آسيا تايمز| الأوروبيون يهمّشون أنفسهم في الصراع الليبي


٢٨ يناير ٢٠٢٠ - ٠٨:٥٣ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

كان البيان النهائي لقمة برلين حول مستقبل ليبيا طويلًا، غير أن معظم المراقبين كانوا يبحثون عن كلمة واحدة: "وقف إطلاق النار". كانت الكلمة موجودة، لكنها لم تكن إعلانًا بل تعهدًا بأن تعمل الأطراف المتحاربة لتحقيقها.

مع ذلك، كانت القمة انتصارًا دبلوماسيًّا نوعًا ما. تمكّنت برلين من جمع ممثلي 12 دولة من أربع قارات وثلاث مؤسسات دولية، وجعلت القائد العسكري "خليفة حفتر" يلتزم بالبيان. كانت تلك جائزة صغيرة لم تتمكن روسيا من تحقيقها قبل أسبوع من مؤتمر برلين، عندما غادر حفتر موسكو دون التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار، كما فشلت إيطاليا أيضًا قبل ذلك بأيام، عندما رفض منافس حفتر "فائز السراج"، رئيس الحكومة المعترف بها دوليًّا، لقاء رئيس وزراء إيطاليا في روما عندما علم أن "حفتر" كان موجودًا أيضًا في المدينة.

أعاد مؤتمر برلين الزخم للدول الأوروبية، بعد فترة طويلة من تعثر عملية الأمم المتحدة للسلام وتهميش دول القارة العجوز.

بيد أن هذا الزخم الدبلوماسي قد يكون مؤقتًا في حال لم تضع دول الاتحاد الأوروبي منافساتها جانبًا. إن تراجع النفوذ الأوروبي في ليبيا لم يحدث فقط بسبب تزايد انخراط أنقره وموسكو. وفي الواقع، فإن التنافس بين الدول الأوروبية ذاتها هو من همّش دورها، وخلق مساحة للدول الأخرى للتدخل.

وبالرغم من أن تدخل الناتو عسكريًّا هو من أطاح في نهاية المطاف بمعمّر القذافي، غير أن النفوذ الأوروبي في ليبيا يشهد تراجعًا منذ سنوات، لا سيما بسبب التنافس بين فرنسا وإيطاليا. وتتنافس شركتا الطاقة الكبيرتان التابعتان للبلدين، توتال وإيني، للفوز بصفقات في ليبيا، لكن سياسيًّا يخوض البلدان حربًا مفتوحة، بداية من عام 2017، عندما انتُخب "إيمانويل ماكرون" رئيسًا لفرنسا، وبعدها بأسابيع، جرى عقد محادثات سلام للأزمة الليبية في باريس دون دعوة قادة إيطاليا.

إن الخلاف بين باريس وروما نابع من مصالح البلدين الكبيرة في ليبيا. وبالرغم من تجاهلها لوقت طويل، تعدّ ليبيا جزءًا من صراع سياسي بشأن قوارب المهاجرين التي تبحر عبر المتوسط، فضلًا عن الجانب الاقتصادي المتمثل في احتياطيات الغاز الكامنة تحت مياه المتوسط.

الجانب السياسي للصراع معروف جيدًا

بعد أن عصفت الفوضى بليبيا، بات ساحلها الطويل نقطة المغادرة الرئيسية من شمال أفريقيا للمهاجرين من جميع أرجاء القارة، والذين توجّه كثير منهم نحو إيطاليا. كانت تداعيات ذلك سريعة على الوضع السياسي في إيطاليا، إذ انحرفت البلاد نحو اليمين.

وكان هناك أيضًا صراع سياسي أوسع: الصراع الليبي كانت له تداعيات على غرب إفريقيا، حيث تنخرط فرنسا هناك بشكل مكثف، كما أن باريس لا تزال تعتبر نفسها واحدة من أبرز وسطاء الاتحاد الأوروبي، وهي لم تكن راغبة في التخلي عن هذا الدور المتعلق بالهجرة والأمن لروما لمجرد أن ساحل إيطاليا أكثر تأثرًا بالقوارب القادمة، وقد أثارت هذه التوترات حروبًا كلامية متقطعة بين البلدين، وصلت لاستدعاء فرنسا سفيرها في روما منذ عام مضى.

ثمة سبب آخر للتحرك الدبلوماسي الأوروبي المفاجئ في ليبيا وللتوتر الفرنسي - الإيطالي، وهو يكمن في استغلال احتياطيات الغاز تحت مياه البحر المتوسط.

ومنذ اكتشاف حقل "ظهر" العملاق للغاز قبالة سواحل مصر عام 2015، وحقل "ليفياثان" للغاز قرب سواحل إسرائيل، اشتعل تنافس كبير من أجل إعادة تنظيم العلاقات السياسية لاستغلال هذه الاحتياطيات وتصديرها.

لقد أجّج اكتشاف الغاز في المتوسط الصراعات الملتهبة أصلًا. إذ تأثرت علاقة تركيا بقبرص واليونان، وعلاقة إسرائيل بمصر والفلسطينيين، وعلاقة الاتحاد الأوروبي مع أنقرة، كما أن روسيا منخرطة بشدة أيضًا في هذا الصراع؛ لأنها تزوّد الاتحاد الأوروبي بـ 40% من احتياجاته من الغاز سنويًّا، وهو أمر تهدده بوضوح اكتشافات الغاز الجديدة في المتوسط.
   
لهذا عندما وقّعت تركيا اتفاقًا مفاجئًا مع ليبيا في ديسمبر لإنشاء منطقة اقتصادية خالصة في البحر المتوسط، تسبب هذا في حدوث انزعاج كبير في الاتحاد الأوروبي. ويمكن لهذه الصفقة أن تُعرقل المحاولات المصرية - الإسرائيلية لبيع الغاز لأوروبا، ونتيجة لهذا الاتفاق، بالإضافة إلى افتتاح خط الغاز الروسي - التركي الجديد هذا الشهر، تدافعت العواصم الأوروبية للردّ على تهميشها من جانب هذا التحالف التركي – الروسي - الليبي الناشئ.

إن هذا الفراغ الذي سمح بدخول تركيا وروسيا نشأ أساسًا بفضل التنافس الفرنسي – الإيطالي، وقد حاولت إيطاليا دعم حكومة السرّاج، فضلًا عن محاولتها أيضًا أن تكون وسيط سلام، في حين دعمت فرنسا حفتر من خلف الستار، غير أن البلدين لم يقدّما خطة واضحة لليبيا.

لهذا صارت ليبيا ضحية للأطراف الراغبة في استخدام القوة، ما يعني في الوقت الراهن: تركيا وروسيا وقوات حفتر. وفي تناقض واضح مع موقف إيطاليا وفرنسا، نجحت أنقرة وموسكو في الاتفاق فيما بينهما لإيجاد حل لأزمة ليبيا، على الرغم من أن البلدين يقفان على طرفي نقيض في الصراع، كما هو الحال في سوريا.

إن بيان وقف إطلاق النار الصادر عن مؤتمر برلين لا يمكن أن يصمد؛ لأنه حاول تجميد الوضع القائم لصراع لا يزال يشهد تغيرًا متواصلًا، ولم تصدر عن المؤتمر إدانة لإرسال تركيا قوات إلى ليبيا - أرسلت تركيا قوات سورية؛ ما يضيف طبقة أخرى من عدم اليقين لهذا الصراع - وذلك بالرغم من اعتراض مصر لتواجد هذه القوات في بلد مجاور لها. كما لم يفض المؤتمر عن خطة بشأن كيفية التصرف مع قوات حفتر، والتي ربما تواصل محاولة التقدم نحو مدينة طرابلس.

وأخيرًا، لو كانت أوروبا جادة بشأن استعادة نفوذها في ليبيا، فسيتعيّن عليها بذل المزيد وعدم الاكتفاء بعقد قمم كبرى تحضرها أطراف عالمية، وستحتاج لخطة ولموارد لتغيير الأوضاع على الأرض؛ لأنه عندما كانت الدول الأوروبية مشغولة في الجدال فيما بينها على الهامش، كانت أطرافٌ أخرى تُقحِم نفسها وسط ميدان المعركة في ليبيا.             
 
  


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات ترجمات رؤية

اضف تعليق