كاب إكس البريطاني | ماذا يمكن أن نتعلم من تاريخ الأزمات في مواجهة فيروس كورونا


٢١ مارس ٢٠٢٠ - ٠٤:٣٩ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس

بعض الأزمات تطغى على كل شيء: إنها تجعل جميع المناقشات تبدو صغيرةً جدًّا أمامها بالفعل، كما أنها تضع خطًا في التقويم بين "قبل" و "بعد".

يمكننا أن نعيش من خلال هذه النقاط التاريخية الأساسية الآن. سيكون الكثير في المستقبل ملونًا على الأقل بحلول هذا الربيع وأوائل الصيف: الرعاية الصحية والإسكان وأنظمة الرعاية والسفر والسياحة والسياسة الاقتصادية. سمها ما شئت، فالأمور تتبدل.

كان على جميع حكومات العالم أن تبذل قصارى جهودها مع تجاوز التاريخ لها؛فقد كشفت الأزمة أن هناك إدارات قليلة كانت تتعامل مع الأزمة بقدر كبير من المسئولية. فمن ناحية، أضاع الحزب الشيوعي الصيني أيامًا ثمينة وحيوية محاولًا إغلاق قضية تعامل معها وكأنها حشرة يمكن سحقها. ومن ناحية أخرى، كان رد فعل إدارة ترامب شيئًا ما بين مهزلة قاتمة للغاية ومأساة، حيث حاول الرئيس الأمريكي التقليل من تفشي المرض لفترة طويلة؛ما أدى بالتأكيد إلى إزهاق الكثير منالأرواح.

وهنا في المملكة المتحدة، استيقظت الحكومة فقط على الأزمة التي أحاقت بها في الأسبوعين الماضيين. فقط ظهرت حكومة "بوريس جونسون"، التي تبدو شعبية إلى حد ما وآمنة للغاية، سطحية في أحسن الأحوال ومتخبطة في أسوأ الأحوال، على الرغم من أن أحدث استطلاعات الرأي تظهر أنها لا تزال تتمتع بثقة عامة واسعة النطاق، على الأقل حتى الآن. وعلى الرغم من أننا يمكن أن نتجاهل اللامبالاة المترابطة بشكل مفرط من اليسار على صفحات الإنترنت، التي تروّج بأن المحافظين يريدون قتل كبار السن في بريطانيا، ومع ذلك يبدو أن هؤلاء المتنمرين في الهاشتاجليس لديهم أي صلة بأي شيء مع مرور الوقت، وبالتأكيد لم تتخذ الحكومة أي إجراءات سليمة.

فعندما كان عليها إغلاق التجمعات الاجتماعية الكبيرة، سمحت لسبب غير مفهوم بإقامة مهرجان شلتنهام. وعندما كان من الممكن أن تكون صريحة مع الشعب، قالت إنها لم تكن لديها ما يكفي من الاختبارات للتجول، فقد أعطت انطباعًا بأنهااختبارات التجول فقط للمرضى. وعندما كان يجب أن تكون الحكومة مستعدة لمساعدة المستأجرين بدلًا من الشراء بهدف التأجير ومالكي العقارات، فقد سمحت أولًا بفتح فجوة يومية بين الإعلان عن حزم المساعدة ثم حاولت اقتراح أن على المستأجرين الموافقة على خطة السداد مع أصحاب العقارات.

وينبغي أن نقدّر جونسون على تحمله المسئولية في مواجهته المباشرة في بداية المرحلة الحادة من هذه الأزمة، وإخبار الناس بوضوح وبشكل واضح أن الكثيرين سيموتون. كان ذلك صريحًا ومفيدًا (مع أنه كان مؤلمًا)، ولم يكن هناك أي مال للتهوين من الأزمة. ولكن لماذا كان التأخير في جميع الأمور الأخرى؟ لماذا لم تتحرك الحكومة بسرعة أكبر في إجراء الاختبارات الطبية؟ 

يجب أن يكمن جزء من الإجابة في هياكل الدولة الضعيفة في المملكة المتحدة. قد لا تكون بريطانيا قوية في أفضل الأوقات، ولا تتكامل أبدًا مع المجتمع المدني مثل ألمانيا ما بعد الحرب، أو السلطة الكاملة مثل الدولة الفرنسية، ربما تكون بريطانيا قد تحركت بطريقة التهاب المفاصل، لكن هناك عنصران مترابطان سيجعلان هذه الكارثة أسوأ مما كانت عليه.

الأول هو التقشف. فقد عانت هيئة الخدمات الصحية الوطنيةلسنوات من عدم كفاية التمويل لمواجهة تضخم التكاليف في قطاع الرعاية الصحية. كما جرى إضعاف الرعاية الاجتماعية بما يتجاوز قدرتها على التكيف حتى في سنوات الازدهار،واختفت العديد من الخدمات الحكومية المحلية، مثل برامج الوجبات التي يجري توصيلها لغير القادرين.. كل ذلك سيعود الآن ليطارد العقلية الحاكمة التي أعطت الأولوية للعجز المالي على العجز الاجتماعي،ولسوف يدرك الوزراء أن بقاء الاقتصاد نفسه لا يمكن أن يتطلب فقط الجهات المقرضة التي يُلجأ إليها كملاذ أخير، ولكن احتياطيات قوة الدولة وقدرتها التي يتم استدعاؤها وقت الأزمات.

وهذا ينقلنا إلى العامل الحاسم الثاني هنا، وهو عجز الدولة المركزية. فلم تقلل عشر سنوات من تخفيضات الإنفاق العام فقط من قدرة دولة الرفاهية على التأقلم، لقد جرَدت حكومة وايت هول الإدارة العليا والمتوسطة من أعداد كبيرة من ذوي الخبرات والمواهب، وتعطّلت الطاقة الفكرية للحكومة المركزية أيضًا بسبب سنوات من الخلاف المرير مع أوروبا حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي جعل النظام السياسي في المملكة المتحدة يبدو مشغولًاتمامًا طوال العام الماضي،وقد شعرت السياسة البريطانية بأنها قد استُنفِدت للغاية حتى قبل هذا التحدي الأخير (وهو الأكثر صعوبة).

وعلى الجانب الآخر، حذر فيروس السارس في 2002-2003 عددًا قليلاً جدًا من الدول، مثل الصين، بأنها يجب أن تكون مستعدة لاختبار جميع السكان، وفي جميع الأماكن، ومن ثَمَّ عزل من ظهرت نتائجاختبارهم أنها إيجابية، ليس فقط عن عملهم، ولكن عن أسرهم أيضًا.

ويمكن لعدد قليل جدًّا من الدول أن تستنسخ تجربة سنغافورة وهونج كونج، اللتين شددتا الإجراءات وقيدتا التحركات بطرقهما المختلفة باستخدام جميع السلطات التي يسمح بها حجمهما الصغير وحكومتهما القوية. وربما لم تكن دول أوروبا الغربية مستعدة، وبالتأكيد ليست مستعدة بسرعة، لقبول تقليص الحياة اليومية بالطريقة التي سيتعين عليها قبولها في الأشهر القادمة.

ومع ذلك، لا يزال هناك مجال للشك في أن كل شيء سيتغير إلى الأبد. لقد قال الكثير من المعلقين ذلك، في كثير من الأحيان. جواب المؤرخ في هذه المراحل: انتظر وانظر. تبدو حصيلة قتلى الأنفلونزا الإسبانية في بريطانيا إلى حدٍّ ما مثل بعض أسوأ السيناريوهات التي يمكن أن نتوصل إليها إذا ما ذهبت الحكومات للتخفيف الطفيف والخفيف فقط. لا يبدو أنها حولت الرأسمالية البريطانية بالكامل بالطريقة التي قامت بها الحربان العالميتان الأولى والثانية. وتقدّر الوفيات الزائدة بسبب "الأنفلونزا الآسيوية" لعام 1957 بنحو 30 ألف شخص في إنجلترا وويلز، مع وفاة ما يقرب من سبعة آلاف شخص بسبب الأنفلونزا نفسها، فيما تلاشت تلك الأزمة من الذاكرة والممارسة الشعبية أيضًا.

كذلك تتعافى الاقتصادات من هذه الحوادث أيضًا؛فقد عاد الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بقوة إلى حدٍّ ما حتى بعد الخسائر الفادحة والمأساوية 1918-1919. إن مصطلح "أرواح الحيوانات" الذي أطلقه"جون مايناردكينز" ذات مرة،تهوي بالأسواق إلى القاع الآن،غير أنها سترتد إلى الأعلى مثل الزنبرك بعد أنباء عن عقاقير أو لقاحات جديدة فعالة. وإذا كانت الكارثة الحالية أخرجت الملايين من سوق العمل لأشهر أو حتى سنوات، وإذا تسببت في تراكم الديون دون أن تقوم الحكومات بشطبها، فيمكنها أن تهوي بالاقتصاد لعقود قادمة. ولكن إذا عاد الناس إلى العمل خلال شتاء 2020-21، وقاومت الحكومات الكساد الأولي بنفس القوة التي يحارب بها الأطباء المرض حاليًا، قد لا يكون الضرر كبيرًا؛ولكن خلاصة القول هي: "لا أحد يعرف".

ستكون التأثيرات الدائمة الحقيقية على حياة الأفراد، حيث يصبح شعورهم بالأمان والأمن والثبات مهددين بالخوف وأحيانًا الحزن الشخصي، ولكن حتى هنا، لإعادة صياغة مقولة المؤرخ البريطاني "ألان جون بيرسيفال تايلور"، يمكن أن تكون هذه الأزمة بسهولة نقطة تحول فشل التاريخ في تغييرها. وليس من الصعب تخيل الأشخاص الذين يحلقون في جميع أنحاء أوروبا مرة أخرى بمجرد أن يصابوا بالمرض بأنفسهم، أو بمجرد أن يكونوا مدرعين باللقاح. تم تدمير الحياة اليومية في أوروبا عام 1945، غير أنها عادت مزدهرة في أوائل الخمسينات،والحكماء يعرفون ما هم خبراء فيه، ولكن الأهم من ذلك كله، أنهم يعرفون مدى جهلهم.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية كورونا فيروس كورونا

اضف تعليق