ذا إندبندنت | حان وقت الاستيقاظ.. ردّ أوروبي ضعيف على خطة ترامب للسلام ودعوات لاتخاذ موقف أقوى


١٣ فبراير ٢٠٢٠ - ٠٨:٢٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

عاد الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي "جوزيب بوريل" للتو من أول زيارة دبلوماسية له إلى واشنطن. من المحتمل أنه جرت خلف الأبواب المغلقة محادثات متوترة بين "جوزيب" ومسئولين أمريكيين كبار، من بينهم وزير الخارجة "مايك بومبيو" و"جاريد كوشنر" صهر ترامب ومستشاره الرفيع. وتتعرض العلاقات الأطلسية لضغط غير مسبوق، آخر اختبار لأوروبا كان خطة ترامب للسلام التي اقترحها لحل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وهي الخطة التي ندّد بها "بوريل".

تُجسّد تلك الخطة سياسة إدارة الرئيس الأمريكي تجاه الصراع: دعم غير مشروط لإسرائيل وممارسة الضغط الشديد على الفلسطينيين.

وتعد الخطة بـ "حل دولتين واقعي"، في حين أنها تَعْرِضُ إقامة دولة واحدة على أرض الواقع، وترفض الخطة بالكامل التوافق الدولي وتنتهك السياسة الأمريكية والأوروبية المستمرة منذ عقود، كما تعمل على إعادة رسم حدود عام1967 المتفق عليها دوليًّا.

لا شك أنها تحقّق أكبر أحلام اليمين المتطرف في إسرائيل، ويشمل هذا ضمّ ثلاثين بالمائة من أراضي الضفة الغربية، فيما تترك كيانًا فلسطينيًّا متشرذمًا خاليًا من أي سيادة حقيقية ولا يمكن إقامة دولة عليه.

وتعلن الخطة أن القدس عاصمة لإسرائيل، وأن أحياء شرقية نائية للقدس، من بينها مخيم للاجئين، باعتبارها جزءًا من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي تضع مجموعة كبيرة من الشروط على الحكم الذاتي الفلسطيني، الذي ستكون إسرائيل والولايات المتحدة الوصيتين الوحيدتين عليه.

وبالرغم من أن الخطة ربما لن تُطبّق مطلقًا، غير أنها ستشجّع إسرائيل على المضي قدمًا في ضمّ الضفة الغربية بحكم القانون، وربما تشكّل ملامح أي تسوية مقبلة.

وقد اتبعت إسرائيل سياسة الضم التدريجي في الضفة الغربية لعقود، موسّعة نطاق مستوطناتها، وأراد رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" أن يبدأ الضمّ الرسمي للأراضي المحتلة فورًا، لكن بعد تحذيرات من "كوشنر" سينتظر حتى بعد انتخابات مارس.

إن ضمّ الأراضي الفلسطينية بحكم القانون سيُخضع مئات الآلاف من الفلسطينيين للولاية القضائية الإسرائيلية؛ ما سيخلق عمليًّا دولة واحدة لا خلاف عليها من دون حقوق متساوية لشعبين.

وقد أثارت "خطة السلام" بالفعل أعمال عنف؛ حيث أُطلقت من غزة قذائف هاون ومقذوفات أخرى، وردّت إسرائيل بضربات جوية على أهداف لحماس. كما اندلعت احتجاجات عنيفة في الضفة الغربية، وقُتل أربعة فلسطينيين بنيران الجيش الإسرائيلي، من بينهم ثلاثة مراهقين، وجُرح جنود إسرائيليون إثر ثلاث هجمات في القدس الأسبوع الماضي، وتمكّن الجيش الإسرائيلي من قتل أحد المنفّذين.

إذًا، كيف ينبغي أن يردّ الاتحاد الأوروبي؟ كان ردّه في البداية ضعيفًا: وعد الاتحاد بـ "دراسة وتقييم" الخطة، وأصدرت دول عضوة في الاتحاد بيانات متضاربة، حيث إذ "رحّبت" كل من النمسا وفرنسا وبولندا بالخطة، التي وصفتها بريطانيا - المنفصلة عن الاتحاد الأوروبي - بأنها "اقتراح جاد". وعلى النقيض من هذا، عبّرت أيرلندا عن "قلقها العميق"، وأصدرت لوكسمبرغ بيانًا ناقدًا للخطة.

إن هذا الردّ غير الموحّد يدلّ على معضلة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، حيث تتطلب القرارات إجماعًا، وهو أمرٌ يصعب تحقيقه. وقد منعت المجر إصدار بيان أقوى يحظى بإجماع الأعضاء السبعة والعشرين للاتحاد الأوروبي بشأن خطة ترامب، مُعلنة لاحقًا دعمها لها، في حين كوّن نتنياهو تحالفات مع بعض دول شرق ووسط أوروبا العضوة في الاتحاد الأوروبي، وتوصّل لقواسم مشتركة تحديدًا مع رئيس وزراء المجر الشعبوي "فيكتور أوربان"، لكن يبدو أن "بوريل" مستعد لإيجاد سبل للالتفاف حول هذا الشلل؛ فعوضًا عن التخلي عن البيان، أصدر بيانًا استنادًا لسلطته قائلاً: "الخطوات نحو الضمّ... لا يمكن أن تمر دون معارضة". وفي مقالة رأي يوم السبت، أقرّ "بوريل" بوجود انقسامات في سياسة أوروبا الخارجية، ودعا الممثل الأعلى للسياسة الخارجية أوروبا لـ "إظهار قوتها"، وناشد الدول الأعضاء بألا تستخدم حق الفيتو "لإضعاف الاتحاد".

إن إصدار البيانات أمر جيد، لكن ينبغي أن يحذر "بوريل" من الوقوع في فخ الدبلوماسية الخطابية مثل سلفه فردريكا موغريني. ويملك الاتحاد الأوروبي العديد من أدوات التأثير المتمثلة في القوة الاقتصادية وميزانيات المساعدات الضخمة والقدرات الدفاعية القوية والسلك الدبلوماسي المتمرّس.

وبالرغم من الموقف الهدّام الذي اتخذته الولايات المتحدة، ثمة خطوات بنّاءة يمكن لـ "بوريل" اتخاذها لمعارضة خطة ترامب؛ حيث ينبغي عليه الاستفادة من لحظة الأزمة الحالية للدفع للاعتراف بفلسطين، واعتبار القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية المستقبلية، كما ينبغي عليه تشجيع دول الاتحاد الأوروبي الراغبة لاتخاذ إجراء في شكل مجموعات صغيرة، بغرض الالتفاف على الحاجة لوجود توافق، وهي صيغة أثبتت فاعليتها فيما يتعلق بالاتفاق النووي مع إيران وقضية فنزويلا. يستطيع "بوريل" أيضًا إعادة إحياء فكرة "المجلس الأمني الأوروبي"، وهو عبارة عن منتدى لمجموعة صغيرة من أعضاء الاتحاد إلى جانب المملكة المتحدة، للنقاش حول اتخاذ إجراء.

يجب على "بوريل" أن يعزز من سياسة الاتحاد الأوروبي القائمة على "التمييز" بين أراضي دولة إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة بعد عام 1967، والتي تستثني المستوطنات من فوائد العلاقات الثنائية بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي؛ وهذا يعني ضمان ألا تستفيد الأعمال التجارية والكيانات الموجودة في المستوطنات من الوصول التفضيلي للأسواق والمؤسسات والبرامج الأوروبية، وينبغي أن يقاوم الممثل الأعلى للشئون الخارجية أيضًا الدعوات لتعزيز العلاقات أكثر في حال عدم حصول تقدم في عملية السلام.

يعاني الاقتصاد والديمقراطية في الأراضي الفلسطينية المحتلة من وضع سيء، ومن المتوقع أن يدخل الاقتصاد حالة كساد في الفترة بين 2020-2021، ولم تُعقد انتخابات منذ عام 2006، كما أن المؤسسات هناك في وضع بائس، ويمنع الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" المصالحة بين أكبر فصيلين فلسطينيين سياسيين، لذا ينبغي أن يضمن "بوريل" أن تكون المساعدات المقدمة للسلطة الفلسطينية مشروطة بإحراز تقدّم في المصالحة والديمقراطية، كما ينبغي عليه أيضًا الدفع لإنهاء سياسة أوروبا المتمثلة في عدم التواصل مع حماس: التواصل سيكون ضروريًّا لدعم المصالحة والانتخابات الوطنية، فيما يجب على الممثل الأعلى للسياسة الخارجية أن يمارس ضغطًا على إسرائيل لتخفيف قيودها على الوصول والحركة والتجارة في الأراضي الفلسطينية المحتلة (وممارسة ضغط أيضًا على مصر والسلطة الفلسطينية في حالة غزة) - لأن هذه القيود، بحسب البنك الدولي، هي السبب الرئيسي للأزمات الاقتصادية في فلسطين.

لا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يعلّق آماله على إمكانية اختفاء ترامب من المشهد؛ لأن الرجل يمكن أن يفوز بفترة رئاسية أخرى. إن أوروبا لديها دور مهم تلعبه لاحتواء النزعات التدميرية، فمن دون أوروبا، سيصبح خيار الدولة الواحدة وانعدام المساواة بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة أشد رسوخًا.. لقد حان الوقت أن تستيقظ أوروبا من سباتها.  


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترامب الاتحاد الاوروبي

اضف تعليق