فورين بوليسي | دور روسيا في الحرب الأهلية الليبية يمنحها نفوذًا أكثر من أوروبا


٢٢ يناير ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

انهارت قمة روسية تركية مشتركة عُقدت مؤخرًا في موسكو بهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار في ليبيا بعد انسحاب الجنرال الليبي "خليفة حفتر" دون التوقيع على اتفاق الهدنة المقترح. ومع أن روسيا أحد الداعمين الرئيسيين لحفتر، إلا أن عدم رغبته في التوقيع على الاتفاق يثير أسئلة مهمة؛ ليس فقط حول مدى نفوذ روسيا في ليبيا، ولكن أيضًا بشأن مدى جديتها في إنهاء النزاع.

وقد برز دور روسيا للمرة الأولى في ليبيا في سبتمبر 2019، بعد أن نشرت مرتزقة في الخطوط الأمامية حول طرابلس لدعم حفتر؛ ما أثار مخاوف الولايات المتحدة وأوروبا من أن يكون الكرملين قد ألقى بثقله أخيرًا في الحرب الأهلية في ليبيا. كما أن وجودها في طرابلس يذكّرنا بشكل لافت بالدور الحاسم الذي لعبته في سوريا، حيث دعمت نظام الرئيس بشار الأسد وأنقذته من الانهيار الكامل.

ويمكن أن يكون عجز روسيا عن دفع حفتر إلى وقف لإطلاق النار علامةً على أنها لا تملك نفوذًا كبيرًا على حفتر كما يبدو، أو أنها – بصراحة – لا تحاول فرضه بالقوة، وإلقاء نظرة على نشاطها في أماكن أخرى في ليبيا بعيدًا عن سيطرته، وقد تكشف عن أسباب ذلك.

احتفظت روسيا بعلاقات مع الفصائل المختلفة في الصراع الدائر في ليبيا، حيث تدعم حفتر، وتتواصل مع خصمه الرئيس المتمثل في حكومة الوفاق الوطني، بالإضافة إلى الأعضاء السابقين في نظام معمر القذافي. حيث تستغل موسكو الصراع الليبي للعب مع كافة الأطراف في محاولة واضحة للضغط على الاتحاد الأوروبي لإنهاء مجموعة العقوبات الاقتصادية التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا بعد أن بدأت تدخلها في أوكرانيا في 2014. ومن المقرر أن يحضر الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" مؤتمر برلين 19 يناير، حيث سيلتقي قيادات دول الاتحاد الأوروبي للتفاوض حول وقف إطلاق النار في ليبيا.

ولتحقيق هذه الغاية، نشرت روسيا ما يصل إلى 200 من مرتزقة مجموعة فاجنر لدعم قوات حفتر، بالإضافة إلى توفير تمويل بقيمة 3 مليارات دولار (كانت هذه الأموال مزيفة ويجري تداولها بشكل أساسي في شرق ليبيا، وهو سيناريو حوَّل البلاد إلى منطقتين ماليتين وزرع انقسامًا عميقًا). لكن هذا الدعم لم يكن كافيًا لمنح حفتر التفوق، ويمكن لـ200 من المرتزقة أن يكسروا الجمود العسكري الحالي، لكن لا يمكنهم الاستيلاء على الأراضي والسيطرة عليها بمفردهم، ناهيك عن الاستيلاء على مدينة مثل طرابلس.

وقد توفر المساعدة المالية لروسيا شبكة أمان لحفتر، لكنها لن تفعل الكثير لتعويض ديونه البالغة 25 مليار دولار، وهو ما يهدّد بإخراج حملته بالكامل عن مسارها. ومن وجهة النظر هذه، يبدو أن المساعدات المالية والعسكرية التي قدمتها موسكو لم تكن أبدًا حاسمة، رغم أنها كانت كافية لإبقاء حفتر واقفًا على قدميه، ولكن ليست بالقدر الكافي لضمان انتصاره.

ظهر استعداد روسيا للعب مع كلا الطرفين على الساحة الدولية، عندما استقبل بوتين رئيس الوزراء في الجيش الوطني "فايز السراج"، في قمة سوتشي في أكتوبر 2019. وعلى النقيض من ذلك، انسحب حفتر من موسكو بعد رفضه فرصة للقاء بوتين مؤخرًا في الكرملين؛ ما يكشف عن وجود علاقة متوترة نوعًا ما بين الاثنين. ومنذ قمة سوتشي مع سراج، يُعتقد أن روسيا تقترب من عقد صفقة بقيمة مليار دولار لتزويد حكومة الوفاق الوطني بمليون طن من القمح، وهي خطوة مصممة جزئيًّا لتعزيز الإنتاجية الاقتصادية للبلاد، ولكن أيضًا لاقتحام سوق تهيمن عليها فرنسا وإيطاليا، والحد من نفوذ الاتحاد الأوروبي في ليبيا.

كما تحركت موسكو لتنمية العلاقات مع أفراد عائلة الزعيم الليبي القذافي. ففي أوائل يوليو 2019، اعتُقل روسيَّان مرتبطان بمجموعة فاجنر واتُّهما سابقًا بتشغيل عمليات التصيد عبر الإنترنت في أفريقيا في طرابلس، بعد مزاعم بأنهما أجريا اتصالات مع ممثلي القذافي، سيف الإسلام القذافي؛ حيث اتُّهما بمحاولة التلاعب والتأثير في الانتخابات المستقبلية لصالح القذافي الابن.

إن محاولة إعادة القذافي يمكن أن تقوض بشدة نفوذ حفتر، الذي بنى قواته المسلحة – في جزء كبير منها – على رأس شبكة المحسوبية القبلية التي خلفها نظام القذافي، وإذا ما عاد سيف الإسلام إلى الظهور كقوة سياسية، فقد يقسم ولاء اللاعبين الرئيسيين في تلك الشبكة.
وخلال الشهر الماضي، بثت محطة الإذاعة الحكومية الروسية (روسيا اليوم) مقابلة حصرية مع "موسى إبراهيم القذافي"، المتحدث السابق باسم النظام في زمن الحرب، والذي لم تقابله وسائل الإعلام منذ ما يقرب من عشر سنوات. استخدم موسى إبراهيم المقابلة لإعادة صياغة ديناميكية الصراع الحالي باعتبارها معركة بين المنتجات المدعومة من الغرب لتدخل حلف شمال الأطلنطي عام 2011 (والتي يجسدها كلٌّ من حفتر والسراج) ضد سيف الإسلام والنظام السابق والشعب الليبي. إن رغبة موسكو في السماح لمذيعها بإجراء مقابلة انتقدت بشدة أحد شركائها الإقليميين يوضح مساعيها للعب مع كل جانب ضد الآخر.

ولا ريب أن محاولة إنعاش بقايا نظام القذافي – على الرغم من الاستحالة شبه المحتملة لاستعادة النظام السابق سيطرته على البلاد – تضيف لاعبًا آخر في هذا الصراع، الذي لن يؤدي إلا إلى بث مزيد من الفتنة في ليبيا.

إن احتمال نشوب صراع طويل الأمد يثير قلق صانعي السياسة الأوروبيين، حيث لا تزال ذكريات أزمة اللاجئين في عام 2015 جديدة، وقد وصل أكثر من مليون شخص إلى أوروبا من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في ذلك العام، فرّ الكثير منهم من الاضطرابات عبر ليبيا، وأدى وصولهم إلى تأجيج التوتر العرقي والإثني والديني في أوروبا، وإثارة موجة عنيفة من الشعوبية المعادية للإسلام.

ركب القوميون اليمينيون المتطرفون موجة التحريض الشعبي على السلطة، واستولوا على الحكومات في النمسا وبولندا والمجر وإيطاليا، كما قادوا حملة البريكسيت في المملكة المتحدة، وعززوا وجود انتخابي كبير في فرنسا وألمانيا.

ونتيجة لذلك انخفضت مستويات الهجرة منذ ذلك الحين، لكن الهجرة لا تزال مصدر قلق كبير لكثير من الناخبين؛ ما يعني أن أزمة اللاجئين الأخرى التي تنبع من ليبيا يمكن أن تثير التوترات، مما يزيد من جرأة اليمين الأوروبي شديد التطرف ويهدد بزعزعة استقرار الاتحاد الأوروبي الهش فعلاً.

وتبدو الجهود الروسية ناجحة نوعًا ما. ومع تزايد عدد المهاجرين الفارين إلى أوروبا مرة أخرى، أقنعت روسيا ألمانيا بأنها لاعبٌ رئيسٌ في الصراع، حيث حجزت مقعدها على طاولة المفاوضات في برلين.

وعلى الرغم من أن موسكو قد رسخت نفسها بوضوح في موقع قوة، غير أنها لا تريد استثمار الموارد إلى أجل غير مسمى في ليبيا. إنها ستفعل ذلك بما يكفي لتعظيم المكاسب الجيوسياسية المحتملة التي يمكن أن تجنيها من أوروبا.

والآن وبعد أن أصبح الزعماء الأوروبيون على استعداد للتحدث مع موسكو، يبدو أن رفع العقوبات قد يكون مطروحًا، فقد يدرس صانعو السياسة الروس بدء محادثة مع أوروبا حول إيجاد حل للنزاع في ليبيا وإنهاء العقوبات.

ولا يزال دور روسيا محدودًا، لذا لا تحتاج القوى الأوروبية بالضرورة إلى الشعور بالضغط للاستسلام للمطالب الروسية. ولكن الخطر، بالطبع، هو أن تقرر روسيا بعد ذلك زيادة مشاركتها وتضخيم الضغط على أوروبا، ومن غير الواضح كيف يمكن أن يتحول ذلك إلى روسيا أو أوروبا، لكن ما هو واضح هو أن موسكو تحاول جاهدةً استغلال أكثر الصراعات فوضى في العالم كوسيلة لجني المكاسب الجيوسياسية في مناطق أخرى.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية اوروبا روسيا

التعليقات

  1. كروز1 ٢٢ يناير ٢٠٢٠

    مالاوروبيين اسفل الجزمه هم واطناعهم فهم من دمرو ليبيا بالناتو مع اميركا اما روسيا فهى ممنوحه اتهام اممى بممارسة ودعم الارهاب وبجرائم حرب دوليه فى سوريا وليبيا ولولا ان اوروبا تتفكك اليوم وتنهار والناتو هو فعلا قد مات دماغيا والا لكان هناك موقف اممى خطير جدا جدا لايعجب الجميع

اضف تعليق