مؤسسة التعليم الاقتصادي| ماذا يمكن أن نتوقع من أفريقيا في 2020؟


١٨ فبراير ٢٠٢٠ - ١٠:١٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس

في أعقاب فجر عِقد جديد، كُتِبَت مجموعة مقالات متفائلة حول التقدم المذهل الذي حققته البشرية منذ بداية الألفية الجديدة والمعالم المتوقعة في الازدهار البشري التي سيحققها نوعنا بحلول عام 2030. وكما أوضح العديد من المؤلفين فقد انخفضت نسبة الفقر المدقع ومعدلات وفيات الرُّضع ونسبة الأمية إلى مستويات تاريخية، وأصبح نوعنا أكثر هدوءًا وأكثر ذكاءً وتقدمًا من الناحية التكنولوجية من ذي قبل.

ومع ذلك، ومن خلال النظر في الاتجاهات العامة للرفاه العالمي، يمكن أن يكون من الصعب تحديد شكل الحياة، وما يخبئه المستقبل لأفقر الناس في العالم. لحسن الحظ، فإن توقعات المنطقة الأكثر فقرًا في العالم، أفريقيا جنوب الصحراء، هي توقعات مشرقة.

في عام 2000، وصفت مجلة "الإيكونومست" أفريقيا بأنها "قارة ميؤوس منها"، مضيفة أن "الألفية الجديدة جلبت الكارثة أكثر من الأمل في أفريقيا". ولحسن الحظ، فخلال العشرين عامًا الماضية منذ تشخيص الإيكونوميست الحزين، تغير الكثير.

مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي ثلاث مرات

في الواقع، تضاعف الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى على مدار العشرين عامًا الماضية، وتضاعف متوسط دخل الفرد، بعد تعديله حسب التضخم والقوة الشرائية، بأكثر من الضعف. وبخلاف القياسات الاقتصادية، انخفضت معدلات وفيات الرضع إلى النصف تقريبًا وارتفعت معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة بنسبة 8%. قد لا يبدو هذا كثيرًا، لكن هذه الزيادة تعني أن 136 مليون أفريقي جدد أصبح يمكنهم القراءة والكتابة منذ عام 2000.

وخلال نفس الفترة، زاد متوسط العمر المتوقع في المنطقة بأكثر من عشر سنوات؛ ما يعني أنه في كل يوم يمر، يرتفع متوسط العمر المتوقع بمقدار 12 ساعة. وبالنسبة للعديد من الأشخاص، ستكون هذه الزيادة هي الفرق بين معرفة أحفادهم أو الموت قبل ولادتهم.

ومن المهم النظر إلى أن الكثير من التقدم في أفريقيا لم يحدث إلا منذ أواخر التسعينيات وتزامن إلى حد كبير مع اقتصاد أفريقيا الجديد الأكثر تحررًا، وذلك كما قال "ماريان توبي" رئيس تحرير موقع "هيومان بروجريس": "بالنسبة لمعظم تاريخ ما بعد الاستعمار، فرضت الحكومات الأفريقية سيطرة مركزية على اقتصاداتها".

وكانت تدابير مثل مصادرة الأراضي الخاصة، وضبط الأسعار والأجور، ودعم المؤسسات المملوكة للدولة التي حالت دون المنافسة، وأكثر من ذلك، كثيرة الانتشار. ولكن، وفقًا لـ "توبي": "بدأ هذا يتغير بعد سقوط حائط برلين. وفقدت الاشتراكية الكثير من جاذبيتها وانهار الاتحاد السوفيتي، الذي كان يموّل ويحمي العديد من الديكتاتوريات الأفريقية".

وبين عامي 1996 و2016، ازدادت نسبة الحرية الاقتصادية في المنطقة من 5.1 من 10 إلى 6.15، وفق قياسات معهد فريزر، وهو مركز أبحاث كندي.

اتجاهات النمو

بطبيعة الحال، من الصعب التنبؤ بمستقبل المنطقة التي تضم 46 دولة، ويبلغ عدد سكانها أكثر من مليار شخص، غير أن النظر إلى اتجاهات العشرين عامًا الماضية يُعدّ نقطة بدء جيدة، وكما أشار "مارك ليتل وود"، المدير العام لمعهد الشئون الاقتصادية: "بالطبع، سيقول المتشائمون إن النتائج السابقة ليست ضمانًا للأداء المستقبلي. وهم على حق من الناحية الفنية؛ بيد أن الماضي يعمل بالتأكيد كدليل معقول".

وحتى مع عدم وجود مزيد من التحرير الاقتصادي، فمن المرجح أن تستمر أفريقيا جنوب الصحراء في النمو بسرعة خلال العشر سنوات المقبلة.

واليوم، أصبح متوسط الدخل في المنطقة يساوي متوسط دخل أوروبا الغربية عام 1900، أي نحو 4000 دولار في السنة. وبحلول عام 2030، واستنادًا إلى اتجاهات النمو الحالية، يمكن أن نتوقع أن تكون الدخول في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى مساوية لإيرادات متوسط أوروبا الغربية في عام 1934 (أي حوالي 5000 دولار في السنة). إن مبلغ 5000 دولار في السنة ليس مبلغًا كبيرًا يمكنك من العيش به، لكن حقيقة أن أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ستحقق على الأرجح نفس نمو الدخل على مدى 10 سنوات كما حققت أوروبا الغربية على مدار 34 عامًا، أمرٌ لافت للنظر.

وإذا استمرت تلك الاتجاهات، فسيرتفع متوسط العمر المتوقع في المنطقة خمس سنوات أخرى بحلول عام 2030، ومن المرجح أن يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة 2.2 تريليون دولار؛ ما يجعله يساوي ثامن أكبر اقتصاد في العالم اليوم.

تأثير التجارة الحرة

وبالطبع، ليس هناك ما يضمن أنه خلال السنوات العشر المقبلة، لن تفرض بعض الحكومات الأفريقية حواجز تحظر التجارة أو تغلق الحدود، أو تتخلى عن حقوق الملكية، أو تتدخل بشكل أكبر في اقتصاداتها، وكل ذلك سيؤدي إلى عرقلة التقدم الحالي. ومع ذلك، فإن الأخبار السارة هي أنه بسبب إبرام اتفاق جديد للتجارة الحرة على مستوى القارة، يبدو أن سياسات التحرير الاقتصادي التي دعمت الكثير من نمو أفريقيا على مدى السنوات العشرين الماضية، من المحتمل أن تتسارع في السنوات العشر القادمة.

ففي الأول من يوليو، سيتم تطبيق منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA)– التي في مرحلتها التشغيلية الآن– بالكامل. وتم التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة لأفريقيا، والتي تبناها لأول مرة الاتحاد الأفريقي في مارس 2018، من جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي البالغ عددها 55 دولة باستثناء دولة واحدة، حيث صدّقت 29 دولة على الاتفاقية من خلال مجالسها التشريعية المحلية.

وعند تطبيقها، ستلغي منطقة التجارة الحرة – التي أُنشئت حديثًا – 90% من الرسوم الجمركية على البضائع المتداولة بين الدول الأعضاء، وبحلول نهاية عام 2030، ستتم إزالة 7% أخرى من التعريفات المتبقية على "المنتجات الحساسة". وهذه خطوة ممتازة بالنظر إلى أن الأمم المتحدة قدّرت أن اتفاقية التجارة الحرة لأفريقيا يمكن أن تزيد التجارة البينية الأفريقية بنسبة تصل إلى 50% في غضون بضع سنوات فقط. وبعد إزالة التعريفات النهائية، من المرجح أن يتضاعف هذا الرقم، وهو ما سيضيف– لا شك – مليارات الدولارات إلى اقتصاد المنطقة.

ومن المرجح أن تظل أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى واحدة من أسرع المناطق نموًا في العالم طوال العشر سنوات المقبلة؛ حيث سيرتفع متوسط الدخل، وسيزداد متوسط العمر المتوقع، وسيستمر انخفاض معدلات وفيات الرُّضع. ومع إدخال اتفاقية التجارة الحرة الأفقية حيز التنفيذ في وقت لاحق من هذا العام، قد تزداد سرعة التقدم.

إن أمام أفريقيا طريقٌ طويلٌ للحاق بركب الغرب، غير أنه ينبغي أن نكون سعداء لأن "القارة التي أطلق عليها ذات يوم "القارة الميؤوس منها" لم تعد كذلك الآن.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات رؤية ترجمات

اضف تعليق