ناشيونال إنترست| إعادة رسم قواعد الخصومة الأمريكية -الإيرانية


٠٤ مارس ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

قرّرت الولايات المتحدة، عبر اغتيال الجنرال قاسم سليماني، الانحراف عن المنطق الذي حكم خصومتها مع النظام الإيراني منذ 1979. وعلى الرغم من أن الرئيس دونالد ترامب يُنكر رغبته في خوض مواجهة مباشرة مع طهران، غير أنّ قراراته السياسية زادت من التوترات بين البلدين بشدة في الآونة الأخيرة.

ومن أجل فهم الأمور بشكل أكبر، من الضروري أن نضع في ذهننا أن لعبة الشطرنج للجيوسياسة الشرق أوسطية مجزأة إلى عدة لوحات صغيرة، حيث تُلعب المباريات في وقت متزامن، كما أنها تعمل بسرعات مختلفة، وتخضع لمنطقية صُنع قرار مترابطة ومنفصلة في نفس الوقت. كانت إيران في مقدمة اللعبة، واستراتيجيتها ببناء ودمج "محور المقاومة" الذي ربط إيران والعراق وسوريا وغيرها من الحركات الجيوسياسية المهمة في المنطقة كانت تتقدم بنجاح، لا سيما بعد تدخل روسيا في سوريا. من وجهة نظر إيران وحلفائها، لم يشكل اغتيال سليماني تجاوزًا للخطوط الحمراء فحسب، بل دمرها بالكامل. من الآن فصاعدًا، سيكون من الصعب التنبؤ بالمعايير التي سيُعاد رسم هذه الخطوط بها. إن مبدأ "كل شيء مباح" في الشرق الأوسط سيكون انتحاريًّا لكل الجهات الفاعلة المعنية وسيؤثر على الكثير من المناطق حول العالم.

وبدافع القلق من تدهور قوتها في الشرق الأوسط وإدراك عدم إمكانية عكس الموقف فيما يخص نفوذها المتراجع في الساحة العراقية، آثرت الولايات المتحدة استراتيجية تصفية سليماني كمحفّز لإعادة رسم ديناميكية القوة الرادعة المتبادلة التي وصلت إليها إيران. إن الرسالة التي تريد واشنطن إرسالها بتصفية سليماني هي أنه توجد قواعد جديدة لعملية الردع؛ قواعد حيث تشكّل الجهة الفاعلة الأقوى القوة الحقيقية للردع وحدها. 

مع هذا، تعدّ خلفية قرار تصفية شخصية بأهمية سليماني مُعقدة وعميقة أكثر مما تبدو، فبحسابات واشنطن، كان هناك خياران على الطاولة: الأول "سييء" والآخر "أسوأ"، وكان الخيار السييء هو تسليم العراق إلى إيران، وهي نتيجة لم تعد – فيما يبدو - قابلة للتجنب. والبديل "الأسوأ" هو تصفية سليماني، وهي خطوة من شأنها زعزعة استقرار الديناميكية الحالية وجعل الموقف بأسره أقل قابلية للتنبؤ.

سليماني لم يكن مجرد جنرال، لقد كان حامي الأمن القومي الإيراني والخبير الاستراتيجي الرئيسي لمشروع بلاده الإقليمي لبناء القوة في الشرق الأوسط. ومن بين الآليتين التي تحكمان سير العمل في الدولة الإيرانية – الجهاز الحكومي البيروقراطي والمؤسسات الثورية – كان سليماني، بحسابات متعددة، ربما ثاني أهم رجل بعد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، حيث كان يُنظر له على أنه يشغل منصبًا قياديًّا لا ينازعه فيه أحد – "ولي عهد" الحرس الثوري – وتعامل بمهارة مع أعمدة السلطة الأربعة التي تشكّل هيكل القوة الداخلية للدولة الإيرانية: الثيوقراطيين، والجيش، والمعتدلين، والإصلاحيين. هذا، بالإضافة إلى شعبيته الساحقة، كان قوة حقيقية لا يُستهان بها داخل السياسة الداخلية الإيرانية.

بالنسبة إلى طهران، أهم خطوة للرد على اغتيال سليماني هي الإجبار على الخروج الأمريكي من العراق، وهذا ما كان يعمل النظام الإيراني على تحقيقه منذ حفظ النظام السوري ودائرة حلفائه. إن رفع الضغط لجعل التواجد العسكري الأمريكي في العراق غير مستدام هو هدفها الاستراتيجي الأساسي في الوقت الحالي، والمسيرة الشعبية الأخيرة، بمليون شخص تقريبًا في الشوارع يطالبون برحيل الولايات المتحدة من الأراضي العراقية، هي مجرد غيض من فيض. ويمكن أن يجادل المرء بأن خسارة سليماني مقابل السيطرة الكاملة على العراق ستكون تضحية مؤلمة لكن ضرورية استراتيجيًّا لاستراتيجية إيران. لكن، في الحقيقة، ربما لا يكون هذا صحيحًا حيث إن العراق كان مدمجًا بالفعل في المشروع الإيراني.

من الآن فصاعدًا، سيهيمن نوع مختلف من إطار العمل الأمني والسياسي على المرحلة الجديدة من المواجهة بين الإيرانيين والأمريكيين. وبالتنسيق مع طهران، صوّت البرلمان العراقي، المدعوم من رئيس الوزراء العراقي السابق، بالموافقة على قانون يُرغم القوات الأمريكية على مغادرة البلاد، وهو ما يجعل التواجد الأمريكي غير مستدام قانونيًّا بحسب المعايير المحلية والدولية. كان سليماني هو مهندس هذه الاستراتيجية، ومن وجهة نظره، اعتمد دمج وتوطيد "محور المقاومة" على رحيل الجيش الأمريكي من العراق.

أراد الإيرانيون جعل التواجد المستمر للقوات الأمريكية في العراق غير قانوني. كان تواجد القوات الأمريكية في العراق بموجب اتفاقية موقعة بين الحكومتين الأمريكية والعراقية خلال حكم إدارة بوش. وبإبطال صلاحية الاتفاقية في البرلمان العراقي، فإن الوضع الرسمي للجيش الأمريكي في البلاد سيكون مثل القوة الأجنبية المحتلة إذا رفضت الولايات المتحدة الرحيل، وهو ما أشارت إلى أنها ستفعله. جاءت هذه الإشارة خلال بيان صادر عن المتحدثة باسم وزارة الخارجية مورجان أورتاجوس يوم 10 يناير، حيث قالت: "في الوقت الحالي، أي وفد [أمريكي] يُرسل إلى العراق سيكون مكرسًا لبحث أفضل طريقة للالتزام بشراكتنا الاستراتيجية، وليس لمناقشة سحب القوات". هذه النتيجة ستتجه لإضفاء الشرعية على الهجمات على القواعد الأمريكية في العراق التي تنفذها قوات الحشد الشعبي، وهي تجمع لعدة مجموعات شبه عسكرية تعمل في العراق والذي ساعد فيلق القدس بقيادة سليماني في تشكيلها. كان الغرض من هذا المشروع هو تكوين "قوة عسكرية موازية" منيعة شبه مستقلة عن النظام السياسي العراقي وروابطه الخارجية مع أوروبا والولايات المتحدة.

في المسرح الجيوسياسي للشرق الأوسط، لا توجد قيمة كبيرة لاحترام القانون الدولي، ولا شك أنه لا توجد قيمة من الأساس، لكن الثقة في قرارات صنع السياسة المتوازنة أو المتسقة لواشنطن من حلفائها وخصومها على حدٍّ سواء لا يمكن استعادتها بسهولة، حيث إن شركاء الولايات المتحدة على الأرض، مثل الأكراد في سوريا، والحكومة العراقية، وكذلك أيضًا الخصوم، مثل روسيا، يتوقعون عدم القدرة على التنبؤ بالجانب الأمريكي الذي يبدو وأنه يتأرجح بين المطالبات بمفاوضات دبلوماسية دولية مع إيران يتبعها تصعيدات عسكرية غير متوقعة. وهكذا، الصين، وروسيا، والجهات الفاعلة الأخرى ربما تتشجع الآن على اتباع نفس السياسة التي استخدمتها إيران ضد الولايات المتحدة وحلفائها في المسارح الجيوسياسية الأخرى: تبني المقاومة القصوى وسياسة حافة الهاوية المتشددة.

وبالنسبة إلى إيران، من المحتمل أن توحّد تداعيات هذا الوضع - رغم الاختلافات الداخلية المتعددة - البلاد، ولسوف يوحّد النظام صفوفه، وستتضاءل قوة وشرعية القوى الإصلاحية والمؤيدة للانفتاح في إيران. وإذا كان المعتدلون انتصروا على المتشددين في الماضي القريب ونجحوا في المضي قدمًا في المفاوضات النووية، إذن ربما سارت الأمور بطريقة مختلفة، لكن أي أمل متبقٍّ في اتفاق نووي جديد يبدو الآن وانه تبدد!

سوف تحتاج المنطقة لوقت لتتكيف مع بنية أمنية جديدة، والتي لا تزال صيغتها غير قابلة للتبؤ، غير أن أن أمرًا واحدًا يبدو مؤكدًا وهو: تصفية سليماني ستعيد بناء دافع الدولة الإيرانية لتسريع استئناف البرنامج النووي.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق