ناشيونال إنترست| الفخ السوري.. أعداء جدد لأردوغان وغضب في العالم العربي


٢٣ فبراير ٢٠٢٠ - ٠٥:٢٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

بعد سيطرة الجيش السوري مدعومًا بالطيران الروسي على بلدة سورية استراتيجية أخرى في إدلب، ما يعني اقترابه أكثر من الحدود التركية، يبدو أن نهاية اللعبة قد بدأت بالنسبة لتركيا. سيطرت الحكومة السورية أيضًا على طريق سريع مهم يربط دمشق بحلب، وأمّنت حلب من قذائف مدفعية المتمردين المدعومين من تركيا. ودبلوماسيًّا، كان أول لقاء يُعترف به بين رئيسي الاستخبارات التركية والسورية في موسكو منذ أسبوع مضى، بمثابة الضربة القاضية لمحاولات أردوغان الإطاحة بالرئيس بشار الأسد.

إن أردوغان لم يفشل فقط في إسقاط الأسد، لكنه فشل أيضًا في إقناع الروس بوجهة النظر التركية، وبالرغم من تنامي العلاقات الاقتصادية والدفاعية الروسية - التركية، إلا أن روسيا لا تؤيد موقف تركيا تمامًا في إدلب وسوريا عمومًا. لكن، بالنظر إلى مشاكل تركيا الأخرى في البحر المتوسط، ما من تعاطف كبير مع الموقف التركي عندما يتعلق الأمر بسوريا. إن روسيا هي رهان تركيا الوحيد في سوريا، وقد تصرّف بوتين بحزم أجبر أردوغان على التواصل مع الأسد بعد نفاد خيارات أنقرة.

وبالرغم من التصريحات الرنّانة وإصرار تركيا على إجبار دمشق على سحب قواتها، أوفت روسيا على الأرض بوعدها بتقديم الدعم الذي يسمح بانتصار القوات السورية، ومع خسارة تركيا أراضي في سوريا، تتخذ السعودية والإمارات، المنافسان الإقليميان لتركيا، خطوات إضافية لدعم الأسد.

التورّط التركي في الشئون العربية

بعد تسبب الغزو التركي لشمال سوريا في إغضاب حلف الناتو والولايات المتحدة، هناك شيء واحد بات واضحًا وهو أن عودة الأسد باتت شبه تامة وهو ما يُعزى بصورة كبيرة للدعم الروسي، ومهارة الأسد في ممارسة لعبة الصبر الاستراتيجي، لا سيما مع أكراد سوريا. وبينما يرسل أردوغان قوات تركية إلى ليبيا؛ بات واضحًا أن هدف القوات السورية المدعومة من تركيا لم يكن محاربة الأسد، ولكن خدمة مصالح تركيا.

علاوة على هذا، فإن تركيا تحت حكم أردوغان، والتي كانت تُعدّ يومًا ما نموذجًا ديمقراطيًّا للعالم العربي، باتت منبوذة تمامًا، وفي الواقع، أعلنت الجامعة العربية مؤخرًا أنه يجب على تركيا عدم التدخل في الشئون العربية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بسوريا. إن الجامعة العربية ذاتها التي أدانت الأسد منذ ثماني سنوات مضت، صارت اليوم مستعدة للترحيب به مجددًا حتى يستعيد السيطرة على سوريا ويمارس نفوذه في المنطقة العربية، ولا شك أن العرب يفضلون الأسد على أردوغان.

إن ما يحدث هو انقلاب وهزيمة كاملة للرئيس التركي؛ لأن الأسد لم ينج فقط لكنه عاد مجددًا للمنطقة؛ إذْ بادرت كل من الإمارات والبحرين ومصر وعُمان للتفاعل معه إيجابيًا، في حين لا يزال أردوغان مضطرًا لتجرّع الكأس المُرّ، فالأسد كان هو من ساعد على تهدئة الوضع الكردي بعد طرد حزب العمال الكردستاني من سوريا ووادي البقاع في لبنان.

إن مصير تركيا في سوريا في أيدي روسيا، وسيحتاج الأتراك لعقد صفقة مع الأسد، وهو أمر لا يمكن وصفه إلا بالهزيمة لأردوغان وذلك بالنظر إلى هدفه المعلن بالإطاحة بالرئيس الأسد منذ ثماني سنوات مضت، كما أن تركيا بحاجة لصفقة مع السوريين، ليس فقط للتعامل مع المسألة الكردية؛ ولكن أيضًا لمكافحة الجماعات المتطرفة التي يمكن أن تهاجم تركيا بعنف كرد فعل على سقوط إدلب مستقبلًا، وهناك غضب ضد تركيا بسبب استخدامها المقاتلين السوريين في ليبيا لتحقيق أهدافها وليس أهداف سوريا.

علاقات الأسد وأردوغان.. نظرة على تاريخ العلاقات السورية – التركية

حتى قبل عملية "نبع السلام"، كان أردوغان يواجه ضغوطًا وانتقادات دخلية وخارجية متزايدة في عدة جبهات، من بينها طغوط من الأعضاء الثلاثة المؤسسين لحزب أردوغان "العدالة والتنمية"، وهما الرئيس الأسبق عبد الله غول ورئيس الوزراء الأسبق أحمد داوود أوغلو، والمهندس الرئيسي للنجاح الاقتصادي التركي علي باباجان. ويمكن للمرء القول إن بداية مشاكل أردوغان وتركيا تعود جذورها إلى الصراع السوري، ويومًا ما كان يُنظر لتركيا باعتبارها نموذجًا حديثًا لدولة ديمقراطية مسلمة ينبغي على العالم العربي تقليدها، كما عمل أردوغان على إدماج بلاده في العالم العربي عبر بشار الأسد، الذي أقام معه أردوغان علاقات أسرية وثيقة، واصفًا إياه بالأخ.

الآن، وبينما يُعيد الأسد تثبيت أقدامه في العالم العربي، يتواصل أعداء أردوغان، مثل مصر والإمارات والبحرين مع دمشق، لإبعاد تركيا عن الشئون العربية. بالمثل، لعب السوريون تحت حكم الأسد دورًا مهمًا لمساعدة تركيا في محاربة حزب العمال الكردستاني، لكن هذا التحالف الماضي بات في حالة يرثى لها بعد أن باتت تركيا عالقة بين روسيا والولايات المتحدة اللتين تمسكان بالورقة الكُردية.

لقد انهارت العلاقات الشخصية بين أردوغان والأسد والتي حدّدت معالم العلاقات التركية - السورية، وانهارت معها العديد من العوامل التي جعلت أردوغان نفسه ناجحًا. الآن أصبحت سوريا هي نقطة ضعف أردوغان الرئيسية، علاوة على ذلك، فإن الأخبار المتداولة عن انضمام وحدة أرمينية مشكّلة حديثًا إلى "قوات سوريا الديمقراطية" لمواجهة الجيش التركي، هي تكرارلصدام تاريخي بين الأتراك والعرب والأرمن واليونانيين الأرثوذكس والأكراد.

إن الحدود التي وُضعت عام 1938 كانت دومًا مثيرة للجدل، وبات الجميع مجددًا يتوحّدون ضد التوغل التركي في أراضي سوريا التاريخية، وبالطبع استطاع الأسد لعب جميع الأوراق المذكورة بمهارة ضد أردوغان.

الحدود السورية – التركية.. خلاف قديم

في أغسطس من عام 2010، وأثناء ذروة تقاربه مع الأسد، وفي تجمّع انتخابي في مدينة غازي عنتاب، عبّر أردوغان، الذي كان رئيس وزراء حينها، عن تقديره للأخوة التي تجمعه ببشار الأسد، وكيف أن ذلك ساعد في معالجة انقسام ممتد منذ مائة عام تقريبًا يتركّز حول المدينة المذكورة على الحدود التركية -السورية. كان أردوغان، بالطبع، يشير إلى حالة شبه الحرب التي امتدت لعقود بين أنقرة ودمشق، ودعمت سوريا لعقود طويلة جماعات كردية وأرمينية ويسارية مكوّنة من سريان وأشوريين وأقليات أخرى لم تقبل مطلقًا طردها من أراضيها التاريخية، أي تركيا الحديثة.

في كتابها بعنوان "طرابيش في النهر: سياسات الهوية والدبلوماسية الأوروبية في الشرق الأوسط عشية الحرب العالمية الثانية" تتحدث "سارة شيلدز"، الأستاذة في جامعة نورث كارولينا، حول كيف بذل "أتاتورك" جهدًا مضنيًا للتأكد من ألا تذهب البلدات الواقعة على الحدود بين تركيا وسوريا الخاضعة حينها للانتداب الفرنسي لدولة سوريا العربية المستقلة حديثًا.

ترى "شيلدز" أن هناك أدلة كثيرة توضح كيف تلاعبت الجمهورية التركية بالاستفتاء. في الواقع، فإن مجموعة من آراء أتاتورك المدوّنة في كتاب بعنوانSuriye ve Irak-Ataturk’un Kaleminden (سوريا والعراق بقلم أتاتورك)، وأحاديثه وكتاباته بشأن سوريا والعراق، أوضحت جليًا أنه رأى أنه من الأفضل لتركيا ضمّ أجزاء من سوريا والعراق إلى الجمهورية التركية لتعزيز الأمن والتماسك المجتمعي. خلال مناقشته لكتاب "سوريا والعراق بقلم أتاتورك"، أوضح رئيس هيئة الأركان التركي السابق الجنرال "إلكير باسبوغ" أنه وفقًا لرأي أتاتورك، فإن الدول العربية المستقلة حديثًا ينبغي أن تشكّل على الأقل كونفدرالية.

ويرى أتاتورك أنه إذا شكّلت تركيا وسوريا والعراق المستقلتين حديثًا اتحادًا فيما بينهم، فإن هذا سيبعد شبح حدوث المزيد من النزاعات الأهلية بين العرب والأتراك والأرمن والأكراد.

ولم ينس السوريون مطلقًا أن تركيا من وجهة نظرهم اغتصبت أراضي تاريخية تابعة لهم، وليس من قبيل الصدفة إذًا أن هذه المدن باتت خطًّا أماميًّا لتركيا في الحرب الراهنة. ويروي كتاب "إعادة بناء أرمينيا في سوريا ولبنان" (Reconstructing Armenia in Syria        and Lebanon) بقلم "نيكولا ميغليورينو" بالتفصيل كيف تحوّلت مدن سوريا مثل حلب وحمص ودير الزور في سوريا الحديثة، لمعاقل أساسية تضمّ ما تبقى من المجتمعات الأرمينية التي طُردت من أراضيها منذ مائة عام مضت. إن السكان السريان والأرثوذكس الذي قَدِموا للاستقرار وسط السكان السوريين الأصليين المتحدثين بالأرمينية والآرمية والسريانية، كان لديهم كل الأسباب لدعم أي جماعات تحارب تركيا، وقد استغلت سوريا هذا الوضع لصالحها على الوجه الأكمل، بالإضافة للدعم السوري المعروف على نطاق أوسع لحزب العمال الكردستاني.

الأسد يدخل في صداقة مع أردوغان

في عام 2004، أنهى بشار الأسد عقودًا من انعدام الثقة بين سوريا وتركيا حول مسألة الحدود، وأصبح أول رئيس سوري يزور أنقرة، كما قبل الأسد بسيادة تركيا على إقليم "هتاي"، ووضع الأساس الذي تم بمقتضاه نظريًّا إنهاء كل الدعم السوري المقدّم للجماعات الكردية والأرمينية واليسارية التي دعمت تاريخيًّا سوريا ضد الدولة التركية، وعرّف الأسد أردوغان بحركة حماس ومجموعات فلسطينية أخرى، ما جعل أنقرة لاعبًا رئيسيًّا في الصراع العربي – الإسرائيلي،  كما كان لسوريا أيضًا تأثير على العلاقات التركية - الإسرائيلية التاريخية، وهو الأمر الذي لا يزال مستمرًا حتى يومنا هذا.

وأكّد "باسبوغ"، قائد الجيش التركي السابق، أن استخبارات الجيش السوري تخلت عن دعمها لحزب العمال الكردستاني وأوجلان، ويناقش "سونير كابغبتاي" في كتابه "السلطان الجديد" أيضًا كيف أوقفت سوريا دعمها لحزب العمال الكردستاني؛ ما ساهم في إرساء حالة استقرار بين أنقرة والأكراد، وعزّز في الوقت ذاته من صداقة الأسد وأردوغان.

أردوغان مُجبر على التخلي عن مواقفه السابقة

لم يتمكّن أردوغان من احتواء الآراء المعارضة الصادرة من داخل حزبه بشأن تداعيات الحرب في سوريا، وقبيل كل انتخابات في تركيا، تظهر على السطح مرارًا وتكرارًا قضايا متعلقة بعملية السلام مع الأكراد والعبء الاقتصادي للاجئين السوريين وتكلفة التحرشات العسكرية التركية والتدخل غير الضروري في سوريا، ويشمل هذا صراع أردوغان الشخصي مع الأسد.

يقول أردوغان وحزب العدالة والتنمية الآن بشكل صريح إنهم سيقبلون بوجود الأسد في حال فوزه في انتخابات ديمقراطية، وهو تحول جذري في موقف أردوغان، كما اعترف الرئيس التركي بوجود اتصالات بين جهازي استخبارات البلدين، علاوة على هذا، يسعى أردوغان لإرضاء الناخبين الأكراد عبر السماح لـ "أوجلان" بالحديث بواسطة رسائل مكتوبة.

يقول أوجلان، الذي دعمته سوريا ذات يوم وباتت تركيا تحتاجه اليوم: إنه يجب إجراء محادثات مع الأسد لتحقيق نهاية سِلمية للمشكلة الكردية على جانبي الحدود، ويعارض الأرمن على الحدود والمسيحيون السريان في تركيا أي عمليات عسكرية تركية أخرى داخل سوريا، كما أن مسيحيي انطاكيا والمجتمع العلوي داخل تركيا يفضّلون دعم الأسد على أردوغان، ما يوضح كيف أن المجتمعات الحدودية تفضّل سوريا والأسد على أردوغان، ويُعزى هذا بصورة أساسية إلى الأحداث التي جرت منذ مائة عام مضت.

إن خضوع الرئيس التركي لأوجلان وفتحه حوارًا مع الأسد يظهر جليًّا أن دمشق والأسد استخدما المظالم السورية التاريخية بشكل فعّال، كما حشد الأسد الدعم الكردي والعلوي داخل تركيا لصالحه، بما في ذلك استخدامه بطريقة ماهرة المعارضة التركية للوقوف في وجه سياسة أردوغان في سوريا، وقد عارض حزب "الشعب الجمهوري" في تركيا تسييس عمليات الجيش التركي في سوريا، وذكر أن السوريين هم من يجب أن يقاتلوا في تلك الحرب وليس الجيش التركي، كما دعا الحزب لفتح حوار مع الأسد فورًا، ومن الواضح أن أردوغان خسر معركته الشخصية مع الأسد، كما خسر أيضا دولًا عربية أساسية مثل مصر والإمارات والعراق، والسعوديين أيضًا بصورة متزايدة لصالح الأسد.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق