مجلس العلاقات الخارجية| لماذا لا تستطيع أمريكا الوسطى كبح جماح الفساد؟


١٦ فبراير ٢٠٢٠ - ٠٥:٤٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس

لقد أدى الفساد المستشري إلى إعاقة التنمية منذ فترة طويلة، وأدى إلى هجرة السكان من بعض أفقر دول أمريكا الوسطى. إن تفكيك لجان مكافحة الكسب غير المشروع في الآونة الأخيرة يجعل احتمالات الإصلاح أكثر كآبة.

ما الدور الذي يلعبه الفساد في المنطقة؟

إن الفساد عبء كبير على اقتصادات أمريكا الوسطى، حيث يكلف دولها نحو 13 مليار دولار سنويًّا. إلى جانب التهرب الضريبي الواسع النطاق، ويحد الفساد من تمويل عمليات التنمية، فيما تُعد دول المثلث الشمالي– السلفادور وجواتيمالا وهندوراس –أقل الدول إنفاقًا على الخدمات الاجتماعية في نصف الكرة الغربي؛ فجواتيمالا تستثمر ما يزيد قليلًا عن 8% من ناتجها المحلي الإجمالي في الرعاية الصحية والتعليم والضمان الاجتماعي والمساعدة الاجتماعية.

جرائم ذوي الياقات البيضاء (المسئولين الحكوميين) ليست سوى جزءًا من المعادلة، فمع أدنى مستوى من الفساد يكون هناك تأثير مباشر على المواطنين. وفي العام الماضي، اعترف ما يزيد عن 20% من سكان جواتيمالا وهندوراس بدفع رشاوى مقابل الخدمات الاجتماعية، وتكلف عمليات  الابتزاز دولة هندوراس نحو 200 مليون دولار سنويًّا.

كما أن الهجرة الجماعية للفارين من الفساد من أمريكا الوسطى، وضعف المؤسسات، والعنف العشوائي، كلها تغذي الاقتصادات غير المشروعة، حيث إن عصابات الاتجار بالبشر والكارتلات والمسئولين الحكوميين، جميعهم – على حد سواء – يفترسون المهاجرين المستضعفين البائسين.

ما هي لجان مكافحة الفساد؟

كان للجنة الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب في جواتيمالا (CICIG) وبعثة دعم مكافحة الفساد والإفلات من العقاب في هندوراس (MACCIH) صلاحيات تنفيذية مختلفة، وفترات عمل متباعدة، وبالتالي، كانت النتائج مختلفة.

وقد دعمت اللجنة الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب في جواتيمالا، التي تأسست في عام 2007، القضاة والمدعين العامين في أكثر من 400 إدانة، وحسنت أساليب التحقيق لدى السلطات الجواتيمالية، وساعدت البلاد على خفض معدل القتل بأكثر من النصف بين عامي 2009 و2019. وأدى إطلاق اللجنة لتحقيقاتها الخاصة، وكشفها أيضًا لمدى الاختراق الإجرامي في المؤسسة السياسية في جواتيمالا، إلى تشجيع الأمم المتحدة لدعم محاكم جواتيمالا على فتح تحقيقات في فساد أربعة رؤساء؛ الأمر الذي أدى إلى استقالة الرئيس الحالي "أوتو بيريز مولينا" ونائبه في عام 2015، واعتقال وتسليم الرئيس السابق "ألفونسو بورتيلو" إلى الولايات المتحدة في عام 2013. لكن الرئيس الجواتيمالي "جيمي موراليس"، الذي يخضع للتحقيق بتهمة الفساد، قام بحل اللجنة الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب في جواتيمالا في سبتمبر 2019 بسبب انتهاكها للسيادة الوطنية.

على النقيض من ذلك، فإن بعثة دعم مكافحة الفساد والإفلات من العقاب في هندوراس، التي نشأت عن فضيحة الاختلاس التي قامت بها الحكومة عام 2015، مسقطةً أكثر من 300 مليون دولار من ميزانية الضمان الاجتماعي في هندوراس، لم يكن لديها سوى القليل لتظهره على مدار أربع سنوات من عملها. فقد رفض رئيس هندوراس "خوان أورلاندو هرنانديز" نجاح المطالب بتكرار اللجنة الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب في جواتيمالا، واستقر بدلًا من ذلك للحصول على نموذج استشاري وليس تحقيقيًّا برعاية منظمة الدول الأمريكية (OAS). ونتيجة لذلك، لم يُسمح لبعثة دعم مكافحة الفساد والإفلات من العقاب في هندوراس بفتح تحقيقاتها الخاصة دون موافقة الحكومة. ولكن في يناير 2020، فشل هرنانديز في تجديد ولايته.

أما السلفادور، وهي الدولة الثالثة في المثلث الشمالي، فقد أنشأت لجنة مكافحة الفساد الخاصة بها بالتعاون مع منظمة الدول الأمريكية في عام 2019. وتسمى البعثة الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب في السلفادور (CICIES)، وتهدف الهيئة إلى تشجيع القطاع القضائي على مواجهة قضايا الفساد الكبرى.

كيف كان عدم تجديد لجان مكافحة الفساد في جواتيمالا وهندوراس نكسة كبرى؟

على الرغم من أن اللجنة الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب في جواتيمالا لم يكن المقصود منها دائمًا أن تكون دائمةً، غير أن العديد من الإصلاحات المؤسسية التي دافعت عنها أصبحت الآن عرضة لخطر التراجع. فقد أطلق الرئيس الجواتيمالي المنتخب حديثًا "أليخاندرو جياماتي"، وهو أيضًا من المتشككين في اللجنة الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب في جواتيمالا، لجنة رئاسية لرصد ومكافحة الفساد. ومع ذلك، يبقى أن نرى ما إذا كان سيتمكن من ضمان عملية شفافة وعادلة لاختيار القضاة في المحكمة العليا في عام 2020 أو منع المشرعين من سن قوانين تضعف إصلاحات قانون العقوبات في حقبة اللجنة الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب في جواتيمالا.

أما في هندوراس، فقد فشلت الإصلاحات الأكثر أهمية التي اقترحتها اللجنة، بما في ذلك إنشاء محاكم لمكافحة الفساد. وعلى الرغم من أن موظفي بعثة دعم مكافحة الفساد والإفلات من العقاب في هندوراس اكتشفوا فضائح كبيرة تتعلق بأسرة الرئيس والمقربين منه، إلا أن حل الهيئة عطَّل التحقيقات الجارية، وأثار أسئلة حول مستقبل وحدة مكافحة الفساد التابعة للنائب العام.

كيف يمكن للولايات المتحدة ودول أخرى تعزيز عملية المساءلة في المنطقة؟

إن النجاح النسبي الذي حققته اللجنة الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب في جواتيمالا في مواجهة القضايا الضخمة ضد الشخصيات القوية، وتأمين المعتقدات البارزة، يدل على أهمية الفاعلين الدوليين في توفير التدريب والحماية لموظفي العدالة في أمريكا الوسطى. علاوة على ذلك، وكما كشفت أوراق بنما في عام 2016، فإن التعاون الدولي وتبادل المعلومات أمران حاسمان للتصدي للجرائم المالية العابرة للحدود.

ويمكن لمنظمة الدول الأمريكية والولايات المتحدة تنشيط الجهود الإقليمية لمكافحة الفساد من خلال مضاعفة دعمهما للبعثة الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب في السلفادور. إن دعم الرئيس السلفادوري "نايب بوكيلي" للبعثة الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب في السلفادور يشير إلى التزامه بهذه المهمة، ومع ذلك، ما زال من غير الواضح مدى قوة صلاحية البعثة الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب في السلفادور للتحقيق في قضايا الفساد.

وعلى الرغم من الدعم القوي من الحزبين في الكونجرس للجنة الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب في جواتيمالا وبعثة دعم مكافحة الفساد والإفلات من العقاب في هندوراس خلال رئاسة "باراك أوباما"، كانت إدارة "دونالد ج. ترامب" متحفظة لتأييد هذه الجهود، حيث دافع كبار المسئولين في إدارة ترامب علنًا عن حق موراليس في حل اللجنة الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب في جواتيمالا، فيما تجاهل ترامب مزاعم الفساد الكبرى ضد رؤساء أمريكا الوسطى في مقابل تعاونهم في منع الهجرة إلى الولايات المتحدة. وإضافة إلى ذلك، فإن قرار الإدارة بتجميد 450 مليون دولار من المساعدات للمثلث الشمالي أضر بقدرة المجتمع المدني على كشف الفساد ومحاكمة مرتكبيه.

في النهاية، وكما أثبتت القصص المثيرة لمكافحة الفساد في البرازيل وبيرو ودول أخرى، فإن النجاح في مكافحة الفساد لن يتطلب قيادة سياسية شفافة فحسب، بل يتطلب أيضًا نشاطًا مدنيًّا يبدأ من الأسفل.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات ترجمات رؤية

اضف تعليق