المركز الفرنسي للبحوث و تحليل السياسات الدولية| دوافع التدخل الفرنسي في ليبيا


١٩ فبراير ٢٠٢٠ - ٠٧:٣٠ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - فريق رؤية

بقلم الباحث في العلاقات الدولية/ د. رائد نجم

المصدر - المركز الفرنسي لمكافحة الإرهاب

تلتزم فرنسا من الناحية الرسمية بدعم حكومة رئيس الوزراء الليبي فايز السراج المعترف بها دوليًا ، والتي تم تشكيلها بموجب اتفاق الصخيرات عام 2015 ومقرها طرابلس، والتي تجسد السلطة التنفيذية الليبية الشرعية المؤسسية وتعمل كممثل رسمي لليبيا. كما تدعم باريس رسميًا جهود الأمم المتحدة لحل الأزمة الليبية بطريقة تشمل جميع الجهات السياسية الفاعلة، بدءًا من حكومة الوفاق الوطني الليبية. وانتهاءاً بالجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر. ورغم تعامل باريس مع حكومة السراج، إلا أنها تحتفظ بعلاقات وثيقة مع حفتر وهو ما أثار الانتقادات ضد باريس منذ أن شن حفتر هجومه على طرابلس.

الرهان على حفتر

تدعم فرنسا ظاهريًا عملية السلام التي تتوسط فيها الأمم المتحدة، بقيادة وزير الثقافة اللبناني السابق غسان سلامي، كما أنها لم تعترف رسمياً بتقديم الأسلحة والتدريب والاستخبارات ومساعدة القوات الخاصة لحفتر، ولكن وفاة ثلاثة جنود فرنسيين سريين في حادث طائرة هليكوبتر في ليبيا في عام 2016 اعتبر اعترافًا نادراً بوجودها السري في عمليات ضد المقاتلين الإسلاميين في ذلك الوقت.

تحرك حفتر نحو طرابلس ضد حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها من قبل الامم المتحدة في الوقت الذي كان الأمين العام للأمم المتحدة يتواجد في طرابلس للتحضير لمؤتمر سلام طال انتظاره ما تسبب في إحراج فرنسا التي انخرطت منذ عام 2015 في تعزيز الرجل القوي في بنغازي. فقد طورت فرنسا علاقات قوية مع حفتر الذي حقق اختراقات كبيرة منذ بداية العام، حيث سيطر على ولاية فزان في جنوب ليبيا، إلى جانب سيطرته على معظم ولاية برقة، مما جعله أقوى لاعب في ليبيا.

وتراهن باريس على قدرة حفتر على فرض النظام على الدولة المنتجة للنفط واتخاذ إجراءات صارمة ضد الجماعات الإسلامية التي ازدهرت في المناطق غير الخاضعة للحكم في الدولة الفاشلة، وهو ما مس بالمصالح الاقتصادية والأمنية لجارتها إيطاليا القوة الاستعمارية السابقة في ليبيا واللاعب الأجنبي الرئيسي في قطاع النفط. والتي كانت قد عانت من تدفق مئات الآلاف من اللاجئين والمهاجرين عبر البحر الأبيض المتوسط منذ الإطاحة بالقذافي .

على هذا الأساس، فإن طبيعة علاقة فرنسا مع حفتر وثيقة الصلة، ولا تريد باريس عزل نفسها عن الرجل الذي يساعدها على اكتساب النفوذ في ليبيا. وتتعامل فرنسا ببساطة ببراغماتية تتماشى مع مصالحها الخاصة، حتى لو كانت تفضل تجنب الاعتراف بذلك رسمياً.

علاقات متغيرة

العلاقة بين فرنسا وليبيا ممتدة ومتغيرة، فمنذ عام 2003 أبدت باريس اهتمامًا كبيرًا بالطاقة والفرص التجارية التي يوفرها السوق الليبي بعد قرار الزعيم السابق معمر القذافي بالتخلي عن البرنامج النووي. وقد وصلت العلاقات الدبلوماسية التي كانت سائدة خلال فترة ولاية الرئيس السابق جاك شيراك ذروتها في عهد خليفته نيكولا ساركوزي. صاحب مبدأ إقامة علاقة قوية بين فرنسا وليبيا، ومع ذلك لعب ساركوزي دورًا رئيسيًا في إسقاط الزعيم الليبي. وتحافظ رئاستا فرانسوا هولاند وإيمانويل ماكرون على ضمان بقاء موطئ قدم لباريس في ليبيا. وكانت إحدى المبادرات الدبلوماسية البارزة للرئيس إيمانويل ماكرون عند فوزه عام 2017 دعوة حفتر والسراج إلى باريس لمحاولة التوسط في اتفاق لتقاسم السلطة. دون ان يشرك الإيطاليين. لإظهار أن فرنسا عادت إلى الساحة الدولية.

ويعود اهتمام فرنسا بالأزمة الليبية نظراً للتحديات التي تطرحها الازمة على المستويات الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية:

دوافع التدخل

اسباب استراتيجية: يتعلق الأمر بالتحالفات الإستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط على نطاق أوسع من الاعتبارات التجارية. حيث تتحالف باريس مع الحكام في الامارات والسعودية ومصر الذين باعت لهم أسلحة بمليارات الدولارات، ضد التحالف بين قطر وتركيا وحركة الإخوان المسلمين العابرة للحدود.

في الوقت نفسه، لا يمكننا التغاضي عن الأهداف طويلة المدى وربما أكثر الكلاسيكية. من بينها رغبة فرنسا في ضمان الوصول المتميز إلى فرص الاقتصاد والطاقة الليبية، وبالطبع الحفاظ على النفوذ الدبلوماسي في ليبيا ، مما سيعزز المصالح الفرنسية في المنطقة.

دوافع اقتصادية: المكاسب" المحتملة من عقود إعادة الإعمار وزيادة الأعمال التجارية لشركة النفط الكبرى توتال توفر دافعًا آخراً لسياستها تجاه الازمة الليبية.

دوافع أمنية

يربط صانعو السياسة الفرنسيون هذا الصراع الإقليمي بحربهم ضد التمرد الإسلامي في حزام الصحراء والساحل والإرهاب في الداخل، وهما الأولوية الأولى للأمن القومي، خاصة منذ هجمات باريس في نوفمبر 2015 التي أودت بحياة 130 شخصًا. فالنظرة السائدة في الدوائر الحكومية في باريس هي أن الحل العسكري هو الطريقة الوحيدة لمواجهة التشدد الإسلامي .

الهجرة غير الشرعية هي الأخرى من أبرزالدوافع الفرنسية ، حيث تعد ليبيا واحدة من نقاط الانطلاق الرئيسية للعديد من المحاولات للوصول إلى السواحل الأوروبية. وتبحث فرنسا عن سبل لاحتواء تدفق الهجرة من خلال انخراطها في ليبيا وإقامة روابط وثيقة مع القوى فيها.

أمن ليبيا هو مصلحة أخرى واضحة لباريس، ليس فقط بسبب المخاطر الناجمة عن عدم الاستقرار الليبي بالنسبة للاتحاد الأوروبي ولكن أيضًا بسبب التأثيرات على الجوار الجغرافي الليبي (تونس والجزائر ومصر وقبل كل شيء ، تشاد والنيجر، ومالي وذلك لوقف إمدادات الأسلحة والاموال للجماعات الجهادية التي تهدد الحكومات الهشة في النيجر وتشاد ومالي، والتي تدعمها عملية برخان الفرنسية.

في الوقت الذي فيه العديد من المناطق في ليبيا تحديات خطيرة ، فإن الوضع على الجبهتين الغربية والجنوبية هو الأكثر إشكالية. حيث يشكل الاتجار غير المشروع، بما في ذلك الاتجار بالأسلحة والجماعات المتطرفة المنتشرة على جانبي الحدود تهديدًا لقوات مجموعة الخمسة. وترى باريس أن انخراطها ضروري لتحييد هذه التهديدات خاصة وأن هناك فرقة فرنسية تشارك مع هذه القوات.

الخاتمة

فرضت الأزمة الليبية واقعاً متشابكاً دفع باريس للتعامل مع جميع الاطراف المتصارعة والأطراف الداعمة لها في إطار براغماتي للحفاظ على مصالحها وتجنب التهديدات المطروحة في حال استمرار الأزمة وفشل الحل العسكري مما سيطيل المعارك ويبقي فرنسا ومصالحها عرضة لعمليات إرهابية ولموجات الهجرة . وهو ما دفعها للإبقاء على القنوات الدبلوماسية مفتوحة مع جميع أصحاب المصلحة الليبيين دون إدانة طرف دون آخر، أو الإعلان رسمياً عن مساندة طرف بعينه.

وفي الوقت الذي تراهن فيه الأطراف على إنتاج حل سياسي للأزمة تستمر المواجهات العسكرية على الأرض لتبقي خيار الحسم العسكري قائماً وهو ما من شأنه أن يخرج تركيا والمليشيات المسلحة التابعة لها من المشهد السياسي، ويقدم حلولاً لازمة الغاز في شرق المتوسط ويساهم في معالجة الهجرة غير الشرعية لدول الاتحاد الاوروبي، ويساهم في تحييد خطر الجماعات الارهابية على الحكومات المدعومة من فرنسا في جوار ليبيا الجغرافي. وتعرف باريس أنه لا يمكن إيجاد حل في ليبيا بدون حفتر خاصة وانه يسيطر على 80% من ليبيا ما يجعل الابتعاد عنه استبعاداً لدور فرنسي مستقبلي في ليبيا. ولكن باريس لديها مخاوف كذلك تتعلق بعدم وجود خلف واضح لحفتر حال غيابه عن المشهد ما يجعلها تتمسك بضرورة الحل وعودة الدولة الليبية موحدة. كما تدفع الأوضاع المضطربة لإقليم الشرق الأوسط والتنافس الإقليمي والدولي في أكثر من دولة من دوله الى تعزيز فرنسا لحضورها وتحالفاتها في المنطقة والتي تميل بشكل واضح إلى علاقات اسراتيجية مع مصر والإمارات والمملكة العربية السعودية.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق