المركز الفرنسي للبحوث وتحليل السياسات الدولية | كورونا تداعيات ومخاطر في الأفق


٢٢ مارس ٢٠٢٠ - ٠١:٣٦ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - فريق رؤية


بقلم - الباحث إسلام موسى

" إذا لم تتدخل الحكومات، سوف تتعثر قطاعات أخرى غير الاقتصادية، وتقابل الدول تحديات جديدة أمنية وسياسية"
بغض النظر عن تصنيف فايروس كورونا الجديد على أنه وباء وله تداعيات صحية كبيرة، فهو يمثل مشكلة خطيرة، ففي أقل من شهرين انتشر عبر عدة قارات.

وهوما يشير ليس فقط الى الفتك الفيروسي فحسب،ولكن انتشاره الجغرافي أيضاً؛ وهو ما يجعل هناك قلقًا عميقًا وتخطيطًا جماعيًا لسيناريوهات أسوأ الحالات؛ إذ لن يقتصر تبعاته على المجال الصحي العالمي، بل إلى الأعمال والسياسة والأمن.

أولا: مخاطر اقتصادية

خسرت الاسواق منذ بدايات انتشار الوباء مليارات الدولارات، لقد شكل عاصفة مثالية لانهيار سوق الأسهم.ووضعت منظمة التجارة العالمية توقعات متشائمة لمؤشر التجارة حول العالم خلال الربع الأول من العام الجاري، بسبب تفشي الفيروس،وقالت: إن نمو تجارة البضائع العالمية سيبقى ضعيفا في أوائل 2020، وفقا لمقياس تجارة السلع التابع لها، والبالغ 95.5، وأقل من 96.6 المسجل في نوفمبر الماضي، وهو بعيدا عن القيمة الأساسية البالغة 100.

ومنذ نوفمبر الماضي، زادت الانخفاضاتفي مؤشر شحن الحاويات (94.8)، والمواد الخام الزراعية (90.9)، فيما مؤشرات طلبات التصدير (98.5) والشحن الجوي (94.6) والمكونات الإلكترونية (92.8) وهي كلها أدنى من خط الأساس.

وفي إطار تلك المؤشرات تكافح الشركات الصغيرة على وجه الخصوص مع جفاف الإمدادات الذي تركها بدون منتجات أو مواد أساسية. إذ أدت إغلاق المصانع في الصين ومعظم دول العالم التي اصابها الفايروس إلى انخفاض قياسي في مؤشر مديري المشتريات في البلاد والذي يقيس إنتاج الصناعات التحويلية. وتعد الصين أكبر مصدر في العالم وهي مسؤولة عن ثلث التصنيع العالمي، وبالتالي فإن مشكلتها وحدها لو اقتصر الأمر عليها فقط أي الصين هي مشكلة الجميع، فما بالنا في أن الأمر امتدد لمعظم الدول. هذا بخلافالحرب التجارية بين البيت الأبيض وبكين. 

إن خطر انتشار الوباء لا يقتصر على الحياة الصحية التي يتعرض لها الجمهور، بل أنه المحتمل أن يكون ذلك من خلال ايقاف قطاعات كبيرة من الجماهير عن العمل، وهو ما يعنى ازدياد معدلات البطالة في الدول.

ثانيا: مخاطر سياسية

تصاعد الاتهامات  بين الصين والولايات المتحدة، بعدما غرد المحدث باسم الخارجية الصينية على حسابه على توتير، بأنه ربما ادخالالجيش الأمريكيالفيروس الى مدينة وهان التي كانت الأكثر تضررا بعد تفشي المرض فيها.

هذا الاتهام سيكون له تداعيات كثيرة على معظم دول العالم، لا سيما وأن الفايروس أضر بحلفاء امريكا نفسهم (الاتحاد الاوربي) حيث تعيش معظم دول الاتحاد الأوربي أزمة حقيقية لا سيما ايطاليا الاكثر تضرراً، وتصف إحدى الممرضات الإيطاليات أن ما حل بالبلاد بمثابة حرب كبيرة تضاهي الحرب العالمية الثانية.

هذه الاتهامات للولايات، سبق وأن تناولتها تقارير اعلامية روسية مفادها أن سلالة فيروس كورونا الصيني مخلّق صناعيا، وإن المخابرات الأمريكية وكبرى شركات الأدوية تقف وراء ذلك. ويكرر التقرير ادعاءات قديمة وزائفة سبق أن نشرها الكرملين مفادها أن الولايات المتحدة كانت تدير مختبراً في جورجيا، حيث كانت تختبر أسلحة بيولوجية على البشر.

على الرغم من اقتصاد الولايات المتحدة نفسه يتعرض الى نكسة ايضا بسبب الكورونا الذي انتشر أيضا فيها. التساؤل هنا كيف لدولة أن تستخدم سلاحا فتاكا مثل هذا يمكن أن يعود عليها بالضرر، ولا يمكن أن تكافحه؟، كيف يمكن أن تحارب بهذا السلاح في ظل أن الاقتصاد الامريكي نفسه مبنيا على فكرة العولمة، هي بذلك تدمر امتداداتها الاقتصادية؟

ويقول الحقوقي محمد أبو هاشم في تغريده له على حساب الفيس بوك، أن المتحدث باسم الخارجية قال في تغريديه باللغة الانجليزية كلمة "ربما" أي بمعنى أنه لا يستند الى أدلة وبراهين تدلل ادعائه، لهذا ارجح أن الصين تحاول أن تبرأ نفسها ادبيا من الوباء باعتبار أن عادتها الغذائية كانت السبب.. وتحاول ايضاً كسب مواقف سياسية من هذا الاعلان!!، وقد استند في رأيه على إجابة أحد علماء الفيروسات من كوريا الجنوبية عندما سؤل حول ما اذا كان الفيروس مصنع؟!.. وقال: "من غير المحتمل أن يكون مصنعاً، وتطوره طبيعي ونحن على دراية بكيفية حدوث التطور".

على الرغم من ذلك، قد تثير تلك الاتهامات على الأقل وتيرة التعاون بين الدول في مجال مختلفة قد يكون الأمن ضمنها، وتراجع الثقة لمدة محدودة، وهي فترات كافية لتوتير العلاقات السياسية والامنية، وخلق بيئة اجتماعية وأمنية مترهلة.

ثالثا: مخاطر أمنية

في خضم أزمات انتشار نقص النمو الاقتصادي، تُسلطت الأضواء على المشكلات الاجتماعية والأمنية، التي لا شك أنها تؤدي إلى ظروف مميزةفي التردي تتضمن: تزايد معدلات بطالة الشباب، وارتفاع معدلات الاضطرابات فهناك سلع كثيرة اختفت من الأسواق واحتكار بعضها، كالمنظفات والكمامات الواقة،وتزداد شائعات خطط الطوارئ لتقييد التنقل والهجرة من والى البلدان التي في حالة انهيار اقتصاديوصحي. هذه أجواء عاصفة ملائمة لخلق البيئة الاجتماعية والاقتصادية الملائمة لتجنيد المجموعات الإرهابية الناشئة محليًا. حيث يتم الإشارة مرارًا علي أن الفقر والبطالة أحد أكبر المحفزات الدافعة لتزايد مشاعر اليأس والإحباط.وفي ظل تراجع  خيارات التوظيف وفرص العمل المربحة تزداد العلاقة الإيجابية بين البطالة ومستويات الرغبة الفردية في المشاركة في العنف الإرهابي.

ومن المرجح أن تخلق التداعيات الاقتصاد، والتوتر السياسي ما بين الصين وروسيا والولايات المتحدة  أعباء أمنيةاضافية في مناطق مختلفة، لا سيما في الشرق الاوسط،الذي يشهد تنافساً كبيرة في السنوات الأخيرة.هناك حرب النفط بين روسيا والسعودية، والأيديولوجية بين السنة والشيعة، وانتشار الحرب الفعلية في سوريا وانخراط تركيا فيهاخصوصاًبمنطقة ادلب التي صاعدت من أزمة هجرة محتملة أخرى تجاه دول الاتحاد الأوربي، التي هي حاليا تواجه معضلة الفايروس خصوصا ايطاليا.

فلو أخذنا حرب النفط مثلا، نجد أن هنا انخفاض في الطلب العالمي على النفط الخام نتيجة تباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي والآسيوي. وبناءً عليه، من المرجح أن يفقد منتجو النفط والغاز في الشرق الأوسط عائدات كبيرة من التصدير وسوف يؤدي ذلك أيضاً إلى اختلال المالية العامة لدى عدد من الدول المصدرة للطاقة بالمنطقة، وقد تتسع فجوة العجز المالي لدى بعضها، ولاسيما شديدة الانكشاف منها على الأسواق، وهو ما يعنى أن هناك اعباء قادمة اضافية ترفع فيها معدلات الفقر المتدهورة أصلا في منطقة الشرق الأوسط، ويعتبر الكساد الاقتصادي هو النعمة والبيئة الخصبة للإرهاب.

في خلاصة هذا الأمر نجد أن أخطار تداعيات فايروس أكبر بكثير، من خطر الفايروس نفسه؛  فحسب  منظمة الصحة العالمية، "أن الفايروس ليس بالفتاك، ويصنف بأنه معتدل. بيد أن له تبعات خطيرة لمن لديهم أمراض مناعية. عدا ذلك، أن ما يقارب 70% من المصابين لا تظهر عليهم أعراض مرضية خطيرة تستدعي الدخول للمستشفى، وما يقارب 85% تم شفائهم عن طريق جهازهم المناعي،  كما ان نسبة الشفاء تبلغت 98%. ولكن لايجب الاستهانة في التعامل معه؛ نظرا لسرعة انتشاره، وعدم وجود مصل واضح يقضي عليه.لذا مطلوب منا الهدوء والحذر فقط. والسلامة للجميع".

لكن ويبدو أن العالم قد وقع في حالة من الهستيريا الشديدة والخوفوقد يكون مبالغ فيه، لكن بكل الاحوالنتج عنه تدهور سريع فيه في معنويات المتعاملين في الأسواق العالمية، وإذا كان هذا الأمر مقبولاً بالنسبة للمستثمرين، الذين يخافون على رؤوس أموالهم؛ أما الحكومات يجب أن تخالف ذلك، فهو منوط فيها أن تضبط ردود فعلها وسياساتها لتكون بمثابة عامل استقرار، وحماية في مواجهة المخاطر الأمنية والسياسية المحتملة لتداعيات للفيروس.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية مكافحة كورونا كورونا

اضف تعليق