كاب إكس البريطاني| هل يتعامى الاتحاد الأوروبي عن تكتيكاته الفاشلة؟


٠٥ مارس ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

بدأت الجولة التالية من المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، وذلك بعد خروج الأخيرة رسميًّا منه، والهدف من هذه المحادثات الجديدة هو تحديد نوع العلاقة بينهما بمجرد انتهاء الفترة الانتقالية في غضون عشرة أشهر.

بالنظر إلى الموقف المبدئي، من الواضح أن الاتحاد الأوروبي يعتقد أن هذه المحادثات تدور حول مدى استمرار التوافق التنظيمي. ويقولون إنه إذا كانت المملكة المتحدة تريد الوصول المفتوح إلى أسواق الاتحاد، فيجب أن توافق على الالتزام بالإشراف التنظيمي على ما يسمى بـ "المساواة في فرص المنافسة".

بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن الاتحاد الأوروبي يريد أن تكون هذه المحادثات حول الوصول المستمر إلى مياه الصيد في المملكة المتحدة كمورد مشترك.

لكن في الواقع هذه المفاوضات لن تقرر أي شيء من هذا. وأيًّا كان الأمر على جدول الأعمال عندما يجتمع الجانبان، فليس هناك أي فرصة لموافقة المملكة المتحدة على الالتزام بقواعد الاتحاد الأوروبي. لقد أوضح "بوريس جونسون" هذا الأمر في العديد من المناسبات، وبعد أن فاز بأغلبية ساحقة في ديسمبر، بات بإمكانه الآن أن يدعم هذه الكلمات دون خوف من أن يبعده البرلمان عن مساره.

إن ما سيتقرر– حتى لو لم يتمكن فريق التفاوض التابع للاتحاد من رؤيته – هو الدرجة التي تظل المملكة المتحدة متمسكة بها جيوسياسيًّا مع الاتحاد الأوروبي. ما يكمن الآن في التوازن في الاجتماعات بين "ميشيل بارنييه" و"ديفيد فروست"، مبعوث بوريس جونسون، ليس إلى أي مدى تتبع المملكة المتحدة التنظيم الرقمي للاتحاد الأوروبي (الذي لا تريده). إنها مسألة الالتزامات التي قد تتحملها المملكة تجاه حلفاء الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بمسائل الدفاع والأمن والسياسة الخارجية.

إنه فشل ملحوظ في الإدارة، ولا يبدو أن صانعي القرار الرئيسيين في الاتحاد الأوروبي قادرون على رؤية ذلك.. من المفيد محاولة تحديد السبب.

بعد أن قضيت معظم سنوات حياتي في حملات لإخراج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، لاحظت وجود نمط من السلوك لدى مؤسسة اليورو. وفي كل مرة يتم تقديم جانب الاتحاد الأوروبي لما يسميه المخاوف البريطانية بشأن طبيعة العلاقات معه، إلا أنها تفشل في أخذنا على محمل الجد. وبدلاً من معالجة مخاوفنا، بدا أن جانب بروكسل يبذل جهوده في تجاهلها.

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك عندما حذر "توني بلير" – الذي لا يكاد يكون من الرافضين لسياسات الاندماج الأوروبي، في أواخر التسعينيات من القرن الماضي– من أن الاتحاد الأوروبي كان شديد المركزية. لقد أدرك حينها أن الإصلاح سيكون ضروريًّا لجعل الكتلة أكثر تنافسية.

كيف استجابت مؤسسة الاتحاد الأوروبي؟ لقد تجاهلت تحذير بلير بما يسمى "أجندة لشبونة"، والتي كان من المفترض أن تكون مبادرة إصلاح طموحة، بيد أنها لم تر أي صلاحيات تعود فعليًّا بالنفع على الدول الأعضاء.

حدث شيء مشابه جدًا بعد عشرة أعوام عندما طلب "ديفيد كاميرون" من الاتحاد الأوروبي مساعدته في الفوز باستفتائه.. هل قدّم له الاتحاد الأوروبي ما قد يسمح له بإقناع الناخبين البريطانيين بالتصويت على البقاء؟ لم يعطه شيئًا جوهريًّا.

لا شك في أن مفاوضي الاتحاد الأوروبي رأوا في ذلك فوزًا. فعندما عاد كاميرون خالي الوفاض، تأكدنا من أن ما قد يكون انتصارًا تكتيكيًّا لبروكسل سيكون نصرًا استراتيجيًّا لنا.. وهكذا أثبتت الأيام.

ثم جاءت "تيريزا ماي"، ومرة أخرى، رأينا نفس نهج الاتحاد الأوروبي بالضبط. فقد انطلق فريق بارنير ليتعامل بقسوة مع فريق ماي، وبالنظر إلى مستوى خصمه المتدني، لم يكن مفاجئًا أن حقق بارنييه سلسلة من الانتصارات التكتيكية، في جميع النقاط من تسلسل المحادثات إلى الحدود الأيرلندية.

لكن ما الذي أحدثه هذا النهج الرافض بشكل أوسع؟

لو أن بلير حقق أي إصلاح في الاتحاد الأوروبي من حيث الجوهر، لكان قد أخرجنا من دائرة المتشككين، ولكننا بدأنا في الانتقال من هوامش النقاش إلى لب الخلاف. كان لإعطاء كاميرون صفقة تسمح لحكومته بمزيد من السيطرة على حدود المملكة المتحدة ليقوض حملتنا "لاستعادة السيطرة". ولكن بدلاً من ذلك، أعطى "الفوز" التكتيكي للاتحاد الأوروبي مزيدًا من الزخم لرسالة "التصويت للخروج".

وإذا كان بارنييه قد قدّم تنازلًا بشأن مساندة إيرلندا في وقت مبكر، فكان من الممكن أن تحصل "تيريزا ماي" على اتفاق البريكسيت بالاسم فقط، وما ساعد الاتحاد الأوروبي في تأكيده هو تشديد المواقف البريطاني. فحتى أعضاء حزب المحافظين الذين لم أتمكن من إقناعهم بالموافقة أثناء حملة الاستفتاء نفسها، بدأوا في دعم الخروج، ثم انتُخب حزب مؤيد للبريكسيت بشكل علني لمنصب الرئيس بأغلبية مجلس العموم.

ومن المثير للتعجب أننا منذ فوز بوريس المؤكد في الانتخابات، لم نر حتى الآن أي زعيم من الاتحاد الأوروبي – ماكرون في فرنسا، أو ميركل في ألمانيا، أو حتى روته في هولندا– وجه أي نوع من الخطاب التوافقي الذي يستهدف الشعب البريطاني. وبدلاً من ذلك، تركوا الأمر لميشيل بارنييه كي يهدد باستمرار.. إنهم يتعامون عن جميع التداعيات.

إن ما يطرحه الاتحاد الأوروبي على الطاولة في آخر محادثات ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي – وهي في الواقع عضوية منتسبة – هو ما ينبغي أن يكون قد قدمه قبل ثلاث أو أربع سنوات، إذا أرادوا التوصل إلى اتفاق. الموقف الذي من المرجح أن يجد الاتحاد الأوروبي نفسه فيه في غضون ثلاث أو أربع سنوات، وبالتالي – ينبغي على المملكة المتحدة أن تظل داعمة للاتحاد الأوروبي كحليف جيوسياسي في تعاملها مع باقي دول العالم ومختلف الهيئات فوق الوطنية – سيكون هو الموقف الذي يجب أن يتخذه اليوم.

ولكن ما الذي يفسر تجاهل الاتحاد الأوروبي؟

تسيء بروكسل جزئيًّا وباستمرار لبريطانيا؛ لأنها تميل إلى الاستماع إلى هذا النوع الخطأ من البريطانيين. فقبل استفتاء الاتحاد الأوروبي، تركوا الأمر لداعميه ليشرحوا أهمية التقارب الأوروبي. ومنذ فوز تصويت الخروج، تركوا الأمر للأكثر حماسًا ممن بقوا – أشخاص مثل توني بلير ونيك كليج، بيروقراطيو وزارة الخارجية السابقون وجماعات الضغط المؤيدة لبروكسل – لشرح سبب تصويت بريطانيا على الخروج. فلا عجب أنهم لم يفهموا إلا أقل القليل.

عندما كنت عضوًا في البرلمان، قمت بحملة للاستفتاء على الاتحاد الأوروبي، اعتدت على دعوتي لحضور سلسلة من المؤتمرات السنوية التي تنظمها مؤسسة السياسة الخارجية في بريطانيا وفرنسا وألمانيا؛ مؤتمرات كونيجزوينتر الألمانية والمنتدى البريطاني الفرنسي.

كنت – كما افترضت – مدرجًا في القائمة باعتباري رمزًا من رموز الرافضين للاتحاد الأوروبي، وكان عليّ أن أقول القليل عن الحاجة إلى الخروج من الاتحاد بشيء من الجدية. وفي الواقع، غالبًا ما استجاب مضيفي إلى ما كان يجب أن أقوله بنظرة من العينين، وربما بابتسامة صغيرة. وعلى النقيض من ذلك، يتم الاستماع إلى كاميرون ومسئولي وزارة الخارجية في قائمة الضيوف بصمت محترم. 

وإلى أن يتوقف الاتحاد الأوروبي عن الاستماع إلى الأشخاص الخطأ، فإنه لا توجد فرصة كبيرة لتغيير المسار. وأظن الآن أن تصرفات الاتحاد الأوروبي ستدفع بريطانيا نحو إعادة التنظيم الشامل الذي تدعي أنها لا تريده.

ولأنها تعامل المملكة المتحدة كدولة معادية – إذا اخترت ذلك التعبير – أتاحت أنجيلا ميركل الفرصة لبارنييه ليعرضنا لجولات لا تنتهي من التنمر. وإذا كان هذا هو ما يعجبكم، أيها السيدان ماكرون وروته، فلا تنتظر بعد ذلك أن يقف الجنود البريطانيون أو تكنولوجيا الأقمار الصناعية البريطانية إلى جانبك عندما تتعامل مع إيران أو روسيا أو تركيا أو ليبيا، أو – في الواقع – الولايات المتحدة.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية بريطانيا الاتحاد الأوروبي

اضف تعليق