فورين بوليسي| لماذا أصبحت أفغانستان أكبر كارثة استراتيجية للولايات المتحدة؟


٢٦ فبراير ٢٠٢٠ - ٠١:٢٤ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس

خطة وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" لتحقيق السلام مع حركة طالبان، ليست إلا تذكيرًا مُحزنًا بجميع الأخطاء التي ارتُكبت في أفغانستان، وكيف كان من الممكن تفاديها.

في يناير 2002، بعد بضعة أسابيع من فرار حركة طالبان المرعبة من كابول وقندهار وغيرها من المدن الكبرى، ذهبت إلى أفغانستان لأقدِّم تقريرًا حول ذلك. وفي غضون سبعة أسابيع فقط، قصفت القوة العظمى الوحيدة في العالم الجماعة الإسلامية التي تحتل أفغانستان وسحقتها، حيث أسقطت طائرات B-52 قنابل ضخمة موجهة بالليزر والتي كانت تبدو لعناصر طالبان البائسة أنها تأتي من لا مكان. كانت تلك هي اللحظة التي "التقى فيها القرن التاسع عشر بالقرن الحادي والعشرين"، كما كتب وزير الدفاع المتحمس "دونالد رامسفيلد" لاحقًا. وبينما كنت أتجول في المكان، لم يكن هناك أي مقاتل طالباني يلوح في الأفق، ويبدو أن البلاد كانت مفتوحة على مصراعيها، وتوسلت عمليًّا للأمريكيين باحتلالها.

وعندما سألت أمراء الحرب الذين قابلتهم: "ما الذي يحفظ السلام؟". وجدت الرد نفسه يتكرر كثيرًا، وغالبًا ما يسبقه ابتسامة عابرة: "عدالة B-52"، قالها أحدهم مشيرًا إلى الأعلى.

وبعد ثمانية عشر عامًا دمويًّا، كانت الحكمة التقليدية في واشنطن هي أن أفغانستان كان مصيرها دائمًا إلى الفشل. عندما قام وزير الخارجية "مايك بومبيو" بالتغريد يوم الجمعة بأن الولايات المتحدة توصّلت إلى "تفاهم مع طالبان حول خفض العنف بشكل كبير في جميع أنحاء أفغانستان" وأعلن أن محادثات السلام ستبدأ قريبًا بشكل جدّي، لم يعترض أحد على إعادة إضفاء الشرعية على حركة طالبان، التي سيكون لها الآن صوت قوي في حكم البلاد، وقد تتولى زمام الأمور هناك مرة أخرى.

بعد كل شيء، فهذا لم يكن منه بُدّ، أليس كذلك؟ كلا، ففي الواقع، لم يكن الأمر كذلك، وسيخبرك بعض الاستراتيجيين شديدي الذكاء بذلك. لكنك بالتأكيد لن تسمع ذلك من العديد من كُتّاب الأعمدة والمثقفين والعلماء الذين أيدوا التحول الأمريكي نحو العراق– والذي هو السبب الرئيسي لكارثة أفغانستان– تأييدًا أعمى، وحتى يومنا هذا لا يمكن أن يعترفوا بأنهم أصبحوا ضمن من وصفهم "سكوت ماكليلان"، المتحدث السابق باسم الرئيس جورج بوش بأنهم "عوامل التمكين المتواطئة" في تنفيذ ما يمكن اعتباره أكبر تضليل استراتيجي في التاريخ الأمريكي.

ومع ذلك، يرى بعض المؤرخين والمفكرين العسكريين – ومنهم "ديفيد كيلكولين" مؤلف كتاب جديد يحمل عنوان: "التنانين والأفاعي: كيف تعلم العالم محاربة الغرب" - أنه كان بالإمكان كسب الحرب في أفغانستان، رغم أنها لم تكن سهلة على الإطلاق. على الأقل، كان باستطاعة واشنطن تحقيق الاستقرار في البلاد بأقل القليل من الوقت والمال والدم المُهدرَيْن هناك، لو كان هناك مجرد اهتمام.

يقول كيلكولين، وهو جندي مخضرم خدم في العراق وأفغانستان، وكان كبير المحللين الاستراتيجيين في تنسيق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية: "يقول الناس إننا لم نركز جهودنا على ما كنا نعمل عليه، ولم ندرك يومها أن هناك مهمة علينا تنفيذها".

وفي الوقت الذي بدأت فيه حركة طالبان تخرج مرة أخرى من أوكارها الجبلية في خريف 2003 لتعزير مجلس شورى كويتا، وهو مجلس يجمع بين قادة طالبان في باكستان المجاورة، كانت إدارة بوش في حالة هلع في العراق، على بُعد حوالي 2200 كيلومتر عن أفغانستان. وكانت القوات الأمريكية تحارب تمردًا لم تتوقع إدارة بوش ظهوره، بعدما لم يثبت وجود أسلحة دمار شامل. وعندما قرر رامسفيلد بسرور بالغ الاحتفاظ بما أسماه "موطئ قدم صغير" في أفغانستان؛ لأنه لم يكن يؤيد فكرة بناء دولة (وهو ما قامت عليه حملة رئيسه بوش الانتخابية في عام 2000)، لم يكن يفكر مطلقًا بالوضع في أفغانستان.

وفي ذات الوقت، عبَّر بعض الأفغان الذين قابلتهم عن رغبتهم الشديدة بتدخل خارجي، لإدراكهم عواقب انسحاب أمريكي في فترة سابقة، عندما موّلت واشنطن المجاهدين ضد السوفييت، ومن ثَم تركتهم بكل ببساطة، واستغل مقاتلو طالبان الفرصة. وعندما كنت هناك، أخبرني "إسماعيل قاسم يار"، رئيس مجلس اللويا جيرغا، بأن الأفغان رأوا أن "نافذة أمل فُتحت أمامهم، وأن أفغانستان أصبحت يومها بمثابة مولود جديد للمجتمع الدولي".

وقال "سيد حامد جيلاني"، ابن بيري جيلاني، الناطق باسم أحد أمراء الحرب النافذين في جنوب البلاد: "يعرف الجميع من يملك القوة الحقيقية. أريد بقاء الأمريكيين هنا بقدر الإمكان كي يساعدوني في استرجاع بلدي".

لقد حان الوقت، لأن جميع أمراء الحرب من غير طالبان كانوا مستعدين للتعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في مقابل الحصول على مكافآت. ويومها تفرّق شمل مقاتلي طالبان؛ فالكثير منهم عاد إلى دياره، فيما لجأوا بالتدريج إلى باكستان وشكّلوا مجلس شورى كويتا.
 وبحلول عام 2004، بدأ التمرد، واشتد سوءًا في عام 2005. ولو لم نغز العراق عندما بدأت الأمور تسوء، وفي المرحلة المبكرة كان هناك موقف سياسي أكثر ترديًا في أفغانستان، ولكن الأمريكيين تجاهلوا ذلك بشكل كبير حتى تم انتخاب أوباما".

وبحلول الوقت الذي ناقش فيه الرئيس أوباما وفريقه ما يجب القيام به في أوائل عام 2010، ربما تكون الأمور قد قطعت شوطًا كبيرًا، لا سيما بعد أن استولت طالبان على مدينة قندوز عام 2015، وعادت لتهديد المناطق الحضرية وحكومة كابول نفسها.

وفي الواقع، ما يضيع في مناقشات "أوراق أفغانستان" المشهورة الآن – تاريخ البنتاجون غير السري عن الحرب الأفغانية التي دامت 18 عامًا والتي كشفت عنها صحيفة واشنطن بوست في أواخر العام الماضي – هو أن أفغانستان لم تكن مجرد صراعًا مستمرًا. وبدلاً من ذلك، كان للصراع مرحلتان متميزتان: مرحلة قامت فيها الولايات المتحدة في عهد بوش بتحويل معظم مواردها وطاقتها في أماكن أخرى، حيث أرسلت القوات الأمريكية التي تعمل على الاستقرار إلى العراق. والمرحلة الثانية هي تلك التي استيقظت فيها واشنطن فجأة على عودة طالبان ودخلت بتهور في إنفاق الأموال وإرسال القوات في مشكلة خرجت عن نطاق السيطرة بالفعل.

وقال "جيمس دوبينز"، مبعوث بوش الأول لأفغانستان في مرحلة ما بعد طالبان: إن إدارة بوش ارتكبت ثلاثة أخطاء مبكرة أساسية في أفغانستان. وعبّر عن أسفه فيما بعد لي لأن واشنطن قد حولت أفغانستان إلى "أكثر جهود بناء دولة تنقصها الموارد في التاريخ".

وأوضح في رسالة بالبريد الإلكتروني يوم الجمعة، أن أول هذه الأخطاء هو أنها كانت تعتقد أن بلدًا مدمرًا لا يوجد به جيش وطني أو شرطة قد يمكنه تأمين أراضيه وسكانها دون مساعدة.

وثانيًا: فشلها في إشراك عناصر طالبان، بما في ذلك قيادتها العليا، التي كانت مستعدة للتخلي عن الأسلحة.

وثالثًا، عدم إدراك أنه بينما توقفت باكستان عن دعم حكومة طالبان بعد أحداث ١١ سبتمبر، فإنها لم تتوقف عن دعم حركة طالبان نفسها، وبحلول الوقت الذي تم فيه تصحيح هذه الإخفاقات، كانت طالبان قد أعادت تجميع صفوفها وتسليح نفسها، وعملت من ملاذها الآمن في باكستان على إعادة تمرد واسع النطاق في أفغانستان.

كان الانتقام من باكستان المجاورة حيويًّا لعودة طالبان. ولكن هناك الكثير من الأدلة التي تشير إلى أن التحول المفاجئ إلى العراق خيَّب ظن الباكستانيين أيضًا، الذين كانوا حتى ذلك الحين مسلحين بقوة بمساعدة واشنطن لاحتواء طالبان، وكذلك ملاحقة إرهابيي القاعدة. كذلك فقد ساعدت باكستان، على سبيل المثال، في القبض على العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر "خالد شيخ محمد" في مدينة روالبندي في مارس 2003.

وقال كيلكولين إن كل ذلك يشير إلى أن ما يسمى بالحرب على الإرهاب التي بدأت في ١١ سبتمبر قد تكون أسفرت عن أسوأ خطأ استراتيجي ارتكبه أي زعيم عالمي كبير منذ أن قرر "أدولف هتلر"، الذي كان على أعتاب النصر التام على أوروبا وبريطانيا العظمى، غزو الاتحاد السوفيتي، وهو القرار الذي اتفق معظم المؤرخين على أن تكلفته بالنسبة للديكتاتور النازي كانت الحرب العالمية الثانية.

وأضاف كيلكولين أن "هتلر كان يعتقد أن إنجلترا كانت ستسقط من تلقاء نفسها، ثم يبدأ فيما تصور أنه سيكون ممرًا صغيرًا نحو الاتحاد السوفيتي، وهذا بالضبط هو ما حدث لنا مع أفغانستان والعراق. في حين أن معركة تورا بورا [معقل الجبل الذي قيل إن بن لادن الهارب من مخبأه] ما زالت مستمرة، فإن إدارة بوش بدأت بالفعل عملية التخطيط للعراق".

وأوضح أن الأسوأ من ذلك، هو استغلال أعداء الولايات المتحدة لما يقرب من عشرين عامًا منذ أحداث 11 سبتمبر والغزو الأمريكي لأفغانستان – وهي لحظة كانت فيها القوة الأمريكية، والتي تجسدت في أنها "عدالة B-52"، ما زالت مصدر إلهام – لكي تتعلم تقنيات غير متماثلة لا حصر لها، بما في ذلك العبوات الناسفة ونشر خلايا صغيرة والتي بدأ تطبيقها في العراق.

وبدا كيلكولين مقتنعًا بأنَّ "حرب الخليج عام 1991 أظهرت للجميع كيف يمكنهم تجنب قتالنا، ولكن غزو العراق في2003 كشف للجميع كيف يمكنهم محاربتنا".


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق