الاقتصادي الجديد: "نحن الصينيين نعرف جيدًا ما لدينا وماذا نريد وما سيكلفه ذلك".  مضيفًا: "لدينا الثقة والصبر والعزم على تحقيق هدفنا المتمثل في تجديد شباب الوطن العظيم".

لقد تجاوزت الصين الآن توقعات العالم لثلاثة عقود متتالية، وهذا بالطبع، لا يضمن استمرار هذه السلسلة في هذا العقد الجديد. ولا يزال أمام الصين طريق طويل، وستصبح سياستها الخارجية أكثر صعوبة بسبب تنامي قوتها في الدول الأخرى، وسيتعين على اقتصادها أن يتعامل مع ديون طفرة البناء، كما أن دعم الرئيس "شي جين بينج" للشركات المُدجَّنة سياسيًّا – والتي في الغالب غير فعالة – لن يكون مؤثرًا. زمن المحتمل أن يمثل الانخفاض الحاد في عدد السكان ممن هم في سن العمل على مدار ربع القرن المقبل، بفضل سياسة الطفل الواحد القديمة، التحدي الأكبر للصين منذ حركة الديمقراطية عام ١٩٨٩.

وبعد عقد من الآن، أستطيع أن أتخيل بسهولة الصين باعتبارها منافسًا أقوى للولايات المتحدة – التي تهيمن على عالمها في المحيط الهادئ وتؤدي إلى تحالف عالمي فضفاض من الدول الاستبدادية – أو باعتبارها أضعف، تكافح من أجل إدارة المعارضة الداخلية والتوترات مع جيرانها من الدول الآسيوية. ولكن يجب أن تشعر الولايات المتحدة ببعض القلق حول إمكانية حدوث السيناريو الأول.

وفي آخر يوم لي في بكين، زرت المدينة المحرمة، مجمع القصور الإمبراطورية القديمة، الذي أمر الامبراطور "شي" بإنشائه، جزئيًّا للتذكير بأن الصين القوية هي القاعدة التاريخية. ولفهم أجواء الرحلة؛ جلست في الفناء ونظرت إلى قائمتين أعددتهما خلال زيارتي عام 2010.

لخصت إحداهما الخطوات التي تحتاج الصين إلى اتخاذها في السنوات المقبلة لتصبح أقوى، وهي زيادة الإنفاق الاستهلاكي، وتعزيز قطاعها العلمي لتصبح أكثر ابتكارًا وغيرها، وأدرجت في القائمة الأخرى الخطوات التي يجب على الولايات المتحدة اتخاذها لتظل قوية – مثل الحد من عدم المساواة ومزيد من الاستثمار في المستقبل. كان التناقض بين التقدم والركود واضحًا. أعتقد أن الاستنتاج العقلاني هو القلق بشأن مستقبل القوة الأمريكية.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات رؤية ترجمات

اضف تعليق