مركز تحليل السياسات الأوروبية| الصراع حول خط نورد ستريم 2.. محاولات غازبروم الروسية لتحدي العقوبات الأمريكية


٢٤ فبراير ٢٠٢٠ - ٠٦:١١ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس

لم ينتهِ الصراع لوقف خط أنابيب الغاز الطبيعي "نورد ستريم 2" في روسيا في ديسمبر 2019، عندما أوقفت شركة "أول سيز جروب" – والتي تتخذ من سويسرا مقرًّا لها – أعمال مد الأنابيب في بحر البلطيق وسحبت سفنها تحت تهديد العقوبات الأمريكية. فيما تعهّدت شركة غازبروم ببناء الجزء المتبقي من خط الأنابيب بمفردها، رغم أن موسكو لا تملك حتى الآن قدرات تركيب الأنابيب اللازمة. ولذلك فإن المحاولات الروسية لمواجهة العقوبات الأمريكية وإكمال المشروع بأجهزة غير مناسبة قد تُعرّض بالفعل سلامة بحر البلطيق وبيئته للخطر.

وإذا ما جرى استكماله، فإن خط "نورد ستريم 2" سيضخ مباشرة إلى ألمانيا 70% من إمدادات الغاز الروسية إلى أوروبا، وبالتالي تحويل مرور معظم الغاز الطبيعي الروسي من أوكرانيا إلى أوروبا الغربية مباشرة. وفي هذه العملية، سيتم تطويق أسواق الغاز في أوروبا الوسطى والشرقية بواسطة خطوط أنابيب روسية من الشرق والغرب؛ وبالتالي لن تستطيع الوصول إلى مصادر بديلة لإمدادات الغاز.

وقد بدأت شركة غازبروم بالفعل مفاوضات مع وكالة الطاقة الدنماركية لتعديل تصريح البناء الصادر لشركتها الفرعية "نورد ستريم أيه دي" في أكتوبر 2019.  حيث تطلب شركة الغاز الحصول على تصريح لبناء خط الأنابيب البالغ طوله 100 ميل باستخدام المعدات الروسية. لكن هذه المهمة لن يكون من السهل إنجازها، فهناك عدد قليل فقط من الشركات في العالم لديها التكنولوجيا والقدرات اللازمة لوضع خطوط أنابيب في مياه أعماق البحار، ولم تكن الشركات الروسية في هذه القائمة.

عندما أصدرت وكالة الطاقة الدنماركية تصاريحها لمشروع خط أنابيب "نورد ستريم" في أكتوبر، فقد ذكرت بوضوح: "من المفترض أن يتم تنفيذ عملية التمديد باستخدام سفينة عادية مزودة بموضع ديناميكي (سفينة موضع متحرك)". في ذلك الوقت، كانت شركة "أول سيز جروب" تقوم ببناء خط الأنابيب باستخدام إحدى السفن الفريدة والقليلة لتركيب الأنابيب في العالم، والمجهزة بوضع ديناميكي وأنظمة متقدمة أخرى.

وتستهدف العقوبات الأمريكية السفن المحددة لوضع الأنابيب اللازمة لإنشاء مشروعي خط أنابيب "نورد ستريم 2" و "تورك ستريم"، إلى جانب الأشخاص الأجانب الذين باعوا – عمدًا – تلك السفن أو أجّروها أو وفّروها. وبدأ سريان تلك العقوبات في 20 ديسمبر 2019 عندما وقّع الرئيس ترامب قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2020. وتضمن قانون ميزانية الدفاع بشكل كامل تقريبًا مشروع قانون وافق عليه الحزبان، والذي قدمه السيناتوران "تيد كروز" (جمهوري) و"جين شاهين" (ديمقراطي) في مايو 2019 تحت عنوان: "قانون حماية أمن الطاقة في أوروبا لعام 2019".

وبمجرد إعلان العقوبات، توقفت شركة "أول سيز جروب"، التي استأجرتها شركة غازبروم لوضع خط أنابيب نورد ستريم 2 في قاع بحر البلطيق، عن عملياتها، وذكرت أنها "ستمتثل للقانون". ولم تنتظر الشركة متعددة الجنسيات فترة التحذير البالغة 60 يومًا المنصوص عليها في القانون؛ وبالتالي حرصت على حماية مصالحها في الولايات المتحدة ومكانتها في النظام المالي العالمي.

من جانبه، أعلن الكرملين على الفور أنه سيستكمل خط الأنابيب باستخدام السفينة الروسية "أكاديمك تشيرسكي"، على الرغم من أنه سيتعين إجراء تعديلات عليها لتتمكن من العمل في بحر البلطيق أولًا، وفقًا لوزير الطاقة الروسي "ألكسندر نوفاك". ولكن على الرغم من أن تلك السفينة مجهزة بنظام تحديد المواقع الديناميكي، كما تشترط السلطات الدنماركية، فإن تعديلها سيستغرق بعض الوقت. بالإضافة إلى ذلك، قد تتعرض شركات التأمين التابعة لها لعقوبات لتمكين السفينة من إنشاء خط نورد ستريم 2. وكخيار آخر، تقترح شركة غازبروم إرفاق سفينة لنقل الأنابيب بسفينة ذات تموضع ديناميكي لإكمال المهمة بسرعة، ويفترض أن يكون خط الأنابيب قيد التشغيل بحلول الخريف؛ وهنا تبدأ مشكلة شركة غازبروم.

ويُعدّ تجنب استخدام المرساة في بحر البلطيق مطلبًا بيئيًّا وأمنيًّا أساسيًّا لمنصات الحفر وسفن البحث وسفن مد الكابلات ووضع الأنابيب. ونظام الموضع الديناميكي هو نظام متحكم فيه بالكمبيوتر يحافظ تلقائيًّا على موضع السفينة وتوجهها، دون الحاجة إلى استخدام تلك المراسي للحفاظ على مجراها في المياه العميقة. وبارجة مد الأنابيب لا تملك هذه الإمكانيات، وستضطر إلى استخدام المراسي في المياه العميقة. ومثل هذا الخيار غير مقبول بالنسبة للدول الساحلية؛ لأن المياه العميقة في بحر البلطيق هي مقبرة للذخائر الكيميائية والتقليدية الكبيرة التي أُلقيت هناك بعد الحرب العالمية الثانية.

وبالنظر إلى سجل روسيا في الكوارث البحرية في بحر بارنتس والبحر الأبيض، فإن استدعاء كارثة بيئية محتملة أخرى في بحر البلطيق تحتوي على تلك الذخائر الكيميائية والمتفجرات ليست في مصلحة أي دولة أوروبية. ولا يمكن للمعدات الروسية المقترحة أن تهدّد الحماية البيئية البحرية الحالية فحسب، بل يمكن أيضًا أن تؤدي إلى انفجارات لمخازن الذخيرة الكيميائية والتقليدية في الحرب العالمية الثانية التي لا تزال تقبع في قاع بحر البلطيق. ويقع أحد أكبر مواقع إلقاء عناصر الحرب الكيميائية –  بما في ذلك القوارب الغارقة المحملة بالذخيرة الكيماوية والقنابل التي تحتوي على غاز الخردل – شرق جزيرة بورنهولم الدنماركية. وقد كانت المنطقة تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت، ومن المفارقات أيضًا  أن خط أنابيب نورد ستريم 2 من المفترض أن يمر بالقرب من تلك المنطقة.

كانت حماية البيئة في بحر البلطيق أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت الدنمارك تستغرق أكثر من عامين لإصدار تصريح بناء لشركة "نورد ستريم أيه دي" التابعة لشركة غازبروم. وشملت الأسباب الأخرى مخاوف الأمن القومي الدنماركي وحماية أمن الطاقة في أوروبا. وقد أتاح تأخر الدنمارك في الموافقة على التصريح للكونجرس الأمريكي وقتًا لتمرير مشروع قانون العقوبات الذي أوقف العمل في نورد ستريم 2. وتعاني كوبنهاجن حاليًا من ضغط كبير من موسكو وبرلين للسماح باستكمال خط الأنابيب. ويجب على صانعي السياسة في الولايات المتحدة دعم وتشجيع الدنمارك في مقاومة مثل هذا الضغط حتى لا تذهب الجهود المبذولة لوقف "نورد ستريم 2" سُدى.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق