أوراسيا ريفيو| تصاعد المدّ الجهادي في غرب إفريقيا.. ومخاوف من انتشار العنف


١٣ فبراير ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح


تشهد منطقة الساحل في غرب إفريقيا تصاعدًا هائلاً في الهجمات الإرهابية؛ حيث أعلنت ثلاث دول وهي: مالي والنيجر وبوركينا فاسو عن مقتل 4 آلاف شخص عام 2019، كما أن الاتجاه المتمثل في سقوط عدد هائل من الإصابات نتيجة هجمات تنظيمات مرتبطة بداعش والقاعدة يتواصل في عام 2020.

إن حكومات وجيوش هذه الدول المتضررة غير جاهزة للتعامل مع تصاعد العنف، ومع تفكير الولايات المتحدة في سحب قواتها، فإن 5 آلاف جندي فرنسي ربما يكونون غير قادرين على احتواء الموجة الجهادية عمومًا، وتصاعد نفوذ تنظيم داعش خصوصًا؛ ما قد يعصف بمنطقة الساحل بأكملها ويؤدي لفقدان أرواح وتشريد آلاف الأشخاص داخليًّا.

سلسلة من الهجمات

في الأول من فبراير 2020، وصل رجال مجهولون مدججون بالسلاح يستقلون دراجات نارية إلى قرية "لامدامول" بإقليم "سينو" في بوركينافاسو، شمال العاصمة "واغادوغو"، وأقدموا على قتل 20 مدنيًا. وقع الهجوم بعد أسبوع من وقوع مذبحة مماثلة في إقليم "سوم"؛ إذ جمع إرهابيون إسلاميون مشتبه بهم سكان القرية، وأعدموا الرجال وطلبوا من النساء مغادرة القرية. وفي مطلع يناير، ارتُكبت مجزرة بحق 36 شخصًا في قريتين في إقليم "سانماتينغا" الشمالي، كما قتل جهاديون أيضًا عامل مناجم كنديًّا، واختطفوا عاملين في مجال المساعدة الإنسانية في ديسمبر 2019. إن تلك الحوادث هي الأحدث في سلسلة من هجمات وقعت في هذه الدولة الواقعة في غرب إفريقيا. وقبل يوم من هجوم السابع والعشرين من يناير، استقال رئيس وزراء بوركينا فاسو ومجلسه الوزاري، مُعلنًا تحملة مسئولية تدهور الوضع الأمني في البلاد. وبالإضافة إلى أحداث بوركينافاسو، شهدت دول في غرب إفريقيا مثل مالي والنيجر تصاعدًا كبيرًا في الهجمات الإرهابية في الأشهر الأخيرة. في السادس والعشرين من يناير، قُتل 20 من رجال الدرك وسط مالي إثر هجوم شنته "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" - وهي جماعة تضم حركات تابعة لتنظيم القاعدة.

وفي التاسع من يناير، قُتل ما لايقل عن 89 جنديًّا إثر هجوم جهادي على قاعدة "تشناغوردار" العسكرية في النيجر على طول الحدود الغربية مع مالي. وذكرت تقارير أن ما يزيد على 60 مسلحًا قُتلوا عندما ردّ الجيش على الهجوم مدعومًا بضربات جوية فرنسية. وفي ديسمبر، قُتل 71 جنديًّا آخرين في كمين تبنّته جماعة مرتبطة بداعش في المنطقة. وفيما يخص الهجمات على القوات الأمنية، يبدو أن المسلحين يسخدمون استراتيجية ذات هدفين مزدوجين: الأول هو كسر معنويات القوات، والثاني هو سرقة الأسلحة والمعدات.

ووفقًا للأمم المتحدة، قُتل ما يزيد على 4 آلاف شخص في عام 2019 بسبب هجمات المتطرفين، ما يجعل الساحل واحدًا من أكثر المناطق في العالم تأثرًا بعنف التطرف الإسلامي. وقبل ثلاث سنوات، لم يُعلن سوى عن مقتل 770 شخصًا في تلك المنطقة، ووفقًا لإحاطة إعلامية أخيرة في مجلس الأمن الدولي، تحوّل التركيز الجغرافي للهجمات الإرهابية من مالي إلى بوركينا فاسو، وهو ما يزيد من مستوى التهديدات المحدقة بدول غرب إفريقيا الساحلية. 

تمردات عديدة ومعقدة

تستخدم هذه المجموعات المتمردة أسماء منظمات إرهابية دولية مثل داعش والقاعدة، ومع هذا، يظل تركيزها محليًّا، حيث تزدهر في مناطق خالية من الحُكم، وتستغل الصراعات، وتستخدم تلك المجموعات الأيديولوجية الإسلامية لبناء الجسور بين المجموعات العِرقية المختلفة، محاولة إقناع هذه المجموعات بالقتال من أجل الإسلام بدلًا من الدخول في صراعات قبلية صغيرة.

تمتد جذور معظم هذه المجموعات إلى الحرب الأهلية الجزائرية التي اندلعت في مطلع تسعينيات القرن الماضي واستمرت لعقد من الزمن، وفرّ مقاتلون إسلاميون من الجزائر، باحثين عن ملجأ لهم في المناطق المهجورة في شمال مالي. وقد بدأ العنف في عام 2012 عندما أشعلت أزمة سياسية في مالي تمردًا بقيادة حركات عرقية وجماعات جهادية في شمال البلاد، وسُحقت الانتفاضة في نهاية المطاف وتمكّنت القوات الفرنسية من استعادة الأراضي التي سيطر عليها جهاديون، غير أن تلك الجماعات والعقيدة التي اعتنقوها هي أبعد ما يكون عن الهزيمة. ولبعض الوقت، كان العنف محصورًا في معظمه داخل حدود مالي، لكنه انتقل تدريجيًّا عبر الحدود.

وبالرغم من أنها كانت تُعد يومًا ما عصيّة على ظاهرة التطرف الإسلامي، عانت بوركينا فاسو من تصاعد سريع للتطرف الإسلامي في السنوات الأخيرة، حيث ارتفعت أعداد القتلى من 80 شخصًا عام 2016 إلى ما يزيد على 1800 قتيل عام 2019، وبات نصف مليون إنسان الآن مشردين، كما أجبرت الهجمات المتواصلة آلافًا آخرين على الفرار من منازلهم.

في الأشهر الأخيرة، تشّن جماعات إسلامية، بعضها مرتبط بداعش والقاعدة، هجمات أكبر وأكثر تعقيدًا، وباتت توسّع نفوذها نحو أراضٍ جديدة؛ فمثلًا يمتلك تنظيم القاعدة، الذي أُضعفت قوته في العديد من مناطق العالم، فروعًا قوية في كل من شرق وغرب إفريقيا، وما تزال "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" الطرف الجهادي الأكثر هيمنة داخل مالي وأجزاء كبيرة من بوركينا فاسو والنيجر. وبالإضافة إلى ذلك، أظهرت هجمات أخيرة لداعش في المنطقة قدرات هذا التنظيم المتزايدة. ففي يناير الماضي، نشر تنظيم القاعدة بيانًا من صفحتين يمدح فيه الجهاديين في مالي والصومال، بينما نشر تنظيم داعش صورًا ومقاطع مصورة يعلن فيها مسئوليته عن الهجمات في النيجر.

عمليات مكافحة الإرهاب الإقليمية

إن التصاعد الشديد لأوجه عدم المساواة، بالرغم من النمو الاقتصادي المذهل في العقدين الماضيين، يغذي حركات التمرد في المنطقة. ويعتمد نحو 70 بالمائة من سكان غرب إفريقيا على الزراعة والثروة الحيوانية لكسب لقمة العيش، ولا تزال طريقة الحياة مهددة بسبب الجفاف المستمر. ونتيجة لذلك، وجد الكثير من الشبان مهنة في الإرهاب. لقد سمح الفقر وغياب الدولة وضعف تسليح الجيوش بازدهار الجماعات الجهادية والشبكات الإجرامية والحركات العرقية المسلحة في المنطقة، بالرغم من الجهود الإقليمية والدولية.

وقد فشلت الحملة العسكرية المستمرة منذ 7 سنوات بقيادة القوات الفرنسية بداية من عام 2012، وانتشار مئات من القوات الخاصة الأمريكية، وتقديم مساعدات هائلة للجيوش المحلية، فضلًا عن عملية حفظ سلام للأمم المتحدة تكلفتها 7 مليارات دولار، كل هذا فشل في إضعاف حركات التمرد العديدة المتشابكة في المنطقة بشكل حاسم.

في عام 2014، أنشأ قادة النيجر وبوركينا فاسو ومالي وموريتانيا وتشاد مجموعة دول الساحل "جي5"، المدعومة من قوة مهام فرنسية من 5 آلاف جندي لمحاربة المسلحين. مع ذلك، فشلت هذه المجموعة بشكل واضح في تحقيق أهدافها، والسبب له علاقة بالعدد الصغير لدول تلك المجموعة، والذي يجعل مهمتها في ضبط هذه المنطقة الشاسعة للغاية عملًا صعبًا للغاية. علاوة على هذا، فإن الرد العسكري على تصاعد الهجمات الإرهابية فشل بوضوح نتيجة لمجموعة مختلفة من الأسباب، من بينها نقص الموارد؛ فجيش بوركينا فاسو المكوّن من 6 آلاف فرد يفتقر للمعدات والتدريب الذي يمكّنه من التعامل مع هجمات يشارك فيها عادةً مئات المسلحين سريعي الحركة وخفيفي التسليح متنقلين على متن دراجات نارية أو شاحنات صغيرة. وردًّا على هذا الوضع، تدرس الحكومة إنشاء مليشيات شعبية عبر تقديم أسلحة للمدنيين فوق سن الثامنة عشرة. وقد أفادت محطة "بي بي سي" بأن أعضاء برلمان بوركينافاسو "صوّتوا بالإجماع على قرار يسمح بتسليح مدنيين، في خطوة قالوا إنها ستساعد في محاربة الجماعات المسلحة. ومن المقرر التوقيع على القرار ليصبح قانونًا". ومن الصعب تصوّر كيف ستكون مقاومة هؤلاء المدنيين، الذين من المفترض أن يتلقوا تدريبًا لمدة 14 يومًا فقط، أفضل من مقاومة الجيش المحترف.

وقد أعاد رئيس النيجر"محمدو إيسوفو" تنظيم قيادة الجيش من أجل إعادة صياغة استراتيجيته، كما أعلنت قيادة الجيش الجديدة أيضًا أن هجومًا جديدًا سيبدأ ضد داعش في المنطقة، لكن من غير الواضح متى وكيف سيتم تنفيذ هذا الهجوم، وفشلت العمليات الهجومية الماضية حتى الآن في الحدّ من انتشار العنف الجهادي، في حين أعلن رئيس وزراء مالي "إبراهيم بوبكر" خططًا لزيادة عدد جيش بلاده بنسبة 50 بالمائة (10 آلاف جندي) هذا العام، وفي الوقت ذاته، عبّر رئيس الوزراء عن رغبته في عقد مفاوضات مع الجهاديين، ومن غير الواضح بعد تكلفة زيادة عدد قوات الجيش، وما إذا كانت مالي قادرة على تحمل التكلفة لوحدها، كما أن هجمات الجهاديين المتكررة  في بلدان غرب إفريقيا والهادفة لردع الشباب عن الانضمام للجيش، يمكن أن تمثل أيضًا مشكلة لأي عمليات تجنيد جديدة تقوم بها الحكومة.

اتجاهات مستقبلية

يبدو أن سلسلة أعمال العنف الراهنة تحدث في وقت بات فيه تنظيم داعش يلفت مزيدًا من الأنظار بسبب حضوره المتزايد في منطقة الساحل. في عام 2019، أعادت قيادة تنظيم داعش المركزية تسمية فرعها في غرب إفريفيا من "تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى" ليصبح "ولاية غرب إفريقيا"، وهذا يزيد من شبح العنف في تلك المنطقة، حيث تتمتع جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة، مثل جماعة نصرة الإسلام، بحرية حركة وتتوسّع بسرعة. ووسط مخاوف من أن الردّ المحلي والإقليمي ربما يكون غير كافٍ؛ ثمة أسباب إضافية للقلق؛ فالولايات المتحدة تخطّط لسحب جزء كبير من قواتها المنتشرة في إفريقيا، حيث تمتلك في الوقت الراهن 6 آلاف جندي في إفريقيا، غير أن مئات منهم فقط منتشرون لمحاربة المسلحين في منطقة الساحل. وقد كشف مقترح للبنتاغون أن واشنطن تدرس خيار تخفيض عدد القوات في إفريقيا.

إن قرار الولايات المتحدة اقتضته حاجاتها لإعادة توجيه موارد لمواجهة تحديات من الصين وروسيا، بعد عِقدين من تركيزها على عمليات مكافحة الإرهاب، وبالإضافة إلى تواجد 14 ألف جندي تابعين لقوات حفظ السلام الأممية في شمال مالي، تمتلك فرنسا 4500 جندي في مالي يعتمدون على دعم لوجستي واستخباراتي من الولايات المتحدة، والتي تمتلك أيضًا قاعدة للطائرات المسيّرة في بلدة "أغاديز" في النيجر، تُطلق منها عمليات جوية. وأعلنت فرنسا في يناير أنها ستنشر 600 جندي إضافي في المنطقة، بالرغم من تصاعد المشاعر المعادية لباريس في بعض البلدان، وتزايد الانتقادات في الداخل الفرنسي من أن قواتهم باتت متورطة في مستنقع هناك، وجاءت هذه الخطوة بعد طلب الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" دعمًا لجيشه  من دول "جي 5"، وتهديده بسحب قواته في حال لم يحصل على هذا الدعم. لكن هذه الزيادة الرمزية في عدد القوات من غير المرجح أن تُحدِث تأثيرًا كبيرًا على الأرض.

وفي النهاية، لا شك أن العنف في الأشهر المقبلة قد ينتقل إلى منطقة أبعد جنوبًا ويزعزع استقرار المنطقة، ويمكن أن ينتقل للأجزاء الشمالية من غينيا وبنين وتوغو وغانا وساحل العاج.

إن الساحل في الواقع ربما يقترب من نقطة تحول قد تؤدي لانزلاق هذه المنطقة بشكل لا رجعة فيه نحو الفوضى العنيفة؛ ما سيعزّز من قوة الجماعات المتطرفة، ويُرسل موجة جديدة من المهاجرين إلى أوروبا.
    

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات ترجمات رؤية

اضف تعليق