ذا جارديان | الحكومة البريطانية تسمح بمشاركة محدودة لهواوي في بناء شبكة الجيل الخامس


٣٠ يناير ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

الأمر الغريب بشأن قرار اليوم بالسماح لشركة "هواوي" المساعدة في بناء شبكة الجيل الخامس في المملكة المتحدة - بالرغم من تقليص نسبة المشاركة العامة للشركة عند 35 بالمائة من السوق - هو أن القرار الحقيقي اتُّخذ منذ سنوات مضت.

وذلك لأن شركة "هواوي" ساعدت بالفعل في بناء شبكة الجيل الخامس في المملكة المتحدة، والتي تعمل في مدن في عموم المملكة. لا يتعيّن عليكم أن تصدقوا كلامي.

إن كنتم تعلمون ما تبحثون عنه، فسيمكنكم رؤية أبراج هواوي على أسطح المباني وكابينات الاتصالات في زوايا الطرق، ولو كنتم تعلمون حقًّا ما تبحثون عنه، فسيمكنكم حتى تحديد أي من هذه الأبراج والكابينات يبث إشارات شبكة الجيل الخامس. وحتى لو لم تستطيعوا ذلك، فهناك دائمًا فرصة أن يكون أحد المقاولين المهملين قد ترك غلاف المعدات الذي يحمل شعار شركة هواوي ملقيًا بوضوح على الأرض.

وإن كنتم تتساءلون لماذا كان النقاش بشأن منع هواوي من شبكات المملكة المتحدة يحيط به جوّ من اليأس الهادئ، فإليكم الإجابة: بالرغم من كل المعارضة الشديدة التي يُبديها الجناح الأطلنطي في حزب المحافظين، لم يقدّم أي شخص مطلقًا إجابة مناسبة بخصوص كيفية منع هواوي، عمليًا، من توريد معدات هي بالفعل قامت بتوريدها لشبكات الهاتف المحمول التي أرادت بشدة بقاء تلك الشركة هناك.

هذا لا يعني القول إن منع هواوي كان مستحيلاً، لكنه يعني أن الأمر، وبتقدير تقريبي، كان سيتطلب اقتطاع جزء كبير من تكلفة مشروع القطار السريع HS2 – الذي تقدّر تكلفته بعشرات مليارات الدولارات - وكان الأمر سيستغرق عامين أو ثلاثة أعوام أخرى لاستبعاد هواوي واستبدالها بمعدات من شركتي إريسكون أو نوكيا، ومن ثم العودة مرة أخرى بالضبط إلى المستوى ذاته من التغطية التي نحظى بها اليوم.

إن هذ التكلفة المالية كانت ستتحملها شركات الاتصالات وليس الحكومة، لكنها ستخرج بالتأكيد من جيوب المستهلكين البريطانيين بطريقة أو بأخرى.

حتى هذه النفقات لن تتضمن الخسائر التي ستتكبدها بريطانيا بفضل تراجعها عن موقع الصدارة في تقنية الجيل الخامس لتصبح دولة متأخرة في هذا المجال. من السهل أن تشعروا بالضجر من الحديث المتواصل للمسئولين التنفيذيين في شركات الاتصالات عن الثورة الصناعية الرابعة والدور الذي ستلعبه المعايير الخليوية الجديدة في المساعدة على حدوث هذا التحول، لكن هناك فائدة اقتصادية حقيقية من تحسين الاتصالات، وهناك تكلفة اقتصادية مقابلة سنتكبدها في حال تأخرنا في هذا المجال.

هذا لا يعني القول إنه يجب أن نضع ثقتنا في شركة هواوي. يقول "إيان ليفي"، المدير التقني في المركز الوطني للأمن السيبراني في المملكة المتحدة: "لم نثق مطلقًا في شركة هواوي".

ويمكن أن ترى انعدام الثقة في حقيقة إنشاء الحكومة لـ "مركز تقييم الأمن السيبراني الخاص بهواوي"، وهذا المركز هو الأول من نوعه في العالم، إذ تقيّم المملكة المتحدة من خلاله قدرات شركة هواوي. يقول "ليفي" إن هذا المركز موجود "لأننا نتعامل مع هواوي بصورة مختلفة عن بقية الشركات". 

في الواقع، فإن ألطف شيء يقوله هذا المركز آنف الذكر عن شركة هواوي، إن شفرتها الحاسوبية معقدة للغاية، وأن إجراءاتها التشغيلية غامضة للغاية لدرجة أنه من المستحيل معرفة ما إذا كانت الشركة آمنة أم لا.

وفيما يتعلق بالخوف من أن شركة هواوي يمكن استخدامها لمنح الدولة الصينية امتياز الوصول إلى شبكة الاتصالات البريطانية، فقد رفض المركز الوطني هذا الحديث بطريقة لا تبعث على الاطمئنان، قائلًا: "إن وضع (أبواب خلفية) في معدات هواوي التي جرى توريدها للمملكة المتحدة ليس الشيء الأسهل للقيام به، وليس الوسيلة الأنجح للدولة الصينية لشنّ هجوم سيبراني كبير اليوم على شبكات الاتصالات التابعة للمملكة المتحدة".

إن الخوف الحقيقي ليس تقنيًّا مطلقًا؛ بل هو اقتصادي. يبدأ هذا الخوف من تصور- ليس مجحفًا تمامًا - مفاده أن هذه الشركة نمت بشكل هائل بفضل استفادتها من مساعدات حكومية، وهو ما يعدّ أمرًا غير قانوني في أوروبا، وأنها تبيع معدات لبلدان في آسيا وأفريقيا تدفع ثمنها بواسطة قروض منخفضة التكلفة قدمتها لها الدولة الصينية، وأنها تتلقى دعمًا حكوميًّا مباشرًا وهائلًا لأعمال البحث والتطوير.

وقال السيد "فرانكو زارو" المسئول في شركة Valid للأمن السيبراني: "إن الحضور العالمي لهواوي أكبر من حضور شركتي إريكسون ونوكيا مجتمعتين". ربما تكون هواوي حقا أفضل وأرخص، لكن هذا يُعزى إلى حقيقة أنها لم تلعب بطريقة عادلة لتصل لهذه المكانة.

وبغض النظر عن كيفية بلوغها ما هي عليه اليوم، فإن هناك خوفًا مقابلًا بشأن المدى الذي ستصل إليه في حال استمرت دون رقيب. سيكون من الصعب فعلًا إزالة الشركة من شبكة الجيل الخامس، لكن ماذا لو نمت الشركة وأصبحت مهيمنة في مجالها، بحيث يكون من المستحيل بعد عِقد من الزمان بناء شبكة جيل سادس من دون مشاركة هواوي، وبالتالي الصين؟

لهذا قررت الحكومة البريطانية ألا تتجاوز مشاركة هواوي في بناء شبكة الجيل الخامس نسبة 35 بالمائة، بهدف ضمان أن تحصل شركات أخرى على القدرة على التنافس مع هواوي في مجالها. ومن هنا تأتي الإجابة على السؤال: لماذا الآن؟ والإجابة هي أنه في السنوات العشرين الماضية، كان الغرب راضيًا تمامًا عن السماح للصين ببناء أشياء بسعر أرخص وذلك لتوفير الأموال والاستفادة منها.

والآن، وبعد أن اتضحت الجوانب السلبية، وباتت الولايات المتحدة تعتقد أن الحروب التجارية أمر جيد ويمكن الفوز بها بسهولة، فإنه من المحرج أن نضطر للاعتراف بأن تلك المقايضة بين الغرب والصين ربما لم تكن مجدية. غير أن هذا لا يغيّر حقيقة أن المقايضة قد حدثت بالفعل.         
      


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية بريطانيا شركة هواوي

اضف تعليق